الوسم: صندوق أقلام

  • أصلحوا المعلومة .. قبل أن تتحدث الآلة

    أصلحوا المعلومة .. قبل أن تتحدث الآلة

    بقلم : فلحة بريزات
    * عندما يصبح الوزير خوارزمية *

    ماذا لو استيقظنا غداً على حكومة يتولى فيها “وزير اتصال” افتراضي مهمة مخاطبة المواطنين، من دون مؤتمرات صحفية أو بيانات تقليدية؟

    هذا السؤال لم يعد درباً من الخيال؛ فالواقع الرقمي يشهد تحولات متسارعة، إذ حملت الوزيرة الافتراضية “ديلا” حقيبة مكافحة الفساد في حكومة ألبانيا لتقليص التدخل البشري وتحييد تضارب المصالح، فيما أطلقت حكومتنا “فرح” ناطقة رقمية تتولى مخاطبة المواطنين.

    قد تبدو التجربتان متباينتين في الغاية، لكنهما تكشفان تحولاً بنيوياً أعمق: لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية هامشية في العمل الحكومي، بل اقتحم مؤسسات الدولة وبدأ يتحدث باسمها في مساحات كانت حكراً على الإنسان.

    ما يستوقفني ليس المفاضلة بين التجربتين، بل ما ينبغي أن يسبق الاحتفاء بهذه الابتكارات محلياً؛ ألا وهو دمج التقنيات في إصلاح فعلي لإدارة المعلومة الحكومية برمتها، لا الاكتفاء بلصق واجهة عصرية على إدارة كلاسيكية. فحين تنطق آلة باسم الحكومة، لا يعود المحك محصوراً بسرعة ردودها، بل يمتد إلى المعلومات التي تستند إليها ومصادر توثيقها؛ فالخوارزمية وإن كانت قادرة على صياغة الأجوبة، ستظل عاجزة عن إنشاء معلومة ذاتية تتجاوز المعطيات المُلقاة في حَجرِها.

    من هنا يَتکشف الاختبار الحاسم للناطقة الرقمية؛ فهو لا يكمن في طلاقة أجوبتها، بل في منعة بيانات الحكومة وقدرتها على التمييز بين المعلومة الرسمية والتفسير، فضلاً عن رسم الحدود بين ما يُبتُ فيه آلياً وما يستوجب تقديراً بشرياً. فالمواطن لا يعنيه الاستماع إلى نظام ذكي، ما لم ينتهِ إلى حقائق تروي ظمأه المعرفي.

    وهنا يبرز التساؤل أمام الحكومة: هل البنية المؤسسية مستعدة حقاً لهذا التحول؟ إن الاستعداد شرط حتمي؛ فلن تستطيع “فرح” رتق التصدعات في بُنية معلوماتية مشتتة بين الوزارات تفتقر للتحديث والتصنيف. فإذا كانت المعلومات الأساسية منقوصة؛ ويشوبها التعتيم، فلن تنقلب إلى حقيقة ساطعة لمجرد أن آلة صماء تولت زخرفتها. فجودة المُخرجات تظل رهينة بسلامة المدخلات.

    وفي هذا السياق، تؤكد التجارب العالمية أن قيمة الذكاء الاصطناعي لا تُقاس ببراعة البروفايل وأناقته، بل بصلابة شبكة البيانات ومنظومة الحوكمة التي تقف خلفه؛ فمثلاً وظفت سنغافورة ناطقة لتطوير الخدمات، بينما اختارت الخارجية الأوكرانية “فيكتوريا” لإدارة الشؤون القنصلية.

    قد يمنح الذكاء الإدارة سرعة التواصل، لكنه لا يكفل تعزيز الشفافية؛ فالمكاشفة لا ترتهن بسرعة الاستجابة، بل بيُسر الوصول إلى المعلومة ودقتها وجلاء مصدرها والقدرة على الاعتراف بالخطأ وتصويبه.

    ولا يتوقف الأمر عند حدود التقنية وحسب، بل يفتح اقتحام الآلة فضاء الخطاب الرسمي الباب أمام محاذير سياسية؛ حيث تطل برأسها معضلة تسليع المعلومة وتوجيهها، فقد تكتسي المخرجات رداء الدعاية لأمزجة مؤسسية، فتتحول التقنية من أداة تواصل إلى بوق يعكس هوى السلطة لا حاجة المواطن.

    وتطل برأسها أيضاً مسألة عدالة الوصول إلى المعلومة؛ فالناطقة الرقمية تفترض ضمناً مواطناً مندمجاً تقنياً، فما ذنب من يفتقرون للمهارات الرقمية؟ فإن كانت المعلومة حقاً أصيلاً لكل مواطن، فلا ينبغي أن تختزل في تطبيق أو أداة.

    لهذا كله، يغدو إطلاق الأيقونة الرقمية خطوة شكلية، إن لم يندرج في صلب بنية حكومية لإدارة المعلومات وتدفقها بشفافية وسرعة؛ لتكون مرآة دقيقة ترتبط بمنصة “حقك تعرف” بعد نفض ركام الإهمال عنها، وتغدو مرجعية وطنية تجمع القرارات والوثائق والأرقام ومصادرها الموثوقة، مانحة المواطن والصحفي حق الوصول والتدقيق بعيداً عن تقاذف البيانات بين المواقع والمنصات المعزولة.

    وفي هذا المرتكز بالذات، يجب ألا ينكمش دور الصحافة الحرة أو يتقهقر أمام طغيان المستجدات الرقمية، بل يتضاعف دورها شأناً وعمقاً؛ فوظيفتها لا تقف عند حدود اجترار ما تبثه الحكومة وناطقها، بل تتجاوزه للنفاذ إلى ما وراء الإجابات الجاهزة والروايات الرسمية؛ تبحث، تقارن، وتنبش عما تغفله الواجهات الرقمية، لا سيما أن المشكلة ليست تقنية فقط، بل في طريقة إدارة المعلومة وإتاحتها، ولأن فائض الإجابات قد يعقد وصول المواطن إلى الأهم وسط هذا الزحام.

    إن إقحام الذكاء الاصطناعي يظل خطوة منقوصة؛ ما لم يواكبها غربلة جادة في الإدارات وسياسات الإعلام؛ وإلا فإننا سنكون أمام غطاء رقمي فاره لبيروقراطية عتيقة تتغير مظاهرها بينما يظل جوهر التفكير على حاله. وهذا هو الوجه الأكثر خطورة لـ “الغسل الرقمي”: أن تتجمل الإدارة شكلياً دون أن تتغير في عمق جوهرها.

    فحين نسخر الذكاء الاصطناعي لتجميل المظهر الإداري، فنحن لا نغادر المربع البيروقراطي، بل نمنحه حنجرة أعلى صوتاً وواجهة أكثر لمعاناً لإنتاج إجابات معلبة.

    أما إذا استُثمر التقدم الرقمي لترتيب بيت المعلومات الحكومية، بحيث تستقيم البيانات وتتضح المصادر وتتحدد المسؤوليات، فقد نكون أمام ومضة أمل لإصلاح حقيقي.

    من هنا، لا يكفي التغني بهذه المبادرات، بل يفرض الواجب إخضاعها لتقييمات علمية ومستقلة تمحص دقة المخرجات ومصادرها مع نشر نتائجها بشفافية. فصرح الثقة لا يُبنى بالإعلانات البراقة، بل بالمحاسبة والقدرة على تقويم الاعوجاج؛ فالمعيار الحقيقي لا يقف عند امتلاك أداة تضخ الكلام بسرعة، بل في قدرة الإدارة الحكومية على إعادة هندسة علاقتها بالمعلومة والمواطن.

    وخلاصة القول، لا ينبغي أن يبلغ الطموح الحكومي مداه بمجرد إنابة الزميلة “فرح” للثرثرة بالنيابة عنها، بل أن ترتقي كفاءة الإدارة نحو شفافية أعمق، ومكاشفة أجرأ، ووضوح أشد في تحديد المسؤوليات.

    وحين تبلغ هذه الغاية، فلن تكون بصدد إنجاز تقني عابر، بل أمام فرصة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين.
    وربما… في غمرة هذا المخاض، ننجح في إنجاز التحول الرقمي، وترشيد جسد الحكومة، وتقليص طوابير الطامحين للمقاعد الوزارية… بضربة (كيبورد) واحدة.

     

  • حول ترؤس المرأة للجاهات

    حول ترؤس المرأة للجاهات

    بقلم :  محمد حسن التل

    لا ينبغي أن يكون النقاش حول ترؤس امرأة جاهة أو أمثلة أخرى حول دخول المرأة ميادين حكرا على الرجال حب الاعراف الموروثة حادًا أو جارحًا وعصبيا، الواجب يقتضي أن يدرس من خلال هذه الظاهرة أو هذا التصرف تحول مفاهيم المجتمع وإعادة فهم قصة المساواة بين الرجل والمرأة التي شط بها البعض كثيرًا وبعيدًا حتى وصلنا إلى هذا الفهم المغلوط عند الكثيرين، الشرع لم يتطرق لمثل هذه الظاهرة بشكل مباشر وتفصيلي. ولكنه حدد حسب الخَلق واجبات وحقوق وأدوار الرجل والمرأة، وهنا يبرز دور الموروث والعرف الشعبي الذي يرفض هذه الظاهرة، والعرف يكون أقوى من القانون في كثير من الأحيان بما يخص المجتمع، وأي أمر خارج قواعد المجتمع فإن الغاابية تعتبره تشوه يجب التصدي له.
    قواعد التعامل مع المرأة والرجل يحكم مسارها ويرتب تكوينها وأولوياتها منطلق القاعدة التي أشرت لها اعلاه كلٌّ لما خُلق له، بحدود الدور والمسؤولية. وفي هذا المعنى يقول عباس محمود العقاد: «ميزان العدل الصحيح هو أن تتساوى حقوق الإنسان مع واجباته، وليس من العدل أن يتساوى اثنان مختلفان في الحقوق والواجبات»، ويقول أيضًا: «الرجل والمرأة ليسا سواء في جميع الحقوق والواجبات؛ لأنه لا يمكن أن يوجد جنسان مختلفان لهما صفات الجنس الواحد وأعماله وغايات حياته».
    لقد حول البعض مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة إلى مفهوم مضطرب، فالمساواة كما قيل أصلها صون الكرامة وإعطاء الحقوق والفرص، لكن أن تتحول إلى مفهوم مختل عند البعض يفترض أن المساواة لا تتحقق إلا بإلغاء الحدود بين ما يقوم به الرجل وتقوم به المرأة، وكما قيل أيضًا فهل المساواة تعني أن يكون الرجل والمرأة متطابقين في كل شيء، أم أن الاعتراف بالمساواة يكمن بأن يتعايش مع الاعتراف بالاختلاف حسب طبيعة الخَلق، وفي هذا السياق تؤكد عالمة الاجتماع النسوية أليس روسي: «في ما يتعلق بالذكور والإناث، الاختلاف حقيقة بيولوجية، أما المساواة فهي مفهوم سياسي وأخلاقي واجتماعي. لا توجد قاعدة في الطبيعة أو في التنظيم الاجتماعي تقول إن على الجنسين أن يكونا متماثلين أو يقوما بالأمور نفسها لكي يكونا متساويين اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا».
    ونكران الاختلاف بين البشر ليس انتصارًا للمساواة، والقول إن للرجل والمرأة خصائص وأدوارًا قد تتباين لا يعني هذا أن أحدهما له قيمة أعلى من الآخر، وهناك قاعدة تقول هل العدل أن يأخذ الجميع نفس الشيء، أو يُعطى كل إنسان ما يتناسب مع طبيعته وقدرته؟ وهنا يلتقي هذا المعنى مرة أخرى مع ما يطرحه العقاد من أن العدل لا يقوم بالضرورة على تماثل الحقوق والواجبات بين المختلفين، وإنما على التوازن بينها وفق طبيعة المسؤولية والدور.
    يقول الإمام الغزالي بأن المساواة بين الرجل والمرأة يمكن تلخيصها في فكرة أساسية مفادها
    المساواة في الكرامة والحقوق الإنسانية والأصل في التكليف، مع اختلاف بعض الوظائف والأحكام تبعًا لاختلاف الطبيعة والمسؤوليات، ومن أبرز ما نُقل عنه في كتابه «قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة» أن الإسلام يقرر «المساواة العامة في الإنسانية بين الذكور والإناث»، وأن إعطاء الرجل حقًا أكثر في بعض المواضع يكون – في تصوره – مقابل واجب أو مسؤولية أثقل، وليس لأن الرجل أكرم إنسانيًا من المرأة. كما يؤكد أن قوامة الرجل في الأسرة لا تعني إلغاء المساواة الأصلية بينهما..
    إن كل محاولة تهدف الى تجاوز حدود الادوار الطبيعية في بنيوية المجتمع تكون عزفا نشارا على وتر قواعد المجتمع التي بنيت على قيم وأعراف لا يمكن تجاوزها وأن نجحت محاولة خلخلتها فإننا سنكون على أبواب فوضى تهدد استقرار المجتمع وتميع فيه كل الحدود ساعتها.

  • للمرأة طريقها … وللجاهات أعرافها  

    للمرأة طريقها … وللجاهات أعرافها  

    بقلم :  هيام الكركي

    في كل مرة نرى فيها المرأة تدخل دورا كان الرجل يقوم به، نسارع الى تسميته انتصارا جديدا للمرأة. لكن هل كل دور ينتقل من الرجل الى المرأة يعني بالضرورة ان المرأة تقدمت؟

    هنا تحديدا اتوقف.

    ترؤس الجاهات موضوع لا اؤيده، ليس لان المرأة غير قادرة، وليس لانها اقل من الرجل، بل لانني لا ارى ان هذا الدور يحتاج الى ان يتحول الى مساحة جديدة لاثبات المساواة.

    الجاهة في مجتمعنا ليست وظيفة، وليست منصبا رسميا، وليست موقعا من مواقع صنع القرار. هي عادة اجتماعية وعشائرية لها شكلها واعرافها ورمزيتها، واعتاد المجتمع ان يكون للرجال فيها الدور الرئيسي.

    وقد تتغير العادات مع الزمن، وهذا امر طبيعي. لكن ليس كل عادة يجب ان تتغير، وليس كل تغيير يعني اننا تقدمنا.

    المرأة اليوم لديها مساحات اكبر واهم بكثير لتثبت فيها حضورها.

    ان تقود مؤسسة.

    ان تتولى منصبا.

    ان تصنع قرارا.

    ان تنجح في عملها.

    ان تكون حاضرة في الحياة العامة.

    ان تترك اثرا حقيقيا في المكان الذي تعمل فيه.

    هذه هي المساحات التي تستحق ان نتحدث عنها عندما نتحدث عن قوة المرأة.

    اما ان تصبح الجاهة مقياسا لمدى تقدم المرأة، فهذا ما لا اتفق معه.

    المشكلة تبدأ عندما نضع الرجل والمرأة في منافسة دائمة: هذا الدور للرجل، فلنأخذه للمرأة حتى تثبت انها مساوية له.

    لماذا؟

    لماذا لا يكون الاختلاف في بعض الادوار امرا طبيعيا؟

    ولماذا يجب ان تتحول كل مساحة اجتماعية الى اختبار للمساواة؟

    المساواة في الحقوق والفرص امر مهم، لكن المساواة لا تعني ان يصبح الرجل والمرأة متطابقين في كل الادوار.

    هناك ادوار تتغير، وادوار تبقى، وادوار يمكن ان يؤديها الطرفان. والمهم الا يكون هناك ظلم او انتقاص او حرمان من حق بسبب كون الانسان رجلا او امرأة.

    لهذا، لا ارى ان المرأة بحاجة الى ان تأخذ كل ادوار الرجل حتى تثبت قوتها.

    بل على العكس، اعتقد ان قوة المرأة الحقيقية تظهر عندما تختار طريقها، وتنجح فيه، ولا تحتاج في كل مرة الى مقارنة نفسها بالرجل.

    ولست مع تحويل الجاهات الى ساحة جديدة للصراع حول من يقود ومن يجلس في المقدمة.

    اتركوا للجاهات اعرافها، واتركوا للمرأة مساحتها الواسعة التي تستطيع فيها ان تبدع وتقود وتنجح.

    فالمرأة ليست بحاجة الى ان تصبح مثل الرجل حتى تثبت انها قوية.

    وليس كل اختلاف في الادوار انتقاصا من احد.

    في النهاية، لكل مجتمع عاداته، ولكل عادة سياقها، ولكل امرأة طريقها.

    وربما يكون احترام هذا الاختلاف اكثر حكمة من محاولة جعل كل شيء متشابها باسم المساواة.

    هذه ليست دعوة للعودة الى الوراء، وليست انتقاصا من المرأة.

    انها ببساطة وجهة نظر: للمرأة طريقها… وللجاهات اعرافها.

  • يادولة الرئيس حين تصبح هيبة الحكومة أكبر من مجاملة المناسبة

    يادولة الرئيس حين تصبح هيبة الحكومة أكبر من مجاملة المناسبة

    بقلم : خليل قطيشات

    من قال إن هيبة الحكومة تُبنى على منصة احتفال، أو تُقاس بعدد المناسبات التي يتصدر فيها الوزير المشهد؟ ومن أقنع بعض المسؤولين بأن الحضور في حفلات التكريم والمناسبات العشائرية جزء من صميم العمل الوزاري، بينما تنتظر على مكاتبهم ملفات وطنية أثقل من أن تُدار بالمجاملات.

    هنا لا يتعلق الأمر بحفل عابر، ولا بصورة تذكارية، ولا حتى بمجاملة اجتماعية يمكن تجاوزها، وإنما يتعلق بسؤال أعمق بكثير: متى يصبح حضور المسؤول الرسمي رسالة سياسية وإدارية تتجاوز المناسبة نفسها؟ وماذا يفهم المواطن عندما يرى مسؤولًا في موقع وزاري يخصص من وقته وجهده لرعاية مناسبات ذات طابع عشائري أو فئوي، بينما يفترض أن يكون موقعه فوق الاصطفافات، وأن تكون بوصلته الوحيدة هي المصلحة العامة؟

    فالوزير ليس وجيهًا اجتماعيًا، ولا سفيرًا لمجاملة هنا أو مناسبة هناك، بل هو رأس مؤسسة ومسؤول عن قطاع يمس حياة آلاف المواطنين، وربما ملايينهم. وكل دقيقة من وقته العام هي جزء من المال العام، وكل ظهور رسمي له ينبغي أن يحمل معنى يتجاوز المجاملة، ويعكس صورة الدولة ومؤسساتها ومبدأ المساواة بين المواطنين.

    المشكلة لا تكمن في أن يشارك الوزير المجتمع أفراحه، فهذا أمر محمود حين يكون في إطاره الطبيعي، وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول المشاركة إلى ظاهرة، وعندما يصبح الحضور الرسمي في المناسبات الفئوية أكثر وضوحًا من الحضور في الميدان، وعندما تبدو الحكومة وكأنها تقترب من فئة لأنها تملك قدرة أكبر على الوصول إلى المسؤول، أو لأنها تنتمي إلى إطار اجتماعي محدد.

    في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: لماذا حضر الوزير؟ بل يصبح السؤال الأخطر: ما الرسالة التي تركها حضوره؟

    فالحكومة التي تريد ترسيخ المواطنة لا يجوز أن تسمح بأن تُفهم رموزها باعتبارها امتدادًا للعلاقات العشائرية أو الجهوية. والوزير الذي يمثل الحكومة يجب أن يدرك أن موقعه لا يسمح له بأن يكون وزيرًا لفئة دون أخرى، ولا أن يجعل حضوره الرسمي يبدو وكأنه شهادة تقدير اجتماعية لهذا الطرف أو ذاك.

    إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسة العامة ليس أن تخطئ في مناسبة، وإنما أن تفقد تدريجيًا قدرتها على التمييز بين ما يليق بالحكومة وما يليق بالمجالس الاجتماعية.

    الحكومة لا تحتاج إلى مسؤولين يكثرون الظهور بقدر حاجتها إلى مسؤولين يكثرون الإنجاز. ولا تحتاج إلى وزراء يتنقلون بين منصات التكريم بقدر حاجتها إلى وزراء يتنقلون بين مواقع العمل، ويتابعون المشاريع، ويحاسبون المقصر، ويستمعون للمواطن، ويواجهون الأزمات قبل أن تتحول إلى أزمات وطنية.

    إن هيبة الحكومة لا تُصنع بالصور، وإنما بالقرارات. ولا تُحمى بالمجاملات، وإنما بالعدل. ولا تترسخ بكثرة الحضور في المناسبات، وإنما بوجود مؤسسات قوية يشعر المواطن أمامها أن القانون فوق الجميع، وأن الكفاءة مقدمة على العلاقات، وأن الحكومة تقف على المسافة نفسها من كل أبنائها.

    ومن هنا، فإن إعادة النظر في مفهوم الرعاية الرسمية للمناسبات ليست ترفًا إداريًا، ولا محاولة للحد من التواصل المجتمعي، بل هي ضرورة لحماية صورة الحكومة من أي التباس، ولإعادة الاعتبار إلى المعنى الحقيقي للمنصب الوزاري.

    فالوزير الذي يحمل مسؤولية  لا ينبغي أن يسأل أولًا: أين سأظهر؟ بل: أين يجب أن أكون؟

    وهذا هو الفارق بين مسؤول يبحث عن الحضور، ورجل ووزير يعرف قيمة المنصب الذي يحمله.

  • اللواء أحمد حسني .. وجوده صمام أمان مستقبلي للأردن

    اللواء أحمد حسني .. وجوده صمام أمان مستقبلي للأردن

    د. حمزة الشيخ حسين يكتب ..

    مع أنني لا أحبذ التعليق على جنرالات الدولة الذين يقومون بزيارات أو يحضرون مناسبات رسمية أو اجتماعية في البلاد، إلا أن موقفاً استوقفني، وأعتقد أنه يستحق التوقف عنده.

    كان اللواء أحمد حسني، مدير دائرة المخابرات العامة، حاضراً في إحدى المناسبات، وعندما تحدث أحد الحضور، قام بالتعقيب على حديثه بكل دقة ووضوح، وقال: «اسمح لي أخوي الكبير أن أقول: نحن لم نرث حب الأردن، بل رضعناه رضاعة».

    ثم أكمل حديثه بشكل مرتجل، ولم يتجاوز حديثه دقيقتين، لكنه اختزل في تلك الدقائق سردية كبيرة.

    لم يكن أمامه ورق مطبوع، ولم يكن قد حفظ كلماته عشرات المرات قبل أن يقف أمام الناس، كما يفعل بعض الذين يطوفون بعرض البلاد وطولها وهم يتحدثون عن الأردن، بينما تكون الأوراق بين أيديهم جاهزة، أو تكون الكلمات محفوظة عن ظهر قلب.

    كان حديثاً ارتجالياً جاء رداً على كلمة أحد الحضور، ومع ذلك أظهر قدرة ذهنية عالية، وسرعة في التقاط الفكرة، والقدرة على التعبير عنها في وقتها وبكلمات قليلة.

    وهنا توقفت.

    فمثل هذه المواقف الصغيرة تكشف أحياناً ما لا تكشفه الخطب الطويلة.

    وتحمل الناس على التفكر في القدرات التي يتمتع بها الرجل، وفي المؤسسة التي يقودها، وفي طبيعة العمل الذي تقوم به دائرة المخابرات العامة الأردنية، والتي أصبحت، بما تقوم به من عمل احترافي وسبق وقائي، خط الدفاع الأول عن أمن البلاد واستقرارها.

    والأردن اليوم بحاجة إلى أمثال هؤلاء الرجال.

    انظروا إلى من يتحدث، وإلى من كان على رأس عمله، وإلى من قاد البلاد نحو الضائقة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها اليوم، بسبب انعدام الفطنة وسوء التقدير، ثم اسألوا أنفسكم: ما هو المنطق الذي كان يحكم تلك القرارات؟

    فالأردنيون لم يعودوا ينظرون إلى المسؤول من خلال موقعه فقط، وإنما أصبحوا قادرين على التمييز بين من يمتلك الفطنة والذكاء لخدمة البلاد، وبين من يجيد مجرى الكلام والتصريحات، ويجعل جل همه أن ينال مقعداً أو كرسياً في جامعة أو مركز علمي أو ثقافي، حتى يبقى في الواجهات الإعلامية أطول فترة ممكنة.

    وهؤلاء كثر للأسف.

    بعضهم فرض نفسه على المسؤولين من خلال شبكة العلاقات العامة التي تجمعه بهم، وبات وجوده في الواجهة أمراً شبه دائم، ليس بالضرورة لأن لديه ما يضيفه للوطن، وإنما لأنه يعرف كيف يحافظ على حضوره.

    والشعب الأردني أصبح ناقماً على هذا المشهد، وعلى كل من ساهم في تحويل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية إلى مساحة مغلقة تتكرر فيها الأسماء نفسها، وتفتح فيها الأبواب لمن يمتلك العلاقات أكثر مما تفتح لمن يمتلك الكفاءة.

    لهذا أقولها بوضوح:

    كم يحتاج الأردن اليوم إلى رجال دولة حقيقيين.

    رجال لا يبحثون عن الواجهة، بل تعمل الواجهة من أجلهم.

    رجال لا يحتاجون إلى أوراق طويلة حتى يثبتوا حضورهم.

    رجال إذا تحدثوا، أنصت الناس؛ وإذا صمتوا، عرف الناس أن وراء الصمت قراءةً لما يجري.

    ومن هنا، فإن وجود رجل مثل الباشا أحمد حسني في موقعه اليوم ليس مجرد وجود مسؤول أمني، وإنما يمثل، في تقديري، صمام أمان مستقبلياً للأردن، في ظل إقليم مضطرب وتحديات تتغير كل يوم.

    الأردن يتغنى إلى الأبد بذكرى الشهيد وصفي التل، وهذا حقه، لأن وصفي أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية الأردنية.

    لكن الأردن اليوم بحاجة أيضاً إلى الرجال الأحياء.

    بحاجة إلى رجال وجودهم يحيي الأرض بعد موتها، ويبث الحياة من جديد في جسد الشعب الأردني، ويعيد للناس شيئاً من الثقة بأن الدولة ما زالت قادرة على إنتاج رجال يعرفون معنى المسؤولية، ويضعون الأردن قبل أنفسهم.

    فالدول لا تحميها الكلمات وحدها، ولا الذكريات وحدها، ولا المناصب وحدها.

    الدول يحميها رجال يؤمنون بها، ويعرفون أن حب الوطن ليس ما نقوله أمام الناس، وإنما ما نحمله في داخلنا ونفعله عندما لا يرانا أحد.

    وهذا تحديداً ما استوقفني في تلك الدقائق القليلة التي تحدث فيها اللواء أحمد حسني.

    «نحن لم نرث حب الأردن… بل رضعناه رضاعة».

    كلمات قليلة، لكنها في زمن كثرت فيه الكلمات، كانت كافية لتقول الكثير.

  • ولي العهد في المغطس .. الأردن يستعد لكتابة فصل جديد من روايته العالمية

    ولي العهد في المغطس .. الأردن يستعد لكتابة فصل جديد من روايته العالمية

    بقلم : د. مارسيل جوينات
    ليست زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى موقع عمّاد السيد المسيح (المغطس ) مجرد زيارة لموقع ديني ذي مكانة تاريخية وروحية؛ فالتوقيت، وطبيعة التوجيهات، والسياق الوطني الأوسع للتحضير لعام 2030، جميعها تجعل من الزيارة محطة في مسار أردني يتجاوز فكرة الاحتفال إلى إعادة تعريف وظيفة المكان في المستقبل.

    فالمغطس يقف اليوم أمام لحظة تاريخية جديدة. وإذا كان الموقع قد احتفظ بمكانته بوصفه مكان ارتبط بمعمودية السيد المسيح، فإن التحدي الأردني لم يعد إثبات أهمية الموقع، بل كيفية تحويل هذه الأهمية التاريخية والروحية إلى حضور عالمي مستدام، وإلى تجربة متكاملة للحاج والزائر، وإلى قيمة مضافة للسياحة والاقتصاد والثقافة، وإلى مساحة تعكس صورة الأردن بوصفه بلد للحوار والاعتدال والعيش المشترك.

    ومن هنا تكتسب زيارة ولي العهد دلالتها، التوجيه بتحسين تجربة الحجاج المسيحيين والزوار، والتأكيد على التخطيط المبكر لاحتفالات الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، والتوسع في الترويج للموقع بالتنسيق بين وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة والشركاء، يضع ثلاثة عناوين مترابطة أمام الدولة: الخدمة، والاستعداد، والترويج.

    وهذه ليست عناوين إجرائية منفصلة؛ إنها مكونات لرؤية واحدة. فالحاج الذي يصل إلى المغطس لا يبحث فقط عن مكان يزوره، وإنما عن تجربة روحية وإنسانية متكاملة. ولذلك فإن تطوير الموقع يجب أن يبدأ من احترام قدسيته وهويته، لكنه لا ينتهي عندهما. المطلوب أن يجد الزائر منظومة متكاملة من المعلومات والخدمات والبنية التحتية والنقل والإرشاد والضيافة والمرافق، وأن يشعر بأن المكان يُدار بعقلية الموقع العالمي، لا بعقلية الموقع المحلي.

    وهنا تكمن أهمية التوجيه الملكي واهتمام ولي العهد: الانتقال من إدارة الموقع إلى إدارة التجربة. فالأردن أمام مناسبة نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في ألفي عام.

    لكن قيمة 2030 لا ينبغي أن تقاس بعدد الوفود التي ستصل، أو بعدد الفعاليات التي ستقام، أو بعدد الأيام التي ستستمر فيها الاحتفالات. القيمة الحقيقية تكمن في السؤال الذي يجب أن يسبق المناسبة: ماذا سيبقى بعد 2030؟ وهنا تصبح الاحتفالية وسيلة وليست غاية.

    لقد وضعت الدولة بالفعل إطار يتجاوز الاحتفال التقليدي؛ إذ شكلت لجنة وطنية رفيعة المستوى برئاسة رئيس الوزراء لتكون المرجعية الوطنية في التخطيط للفعاليات والسياسات والمخاطبات الدولية، كما يجري العمل على تطوير منتج الحج المسيحي والترويج للمغطس والمواقع الدينية الأخرى. وهذا يعني أن الأردن يتعامل مع 2030 باعتبارها مشروع لبناء المستقبل منطلق من الذاكرة.

    كما ان الاستثمار في المكان.. والاستثمار في الرواية، الأكثر أهمية فالتحضير بدأ يأخذ شكل تنموي ملموس،
    فقد اعلن عن حزمة مشاريع تبلغ نحو 120 مليون دولار في الأراضي المجاورة لموقع المعمودية ، تشمل متحف معمودية السيد المسيح، وقرية متكاملة للحجاج والزوار، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء ممر أخضر، على مساحة تقارب 1400 دونم. ومن المخطط أن تبدأ الأعمال الإنشائية الرئيسة في عام 2027، مع استهداف استكمال المشروعين الرئيسين في الربع الأول من 2029، أي قبل حلول موعد الاحتفالات.

    هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كلها. القصة الأهم هي أن الأردن القصة الأهم هي أن الأردن يحاول بناء منظومة حول المكان. وهذا التحول هو جوهر التفكير السياحي الحديث. وبذلك ينتقل المغطس من مفهوم “الموقع”إلى مفهوم “الوجهة”.

    وهناك بعد آخر لا يقل أهمية عن السياحة والاقتصاد.
    فالدول لا تقدم نفسها للعالم من خلال الجغرافيا وحدها، وإنما من خلال الروايات التي تنتجها عن ذاتها وعن تاريخها ودورها.

    وموقع المعمودية يمنح الأردن فرصة لصياغة رواية حضارية مختلفة، رواية أرض شهدت حدث محوري في التاريخ المسيحي، واحتضنت المسيحية منذ بداياتها، وتعيش اليوم انموذج من التعدد الديني والثقافي.

    لذلك فإن 2030 يمكن أن تكون لحظة لإعادة تقديم الأردن للعالم من خلال رواية المكان والإنسان والسلام. وهنا تتجاوز أهمية المناسبة حدود السياحة الدينية؛ إذ تصبح جزء من القوة الناعمة الأردنية.

    فموقع معمودية السيد المسيح يستطيع أن يقول للعالم إن الأردن ليس فقط بلد يستقبل الحجاج، بل بلد يمتلك إرث ديني حي ويؤمن بالحوار، ويحمي التنوع، ويجعل من الاختلاف مصدر للقوة لا سبب للصراع.

    الاحتفال الذي يجب أن يبدأ قبل 2030، يبدأ بإعداد سردية عالمية للمناسبة، وبناء شراكات مع الكنائس والمؤسسات الدينية في مختلف أنحاء العالم، وإطلاق حملة ترويج دولية، وربط موقع معمودية السيد المسيح بشبكة المواقع الدينية والتاريخية في الأردن، وتطوير برامج للحج المسيحي، وتأهيل الأدلاء والعاملين في السياحة، والاستفادة من الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي لإيصال قصة الموقع إلى الأجيال الجديدة.

    وهنا يمكن أن يصبح الأردن أكثر طموح ، لماذا لا تتحول 2030 إلى منصة عالمية للحوار بين الأديان والثقافات؟
    ولماذا لا تتزامن الاحتفالات مع مؤتمرات دولية، وملتقيات للسلام، وبرامج جامعية، ومعارض فنية وثقافية، وإنتاج أفلام وثائقية عالمية، ومشروعات بحثية حول التاريخ المسيحي في الأردن، ومسارات سياحية تربط موقع المعمودية بمادبا وجبل نيبو وعجلون والسلط وجرش وغيرها من المواقع التي تختزن طبقات متعددة من التاريخ؟

    بهذا المعنى يصبح الاحتفال حراك ثقافي وحضاري واقتصادي وليس برنامج احتفالي موسمي. ان ما يجري حول موقع المعمودية يلتقي فيه التاريخ بالدين والسياحة والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية والقوة الناعمة.

    والأردن يمتلك في هذه اللحظة عناصر نادرة، موقع ذا قيمة دينية عالمية، قيادة سياسية ترى في المناسبة فرصة وطنية، شراكة مع الكنائس، مشاريع تطويرية بدأت تتحول إلى واقع، وإطار مؤسسي للتحضير للاحتفال. ويبقى التحدي في تحويل هذه العناصر إلى رؤية واحدة متماسكة.

    وهنا يمكن فهم زيارة ولي العهد باعتبارها رسالة بأن المغطس ليس ملف سياحي هامشي، وإنما جزء من صورة الأردن المستقبلية. فالأردن لا يستعد فقط لاستقبال العالم في 2030؛ بل يستطيع أن يستعد لإعادة تعريف نفسه أمام العالم.

    وإذا نجح في ذلك، فإن ضفاف نهر الأردن لن تكون في 2030 مجرد مكان لاستعادة ذكرى عمرها ألفا عام، بل مساحة لصناعة ذاكرة جديدة للمستقبل؛ ذاكرة تقول إن الأماكن المقدسة يمكن أن تكون جسور بين البشر، وإن التاريخ يمكن أن يتحول إلى تنمية، وإن الإيمان يمكن أن يكون لغة للحوار، وإن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملك من موارد، وإنما بما تستطيع أن تقدمه للعالم من معنى ورسالة ورواية.

    وهنا تحديدًا تكمن القيمة الأعمق لموقع معمودية السيد المسيح ” المغطس”، أن يتحول من مكان يحمل ذاكرة الماضي إلى مشروع يصنع حضور الأردن في المستقبل.

  • تمكين المرأة بين المفهوم الحقيقي وما يتم تداوله من مفاهيم أفرغته من مضمونه الحقيقي

    تمكين المرأة بين المفهوم الحقيقي وما يتم تداوله من مفاهيم أفرغته من مضمونه الحقيقي

    بقلم الأستاذة سمر الجبرة

    أصبح استخدام مصطلح تمكين المرأة في عصرنا الحالي استخداما واسعا فلا يتم وضع مبادرة أو برنامج أو استراتيجية دون ذكر هذا المصطلح، ولكن هل يتم فعلا استخدامه بمضمونه الفعلي أم بوصفه شعارا لإدارة حملة أو إنجاز مشروع؟ وما هو التمكين الحقيقي؟

    تمكين المرأة في جوهره هو بناء قدرات المرأة معرفيا وقانونيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وقيميا ورقميا، فتصبح قادرة على الحصول على المعرفة الكاملة على كافة الأصعدة فتستطيع المطالبة بحقوقها ومن ثم الوصول إليها تصبح قادرة على الحصول على فرص عمل مناسبة وفي بيئة آمنة ومن ثم تشارك في الحياة الاقتصادية تصبح قادرة على المشاركة في عملية صنع القرار ومن ثم تشارك فعلياً في الحياة السياسية.

    تمكين المرأة لا يعني إقصاء دور الرجل ولا يعني الصراع بين الرجل والمرأة ولا يعني إلغاء دورها الأساسي والمقدس وهو التربية والرعاية والتنشئة، بل يعني أن تكون المرأة شريكا للرجل في بناء المجتمع.

    تمكين المرأة في جوهره هو ممارسة المرأة لحقوقها دون تجاوزها لحدود المسؤولية، فالنساء شقائق الرجال دورهن تكاملي جنبا إلى جنب مع الرجال في سبيل تحقيق رفعة الأمة. 

    وهذا هو الهدف الحقيقي المرجو من حملات رفع الوعي للنساء والفتيات في كافة المحافل، لذلك توقفوا عن إدخال مفاهيم خاطئة أفرغت مفهوم التمكين من مضمونه وجعلت منه مصطلحا محاربا ومتهما بتهمة قلب الأدوار والخروج عن المألوف. 

    وأخيرا وليس آخرا فإن قراءة التمكين بالأرقام تكون كالتالي:
    ١- نسبة مشاركة المرأة في الحياة السياسية ( ٢٠٪ نسبة تمثيل المرأة في مجلس النواب في الانتخابات الأخيرة، كما سجلت نسبة عضوية المرأة في الأحزاب السياسية نحو ٤٢٪)
    ٢- بلغت نسبة مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية نحو ١٤.٧٪
    ٣- بلغت نسبة معدل البطالة بين الإناث العاملات  نحو ٣٢٠٧٪
    ٤- نحو ٨٥٪ من النساء الاردنيات خارج سوق العمل بالرغم من ارتفاع المستويات التعليمية للإناث في الأردن. 

    تمكين المرأة أصبح ضرورة مجتمعية ولم يعد رفاهية أو مجرد شعار، ولا يمكن اعتباره إقصاء للأدوار ولا خروجا عن المألوف بل هو المظلة الرئيسية لتحقيق العدالة الاجتماعية. 

  • الإدارة المدرسية بين المنصب والرسالة

    الإدارة المدرسية بين المنصب والرسالة

    إنجاز-عمر الدريني يكتب:

    حين يُختبر المعنى الحقيقي للقيادة التربوية في قلب المدرسة، حيث تُصاغ العقول قبل أن تُسجَّل الدرجات، وتُبنى القيم قبل أن تُقاس النتائج، تقف الإدارة المدرسية بوصفها العقل المنظّم والضمير التربوي الذي يضبط الإيقاع اليومي للعملية التعليمية. فهي ليست مجرد موقع وظيفي، ولا رتبة إدارية، بل مسؤولية إنسانية كبرى تُقاس بعمق الأثر لا بعلو المنصب. لكن هذه الحقيقة كثيرًا ما تصطدم بواقع آخر؛ واقع تتداخل فيه المفاهيم، وتختلف فيه النوايا، بين من يرى الإدارة منصبًا يُطلب ويُتنافس عليه، ومن يدركها رسالة تُحمل وأمانة تُؤدى.

    وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: بين من يصعد إلى المنصب، ومن يصعد بالمنصب إلى قيمته الحقيقية. أولًا: الإدارة المدرسية… أمانة لا امتياز الإدارة المدرسية في أصلها ليست مكسبًا وظيفيًا، بل تكليف ثقيل ومسؤولية أخلاقية وتربوية تقوم على خدمة الطالب والمعلم والمجتمع المدرسي. وقد وضع القرآن الكريم قاعدة خالدة في مفهوم المسؤولية حين قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وقال النبي ﷺ في تأسيس شامل لمفهوم القيادة: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» وهنا تتجلى الحقيقة: الإدارة ليست سلطة… بل رعاية ومسؤولية ومحاسبة أمام الله والناس والتاريخ.

    ثانيًا: بين منطق المنصب ومنطق الرسالة في الواقع التربوي، تتباين الرؤى: فهناك من يتعامل مع الإدارة بوصفها مكسبًا وظيفيًا أو وجاهة اجتماعية وهناك من يتعامل معها بوصفها ميدانًا للإصلاح وصناعة الأثر وهذا الاختلاف ليس شكليًا، بل جوهريًا، لأنه يحدد اتجاه المدرسة كلها: من يطلب المنصب يركز على الصورة ومن يحمل الرسالة يركز على الأثر وفي الحكمة: “المنصب يرفع الاسم… لكن الرسالة ترفع القيمة”.

    ثالثًا: حين يتحول المنصب إلى غاية عندما تصبح الإدارة هدفًا بحد ذاتها، تظهر ملامح خطيرة: تضخيم الجانب الشكلي والإجرائي ضعف المبادرات التطويرية الانشغال بالملفات على حساب الطالب إدارة تلاحق الإجراءات بدل أن تقود التغيير وهنا تفقد الإدارة روحها، وتتحول من قيادة تربوية إلى جهاز إداري يكرر نفسه.

    رابعًا: حين تتحول الإدارة إلى رسالة أما حين تُفهم الإدارة كرسالة، فإنها تتحول إلى قوة تغيير حقيقية: دعم المعلم وتمكينه بناء بيئة تعليمية محفزة صناعة القرار التربوي الواعي تحويل المدرسة إلى مساحة نمو إنساني وفي الأمثال: “القائد الحقيقي لا يُقاس بما يدير… بل بما يُحدثه من تغيير”.

    خامسًا: أثر النظرة على المدرسة إن انعكاس هذا التفاوت ليس نظريًا، بل واقعي: إدارة تحمل الرسالة → مدرسة نابضة بالحياة، إبداع، واستقرار إدارة تبحث عن المنصب → مدرسة مثقلة بالإجراءات وضعف الأثر فالمدرسة ليست مباني فقط، بل هي انعكاس مباشر لوعي القيادة فيها.

    سادسًا: القيادة بين الحزم والعدل والإنسانية الإدارة المدرسية الناجحة ليست قسوة مطلقة ولا تساهلًا مفرطًا، بل هي توازن دقيق بين: الحزم في القرار العدالة في التطبيق الرحمة في التعامل والشورى في الإدارة وقد قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] وفي ذلك إشارة إلى أن القيادة ليست تفردًا، بل عقل جماعي يُحسن الإصغاء قبل أن يحكم.

    سابعًا: من المنصب إلى الرسالة… لحظة التحول الحقيقي التحول الحقيقي في مفهوم الإدارة لا يحدث بتغيير الموقع، بل بتغيير الوعي: من “ماذا أملك؟” إلى “ماذا أقدم؟” من “كيف أُرى؟” إلى “ما الأثر الذي أتركه؟”.

    وفي الشعر: وليسَ المنصبُ إلا ظلَّ مسؤوليةٍ يبقى الأثرُ بعدَ الاسمِ إن صدقَ العملُ خاتمة تبقى الإدارة المدرسية قلب العملية  التعليمية النابض، لكنها لا تُقاس بالمسميات ولا بالمناصب، بل بمدى قدرتها على صناعة بيئة تربوية عادلة، واعية، وإنسانية. وحين تنتصر الرسالة على المنصب، تتحول الإدارة من موقع إداري إلى قيمة تربوية، ومن سلطة تنظيمية إلى أثر إنساني باقٍ، ومن لقب عابر إلى بصمة تصنع الأجيال.

  • لقد خلقنا الله عز وجل مختلفين حتى نتكامل، لا لنتعارك

    لقد خلقنا الله عز وجل مختلفين حتى نتكامل، لا لنتعارك

    بقلم النائب: أروى الحجايا

    لقد خلقنا الله عز وجل مختلفين حتى نتكامل، لا لنتعارك

    يبدو أن فكرة «التطوير» أصبحت تتجاوز خطوطاً لا ينبغي لها تجاوزها، ولم تترك عادةً إلا وضعتها ضمن التجربة ، حتى وصلنا إلى الجاهة العشائرية!

    إن ما ينطبق في مجتمع وثقافة ما؛ لا ينطبق في مجتمع آخر في بعض الجوانب.

    وفي حقبٍ سابقة ، كان إذا حصل خلاف بين جماعتين، قالوا:
    وين الشيوخ؟ وين أهل الرأي؟ وين الرجال اللي تعرف تحمل الكلمة وتتحمّل تبعاتها؟

    الجاهة ليست مؤتمر دولي للأمم المتحدة!

    الجاهة عُرف، والعُرف له رجاله وأهله وهيبته.

    ولا يعني هذا، بحال من الأحوال، أن المرأة أقل من الرجل؛ بل إن المرأة قد تكون أرجح عقلاً، وأقوى حُجّة، وأبعد نظراً من عشرات الرجال مجتمعين.

    لكن السؤال ليس: من الأقوى؟
    السؤال: من الأنسب لهذا المقام؟
    فالمرأة التي تدير بيتاً، وتربي أجيالاً، وتواجه الحياة، وتشارك في العلم والسياسة والعمل العام، ليست بحاجة إلى أن تتدخل في قضايا الجاهات العشائرية حتى تثبت أنها قوية.

    والرجل الذي يدخل الجاهة لا يدخلها لأنه «ذكر» فقط؛ بل لأنه يحمل معه صفة اجتماعية ومسؤولية عشائرية، ويعرف أن الكلمة التي ينطق بها ليست تغريدة يمسحها بعد خمس دقائق!

    لقد خلقنا الله عز وجل مختلفين حتى نتكامل، لا لنتعارك.

    قال تعالى:
    ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى﴾.

    وهذه الآية ليست سيفاً على المرأة، كما أنها ليست انتصاراً للرجل؛ إنها تذكير بأن الخِلقة فيها اختلاف، وأن الاختلاف لا يعني نقصاً.

    والقصة الأجمل أن امرأة عمران لما وضعت مولودتها قالت:
    ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾، لأن العرف يومها كان يرى أن الذكر هو الذي يخدم بيت المقدس.
    فإذا بالأنثى تكون مريم، ويجعل الله من شأنها آيةً للعالمين.

    وهنا الدرس:
    لا تحقّروا المرأة لأنها امرأة، وليس إكرامها بأن تجعلوا منها رجلاً!

    اتركوا المرأة امرأةً كاملة الكرامة، كاملة العقل، كاملة الأهلية، ولها أبوابها التي تبدع فيها.

    واتركوا الرجل رجلاً يعرف متى يتقدّم ومتى يتراجع، ومتى يحمل السيف، ومتى يحمل فنجان القهوة، ومتى يقول كلمة الفصل.

    وأما الجاهة،فاتركوها لأهلها.

    فالجاهة ليست ميداناً لإثبات «المساواة»، وإنما ميدانٌ لإطفاء نار الخصومة وإعادة الود بين الناس.

    وإذا كانت المرأة أقدر على الإصلاح في قضية معينة، فليكن لها دورها ومكانها واحترامها؛ فالحق لا يعرف ذكراً ولا أنثى.

    ولكل مقامٍ،،،، مقال

     

  • ثانوية بوظيفتين

    ثانوية بوظيفتين

    الأستاذ الدكتور نضال كمال الشريفين

    لأجيال من الأردنيين، لم تكن الثانوية العامة مجرد امتحان في نهاية المدرسة؛ كانت شهادةً على إتمام مرحلة تعليمية، وبوابةً إلى الجامعة، وأداةً للمفاضلة بين الطلبة، ومفتاحًا قد يفتح تخصصًا ويغلق آخر، ولهذا اكتسب التوجيهي مكانته الاستثنائية في الوعي الأردني، وحملت أيامه من القلق والانتظار ما جعل امتحانًا تربويًا يتحول، في نظر كثير من الأسر، إلى محطة يتقرر عندها قدر كبير من مستقبل أبنائها، واليوم، ونحن أمام تطوير يعيد النظر في هذه المعادلة، فإن جوهر التحول لا يكمن في توزيع الامتحانات على عامين، ولا في عدد المواد أو أوزانها، بقدر ما يكمن في إعادة توزيع الوظائف نفسها: شهادة ثانوية عامة ترتبط بالتعليم المدرسي وإنجاز الطالب فيه، ومسار آخر للقبول والمفاضلة الجامعية. وبعبارة أكثر مباشرة، نحن لا نغيّر شكل امتحان فحسب؛ بل نقترب من ثانوية بوظيفتين، لكل منهما غايتها وأدواتها والقرارات التي تُبنى عليها، وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش، بعيدًا عن ثنائية التأييد والرفض: هل يجعل الفصل بين وظيفة الشهادة المدرسية ووظيفة القبول الجامعي القياس أكثر عدالة، والقرار أكثر دقة، ومستقبل الطالب أقل ارتهانًا لأداة واحدة؟ وما الضمانات التي تحول دون أن نعالج مشكلة لنصنع في مكانها مشكلة أخرى؟
    ومن الإنصاف أن نعترف بأن النظام السابق خدم الأردن عقودًا طويلة، وأن له قيمة وطنية لا يصح تبديدها تحت ضغط النقد أو الرغبة في التغيير، فأقوى ما فيه أنه وضع الطالب في إربد والعقبة والمفرق وعمّان أمام معيار وطني مشترك، وحدَّ نسبيًا من أثر تفاوت المدارس وطرائق منح الدرجات، وهذه ليست ميزة صغيرة؛ فالعدالة لا تتحقق فقط بأن يخضع الجميع للامتحان، بل بأن تحمل الدرجة معنى قابلًا للمقارنة أينما كان الطالب وأيًا كانت مدرسته، وفي المقابل، ليس من الحكمة أن نمنح النظام المطوَّر شهادة نجاح قبل أن نرى نتائجه؛ فالموقف العلمي لا يخاصم القديم لأنه قديم، ولا يصفق للجديد لأنه جديد، وإنما يسأل: أيُّ بناءٍ يحقق وظيفة الشهادة ووظيفة القبول بعدالة أكبر ودليل أقوى؟
    ولكن الامتحان، مع مرور الوقت، حمل على كتفيه أكثر مما يحتمل اختبار واحد: يقيس التحصيل، ويمنح شهادة إنهاء المرحلة الثانوية، ويرتب الطلبة، ويفتح أبواب الجامعات أو يغلقها، وقد يحسم التخصص الذي سيرافق الطالب سنوات طويلة، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تستطيع درجة واحدة أن تؤدي كل هذه الوظائف بالعدالة والدقة نفسيهما؟
    فالطالب الذي يحصل على 98% ليس بالضرورة أكثر استعدادًا للنجاح في الطب من طالب حصل على 97.5%. نصف درجة قد تنقل طالبًا من تخصص إلى آخر، وربما تغيّر مسار حياته، لكنها من منظور القياس ليست بالضرورة فرقًا حقيقيًا مماثلًا في القدرة أو الاستعداد؛ لأن كل اختبار يتضمن قدرًا من خطأ القياس، وعندما تصبح أعشار الدرجة فاصلة بين حلم وآخر، ومقعد وآخر، فإننا لا نكون أمام مسألة حسابية فحسب، بل أمام مسألة عدالة تستحق أن تُفحص بصرامة، ومن هنا فإن إعادة توزيع وظائف الثانوية العامة تحمل فرصة حقيقية للإصلاح، فما يصلح للحكم على إتقان الطالب لما تعلمه في المدرسة ليس بالضرورة الأداة الأفضل للمفاضلة الدقيقة بين المتقدمين للطب والهندسة والقانون وغيرها، والفصل بصورة أوضح بين تقويم التعلم المدرسي والانتقاء للتعليم الجامعي له أساس علمي يمكن الدفاع عنه؛ لكن نجاحه مرهون بألا ننقل المشكلة من باب إلى باب، أو نستبدل ضغط امتحان مركزي بمشكلات أكثر تعقيدًا.
    وأبرز هذه المشكلات تضخم الدرجات المدرسية وضعف قابليتها للمقارنة فالــ95% في مدرسة ليست بالضرورة مساوية سيكومتريًا للـ95% في مدرسة أخرى إذا اختلفت صعوبة الاختبارات ومعايير التصحيح وسياسات منح الدرجات، وإذا أصبح للمدرسة وزن أكبر في تقرير مستقبل الطالب، فلا بد أن يقابله نظام وطني قوي يضمن جودة التقويم من خلال معايير مشتركة، وأدوات مرجعية، وتحليل دوري للدرجات، وإجراءات للضبط والمعايرة، وليس في ذلك انتقاص من المدرسة أو المعلم، بل حماية لهما وللطالب معًا؛ لأن العدالة تقتضي أن تحمل الدرجة معنى متقاربًا قدر الإمكان أينما مُنحت.
    والتجارب الدولية تقول بوضوح إن الطريق ليس واحدًا. ففي فرنسا تجمع البكالوريا العامة والتكنولوجية بين التقويم المستمر والامتحانات النهائية، وفي بريطانيا تقوم A Levels على مواد تخصصية بينما تختلف متطلبات القبول باختلاف الجامعة والبرنامج، أما تركيا فلديها منظومة وطنية مركزية للقبول في التعليم العالي تديرها مؤسسة متخصصة في القياس والاختيار والتنسيب، وليس المطلوب أن نستورد نموذجًا جاهزًا ونزرعه في البيئة الأردنية؛ فلكل مجتمع نظامه وحاجاته، لكن الدرس جدير بالتأمل: الدول تميّز بين وظائف القياس، وتبني لكل وظيفة الأداة التي تناسبها، من دون أن تتنازل عن جودة المعيار وعدالة القرار،
    وثمة بعد لا يقل أهمية، وربما لم يأخذ حقه في النقاش العام، هو قيمة شهادة الثانوية الأردنية خارج حدود الوطن، فأبناؤنا لا يدرسون جميعًا في الجامعات الأردنية؛ منهم من يتجه إلى مصر أو تركيا أو بريطانيا أو غيرها. ولذلك لا يكفي أن يعمل النظام بكفاءة داخل الأردن، بل ينبغي أن تكون الشهادة واضحة المعنى وقابلة للفهم والمعادلة لدى أنظمة التعليم العالي التي يقصدها طلبتنا.
    وقد أصبحت هذه المسألة عملية وليست افتراضية؛ إذ أعلنت الملحقية الثقافية الأردنية في القاهرة صدور قرار عن المجلس الأعلى للجامعات في مصر يتضمن امتحانًا تكميليًا خلال السنة الجامعية الأولى لطالب الثانوية العامة وفق الحقل الذي تخصص فيه، والأدق ألا يُفهم ذلك بوصفه عدم اعتراف بالشهادة الأردنية، وإنما متطلبًا إضافيًا مرتبطًا ببنية الشهادة ومتطلبات الدراسة الجامعية، لكن الحالة تضع أمامنا سؤالًا لا يجوز تأجيله: عندما نطوّر شهادة وطنية، هل ندرس منذ البداية كيف ستُقرأ خارج الأردن؟ وهل نتواصل مبكرًا مع الدول التي تستقبل أبناءنا؟ فالاعتراف الخارجي ليس ورقة إدارية نبحث عنها بعد تخرج أول دفعة، بل جزء من جودة تصميم النظام ووضوح هويته.
    وإذا اتجه الأردن مستقبلًا إلى تعزيز دور اختبار مستقل للقبول أو المفاضلة الجامعية، فإن أخطر ما يمكن فعله هو أن نصنع ثانوية عامة ثانية باسم مختلف، فلا معنى لأن نخفف العبء عن امتحان ثم نعيد إنتاجه في امتحان آخر، اختبار القبول، إن تقرر اعتماده، ينبغي أن يبدأ من سؤال واضح: ما الذي نريد أن نعرفه عن الطالب قبل دخوله الجامعة؟ هل نريد قياس استعداده العام للتعلم الجامعي، أم قدرته على الاستدلال والتحليل، أم استعدادًا خاصًا لتخصص معين؟ فالأداة الجيدة لا تبدأ بكتابة الأسئلة، بل بتحديد القرار الذي ستُستخدم نتائجها من أجله.
    وإذا كان الاختبار سيقرر من يدخل الطب أو الهندسة أو غيرهما، فيجب أن نستطيع الدفاع علميًا عن هذا القرار، وهذا يتطلب بنوك أسئلة محكمة، وصورًا اختبارية متكافئة، وربطًا ومعايرة بين الدورات، ودراسات مستمرة للصدق والثبات والعدالة والتحيز، وقد تبدو هذه مصطلحات فنية بعيدة عن هموم الأسرة، لكنها في جوهرها تعني أمرًا شديد البساطة والأهمية: ألا يضيع حلم طالب لأن صورة امتحانية كانت أصعب من أخرى، أو لأن سؤالًا تحيز لفئة دون أخرى، أو لأننا أعطينا الدرجة معنى أكبر مما تسمح به علميًا.
    ومن الإنصاف كذلك القول إن الأردن لم يبدأ من الصفر، فقد توسعت الأدوار المؤسسية المتعلقة ببنوك الأسئلة والتقويم، وأصبح للمركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم دور في بناء بنوك الأسئلة والاختبارات الوطنية وتطوير الفقرات وضبط جودتها وتحليلها سيكومتريًا، وهذه خطوات مهمة ينبغي دعمها والبناء عليها، والإشارة إليها ليست مجاملة لوزارة أو مؤسسة، كما أن نقد جوانب النظام ليس انتقاصًا من جهودها؛ فالتقويم العلمي المنصف يعترف بما تحقق، ويكشف في الوقت نفسه ما يحتاج إلى استكمال وتحسين.
    لكن ذلك يقود إلى سؤال أوسع من الثانوية العامة نفسها: هل آن الأوان لأن تكون للأردن مرجعية وطنية شديدة التخصص في القياس والتقويم والاختبارات عالية المخاطر؟ ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء مؤسسة جديدة وإضافة مبنى ولافتة إلى الجهاز العام؛ فقد يكون الحل في تطوير المؤسسات القائمة أو إنشاء ذراع وطني متخصص يتمتع بالاستقلال الفني، وتتراكم فيه الخبرة السيكومترية، ويتولى المعايير العلمية لبنوك الأسئلة، والمعايرة والربط والمعادلة، واختبارات القبول والاختبارات المهنية والتقويمات الوطنية الكبر، فالدولة التي تبني قرارات مصيرية على الدرجات تحتاج إلى جهة وطنية تحرس معنى هذه الدرجات وعدالتها.
    ومن المبكر علميًا أن نصدر حكمًا نهائيًا على تطوير الثانوية العامة قبل اكتمال تطبيقه وظهور بيانات حقيقية عن نتائجه. فالأنظمة التعليمية لا تُقوَّم بحسن النوايا ولا بجاذبية الشعارات، وإنما بما تحققه على أرض الواقع، لذلك لا ينبغي أن ندين النظام السابق، كما لا ينبغي أن نمنح النظام المطوَّر شهادة نجاح قبل أن يُختبر، السابق امتلك قوة المعيار الوطني المشترك، لكنه حمّل امتحانًا واحدًا وظائف أكثر مما يحتمل؛ والتطوير الجاري يتيح فرصة لإعادة توزيع هذه الوظائف بصورة أكثر عقلانية، لكنه لن يكون أكثر عدالة إذا انتهينا إلى درجات مدرسية غير قابلة للمقارنة، أو شهادة يلتبس معناها خارج الأردن، أو اختبار قبول لا يستند إلى أسس علمية قوية.
    ولذلك، عندما نقوّم التجربة بعد سنوات، ينبغي ألا نسأل فقط: هل أصبح الامتحان أسهل؟ وهل انخفض قلق الأسر؟ وهل ارتفعت نسب النجاح؟ هذه أمور تهم الناس، لكنها ليست المحك النهائي، والسؤال الأهم هو: هل أصبح مستقبل الطالب أقل ارتهانًا لأعشار الدرجة؟ هل أصبحت الفرص أكثر عدالة؟ هل أصبحت الدرجة أكثر صدقًا وقابلية للتفسير والمقارنة؟ هل أصبح اختيار الطالب لتخصصه أكثر ارتباطًا بقدرته واستعداده؟ وهل بقيت لشهادتنا الوطنية قيمة واضحة ومحترمة داخل الأردن وخارجه؟
    لقد خدمت الثانوية العامة الأردن طويلًا، وحافظت على معيار وطني مشترك لا ينبغي التفريط فيه، لكن الوفاء لما نجح في الماضي لا يعني أن نبقى أسرى له، كما أن الرغبة في التطوير لا تبرر أن نهدم ما أثبت قيمته، وما بين المحافظة والتغيير توجد مساحة واسعة اسمها الإصلاح المبني على الدليل، فالطالب في النهاية ليس رقم جلوس، وليس معدلًا من منزلتين عشريتين، وليس ورقة إجابة تختصر مستقبله كله، إنه ابن أسرة تعلّق عليه الأمل، وشاب يقف في أول الطريق، ومن حقه أن تكون الأداة التي نقيسه بها عادلة، وأن تكون الدرجة التي نحكم بها على مستقبله جديرة بهذا الحكم، وهنا تحديدًا تلتقي مشاعر الناس مع العلم: فالرحمة بأبنائنا لا تكون بإلغاء المعايير، والصرامة لا تكون بتحميل امتحان واحد ما لا يحتمل؛ وإنما ببناء معيار عادل يطمئن إليه المجتمع ويستطيع المتخصص أن يدافع عنه.
    ولهذا فإن الأردن لا يحتاج إلى امتحان أصعب ولا إلى امتحان أسهل، ولا إلى نظام يريح الناس اليوم ثم يورثهم مشكلة جديدة غدًا؛ بل يحتاج إلى قياس أصدق، ودرجة أعدل، وقرار يمكن الدفاع عنه علميًا وأخلاقيًا، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الامتحان، بل بتحديد ما الذي نريد أن نقيسه، ولماذا نقيسه، وما القرار الذي يحق لنا أن نبنيه على الدرجة، وحين يصبح مستقبل أبنائنا قائمًا على الكفاءة والاستعداد وتكافؤ الفرص، لا على رهبة امتحان أو أعشار درجة قد لا تحتمل كل هذا المعنى، نكون قد تجاوزنا تطوير الثانوية العامة إلى ما هو أبعد وأهم: بناء منظومة تعليمية أكثر عدالة، وأكثر ثقة، وأكثر وفاءً بحق أبنائنا في مستقبل يستحقونه.