الوسم: صندوق أقلام

  • ولاء للملك وفاء للاردن

    ولاء للملك وفاء للاردن

    بقلم  أحمد القضاه 

    في منطقة تتبدل فيها التحالفات كل يوم، وتتغير فيها المواقف حسب المصالح، بقي موقف واحد ثابت لا يتزحزح، هو موقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين تجاه الأردن.

    ثبات الملك عبدالله ليس شعاراً، بل هو نهج حكم تعلمه في مدرسة الحسين بن طلال، مدرسة تقول إن الدولة تُبنى بالعدل، وتُحفظ بالوعي، وأن الأردن ليس مجرد حدود جغرافية، بل روح تُصان ومصير يُحمل.

    *. أمن الأردن خط أحمر*
    في خطابه الأخير أمام الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، جدد جلالته الرسالة الأوضح: أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي هو تهديد مباشر للأمن الوطني الأردني.

    هذه الرسالة تحمل فلسفة القيادة الهاشمية: الأردن دولة سلام وحوار، وانحيازه للدبلوماسية لا يعني أبداً التهاون في سيادته أو أمنه أو حقوق أبنائه. فالأردن قوي بقيادته وجيشه وأجهزته ومؤسساته، ولا يساوم عندما يتعلق الأمر بمصالح شعبه.

    *. موقف لا يتغير تجاه فلسطين والقدس*
    منذ عقود وجلالة الملك يحذر العالم من خطر ترك الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون حل، وما نشهده اليوم يثبت صواب تلك التحذيرات.

    موقف الأردن بقيادته ثابت: القضية الفلسطينية قضية حق وعدالة، والسلام العادل لا يتحقق إلا بتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. والقدس ومقدساتها ستبقى حاضرة في الوجدان الأردني وفي المسؤولية التاريخية للوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية وحماية هويتها.

    *. الحكمة في زمن العواصف*
    ما يميز قيادة الملك عبدالله الثاني أنه جمع بين الحنكة السياسية والرؤية الدبلوماسية العميقة، فقاد الأردن بثبات واتزان وسط محيط إقليمي شديد التعقيد. لم تكن مواقفه يوماً صدى لمصالح آنية أو ردود فعل عابرة، بل تعبير عن رؤية تدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى إلا بالحكمة وضبط النفس.

    لهذا، التف الأردنيون حول خطابه الأخير، لأنه جسد وحدة الصف الوطني، ورسخ أن أمن الأردن وسيادته ومقدراته خطوط ثابتة لا تقبل المساومة.

    في النهاية، موقف الملك عبدالله الثاني هو بيان الوطن بين العهد والقدر. عهد هاشمي بأن يبقى الأردن وطناً قوياً آمناً، وقدر أردني بأن نحمل رسالة الاعتدال والتوازن في عالم مضطرب.

    انتشرت صورة لافتة للملك عبد الله الثاني برفقة ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله وهو يتناول وجبة غداء خفيفة (سندويشات) على طاولة صغيرة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، وذلك خلال استراحة من الاجتماعات المكثفة للجمعية العامة.

    تعلموا ان تحملوا المسؤولية على اكمل وجه بعد عدة اجتماعات وموقف تاريخي تناول سندويشة وهناك البعض من المدراء بعد اجتماع خمس دقائق يتناول بوفية مفتوح .

    حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته .

  • الموازنة الحرجة… حين يشتري الدين وقتا لا حلولا

    الموازنة الحرجة… حين يشتري الدين وقتا لا حلولا

    بقلم : محمد متعب فريحات
    لم تعد أرقام المالية العامة مجرد جداول تمر على القارئ ثم تنتهي، فخلف كل رقم قصة عن حاضر الاقتصاد وما يمكن أن ينتظره في السنوات المقبلة. وحين تظهر بيانات الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 أن الحكومة أطفأت 2.151 مليار دينار من ديونها حتى نهاية تموز، في الوقت الذي اقترضت فيه 3.925 مليار دينار من خلال إصدار سندات وأذونات خزينة، فإن المشهد يستحق قراءة أبعد من عبارة استبدال دين بدين. فالمسألة تتعلق بإدارة الاستحقاقات والسيولة من جهة، وبقدرة الاقتصاد على الخروج تدريجيا من دائرة الحاجة المستمرة إلى الاقتراض من جهة أخرى.

    إعادة التمويل في حد ذاتها ليست ممارسة استثنائية، بل أداة مالية تستخدمها الدول لإدارة اجال ديونها وتخفيف ضغوط الاستحقاقات، وقد يكون اللجوء إليها منطقيا عندما يسمح التمويل الجديد بآجال أفضل أو كلفة أقل. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمشروعية الأداة، وإنما بمدى قدرتها على أن تكون جزءا من مسار طويل الأجل يخفض الحاجة إلى الاقتراض، لا مجرد وسيلة متكررة لتأجيل الاستحقاقات. فكل دين له كلفة، وكل كلفة تعني موارد عامة تذهب إلى خدمة التزامات سابقة، وقد بلغت الفوائد المترتبة على إصدارات السندات وأذونات الخزينة نحو 876 مليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام. وهنا تبرز كلفة الفرصة البديلة، أي ماذا كان يمكن أن تفعل الدولة بهذه الموارد لو لم تذهب إلى خدمة الدين.

    ولا تقف المسألة عند الموازنة، فهناك أثر قد يلامس السوق مباشرة، وهو ما يعرف اقتصاديا بأثر المزاحمة. فعندما تتوسع الحكومة في إصدار أدوات الدين، تصبح هذه الأدوات جزءا أكبر من سوق التمويل المحلية، وقد تراها المؤسسات المالية خيارا استثماريا منخفض المخاطر نسبيا. وإذا اتسعت هذه القناة على حساب تمويل القطاع الخاص، فقد تواجه بعض الشركات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، صعوبة أكبر في الحصول على التمويل أو تتحمل كلفة أعلى له، وهو ما قد يحد من قدرتها على التوسع والاستثمار وخلق فرص العمل.

    ومن هنا يتجسد السؤال الأهم، إلى أين تذهب الأموال التي نقترضها، فإذا كان الاقتراض يستخدم لإدارة الاحتياجات التمويلية والاستحقاقات من دون أن يضيف إلى القدرة الإنتاجية للاقتصاد، فإن أثره يبقى محدودا في معالجة أصل المشكلة. أما إذا وجه التمويل إلى مشاريع ترفع الإنتاجية وتزيد القيمة المضافة في قطاعات مثل المياه والطاقة والبنية التحتية والصناعة والنقل، فإن الاقتراض يمكن أن يتحول إلى أداة لبناء قدرة اقتصادية جديدة. والفرق بين الحالتين جوهري، لأن الاقتصاد الذي يقترض ليزيد إنتاجه وإيراداته يختلف عن اقتصاد يستخدم الاقتراض بصورة متكررة لتأجيل الاستحقاقات.

    كما أن المستثمر لا ينظر إلى حجم الدين منفردا، بل يراقب مساره وكلفة خدمته واجاله وقدرة الدولة على إدارته، إلى جانب قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو يوسع قاعدة الإيرادات. ولذلك فإن وضوح السياسة المالية واستقرارها، إلى جانب نمو اقتصادي حقيقي يقوده الاستثمار والإنتاج والتصدير، عناصر أساسية في بناء الثقة بالاقتصاد. ومن هنا لا ينبغي اختزال القضية في سؤال ما إذا كان الاقتراض ضروريا أم لا، بل في تفاصيل أكثر دقة تتناول حجم الاقتراض، ودواعيه، وكلفته، وأجله، ووجهته، والعائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع منه.

    والحل لا يكمن في إدارة الدين وحدها، بل في تقليل الأسباب التي تجعل الحاجة إلى الاقتراض مستمرة. وهذا يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم القطاعات القادرة على التصدير، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز التحصيل الضريبي بصورة عادلة، ومكافحة التهرب الضريبي، واستقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة حقيقية. كما أن رؤية التحديث الاقتصادي تحتاج إلى أن تظهر نتائجها في النشاط الفعلي، من مصانع وشركات تتوسع، وصادرات ترتفع، واستثمارات تتولد عنها فرص عمل، واقتصاد تزداد قدرته على إنتاج دخله وتمويل احتياجاته.

    في المحصلة، يبقى إطفاء الديون وإعادة تمويل الاستحقاقات أدوات مشروعة في إدارة المالية العامة، وقد تكون ضرورية في أوقات معينة، لكنها لا تشكل وحدها حلا نهائيا لمشكلة المديونية. فإطفاء دين لا يعني انتهاء المشكلة، كما أن الاقتراض الجديد لا يعني بالضرورة وقوع أزمة. المعيار الأهم هو الاتجاه العام للمالية العامة، وما إذا كان الاقتراض جزءا من إدارة محسوبة تقود إلى اقتصاد أكثر إنتاجا وقدرة على توليد الإيرادات، أم يتحول مع الوقت إلى حل متكرر لتأجيل الاستحقاقات.

    وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر أهمية على طاولة القرار، ماذا صنعنا بما اقترضناه، فالدين يمكن أن يكون جسرا إلى اقتصاد أقوى إذا وجه إلى الاستثمار والإنتاج ورفع القدرة على توليد الدخل، لكنه يصبح أكثر عبئا عندما يظل دوره محصورا في شراء الوقت. والأردن يحتاج إلى أن يستثمر هذا الوقت في بناء اقتصاد يستطيع أن يمول مستقبله بموارده، بحيث يبقى الاقتراض أداة محدودة ومدروسة ضمن سياسة مالية واضحة، لا حلا دائما لكل استحقاق جديد.

  • خلف الورقة الصفراء حياة

    خلف الورقة الصفراء حياة

    بقلم :رمزي الغزوي
    لكل فصل دهشته الخاصة للشتاء حميميته التي تدخل بيوتنا مع أول طرقة مطر على زجاج نافذة، وللربيع ضحكة الدحنون وخجل الأقحوان ونعس السوسن، وللصيف لياليه الطويلة المعلقة بقمر ساهر وحكايات تطول. أما الخريف فيأتي كأنه يحمل من إخوته الثلاثة شيئا، ثم يخلطها جميعا في مزاجه الغريب، ويمنح الأرض وجها لا يشبه إلا نفسه.
    دخل الخريف علينا ، وفي أطراف ثوبه شيء من صيف لم يجمع حقائبه كاملة بعد. ما تزال الشمس تتدلل نهارا، وما تزال الليالي تحتفظ ببعض دفئها، لكن نسمة خفيفة تكفي كي تقول إن شيئا ما تبدل في سر العالم. الكروم تثقل بعناقيدها، والتين يختزن آخر حلاوته، والسماء تبدأ تمرينها الطويل على الغيم.
    وفي الخريف شتاء صغير يزورنا من دون موعد. غيمة عابرة، ورشة مطر مباغتة، ورائحة تراب تصعد من الأرض كأنها ذاكرة قديمة فتحت بابها فجأة. ولعل رائحة المطر الأول من الأشياء القليلة التي لا تحتاج إلى شرح؛ نشمها فنعرفها، كأن أجسادنا تحفظها منذ طفولة الأرض.
    وفيه شيء من الربيع أيضا. عصافير الفجر تستعيد ضجيجها الجميل قبل أن يثقل الشتاء أجنحتها، وورد الغريب يختار هذا الوقت تحديدا كي يعلن ألوانه، كأنه يريد أن يقول إن للزهور أكثر من تقويم، وإن الحياة لا تسأل الفصول دائما متى يحق لها أن تزهر.
    لكن أجمل دروس الخريف تلك الورقة الصفراء التي تنفصل عن غصنها وتتهادى نحو الأرض. ننظر إليها فنحسب أن حكايتها انتهت، فيما تكون الشجرة قد بدأت في المكان نفسه إعداد برعم جديد. لا موت كاملا في الطبيعة؛ هناك تبدل في الهيئة، وانتقال من صورة إلى أخرى، ودورة تعرف الأرض أسرارها أكثر منا.
    لهذا لا أحزن كثيرا أمام شجرة تتخفف من أوراقها. أراها تتعلم فن التخلي كي تستطيع أن تبدأ مرة أخرى. وربما نحن أيضا نحتاج إلى خريف صغير في أرواحنا، نسقط فيه ما أثقلنا، ونترك للريح ما لم يعد يصلح لحياتنا، ونفسح مكانا لبرعم لم يولد بعد.
    أهلا بالخريف. أهلا بقطعان غيامه الهائمة، وبمطره الناعم حين يعانق أرضا عطشى، وبالورق الأصفر حين يذكرنا، في لحظة سقوطه، أن النهاية بداية جديدة والصفار طريق لخضار يبهج.

  • حين يجلس الملك إلى مائدة الأردنيين… حكاية وطن تُروى بالتفاصيل

    حين يجلس الملك إلى مائدة الأردنيين… حكاية وطن تُروى بالتفاصيل

    بقلم الأستاذ الدكتور فراس الهناندة_ رئيس جامعة عجلون الوطنية

    في صورة واحدة، اجتمعت حكاية أردنية كاملة.

    جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، يجلسان مع فريق العمل الأردني في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وبين اجتماعات الجمعية العامة وملفاتها ومواعيدها، تمتد على الطاولة سندويشات بسيطة يتقاسمها الحاضرون في استراحة قصيرة.

    مشهد عفوي يحمل روح الأردن، ويستحضر في الذاكرة صورًا كثيرة لجلالة الملك بين أبناء شعبه ورفاقه وجنوده، حيث تحضر المودة، وتبقى التفاصيل قريبة من القلب.

    في نيويورك، حيث تجتمع الوفود من مختلف دول العالم، وتُناقش القضايا الكبرى، جاءت هذه اللحظة الأردنية البسيطة لتمنح المشهد دفئًا خاصًا.

    فالطاولة الصغيرة تحمل في تفاصيلها صورة من صور الحياة الأردنية؛ جلسة تجمع أبناء الوطن، وحديث بين زملاء، ووجبة سريعة يتقاسمها الجميع قبل العودة إلى العمل.

    وتعيد هذه الصورة إلى الذاكرة مشاهد كثيرة من مسيرة جلالة الملك، ومن بينها صورة جلالته بين رفاق السلاح، يجلس إلى جانب دبابة، وحوله مائدة ميدانية تضم قلاية البندورة، ومفركة البيض، والخبز والشاي.

    قلاية البندورة الأردنية.

    طعام البيوت.

    ونكهة المائدة التي يعرفها الأردنيون في كل محافظات المملكة.

    وفي هذه الصورة تحديدًا، تلتقي البساطة بالذاكرة؛ فالمائدة الأردنية تحمل دائمًا معنى الرفقة والمحبة، وتجمع الناس حولها في مختلف المناسبات والظروف.

    وتعود إلى الذاكرة كذلك حكاية عامل الوطن خالد، الذي تابع إحدى مباريات النشامى من خلف زجاج أحد المقاهي، ثم جلس في مناسبة لاحقة إلى جانب جلالة الملك وسمو ولي العهد لمتابعة المنتخب الوطني.

    وعندما عبّر عن شعوره قال:

    «وكأني وسط أهلي».

    عبارة قصيرة تحمل دفء البيت الأردني، وتعكس شعورًا جميلًا بالانتماء والقرب.

    فحين يلعب النشامى، يجتمع الأردنيون حول راية واحدة، ويصبح الفرح مشتركًا بين الجميع.

    وفي ذاكرة الوطن حكاية أخرى لطفلة صغيرة اسمها شادن، لوّحت لجلالة الملك من بعيد في إحدى المناسبات.

    التفت إليها جلالته وبادلها التحية، ثم اقتربت منه فاحتضنها، وبعد أشهر استقبلها مع والديها في قصر الحسينية.

    بدأت الحكاية بتلويحة طفلة، واستمرت بلقاء جمعها مع جلالة الملك وأسرتها.

    لحظة صغيرة بقيت في الذاكرة، لأنها تحمل جمال التواصل الإنساني ودفء العلاقة التي تجمع الأردنيين بقيادتهم.

    وفي إحدى صور الشتاء التي بقيت حاضرة في الذاكرة الأردنية، يظهر جلالة الملك في أحد شوارع عمّان، وقد ترجل من مركبته لمساعدة مواطنين علقت مركبتهم وسط الثلوج، وشاركهم دفعها.

    ثلج يغطي الشوارع.

    مركبة عالقة.

    ومواطنون يتعاونون لتحريكها.

    وفي وسط المشهد يقف جلالة الملك إلى جانبهم، يشاركهم الموقف بكل عفوية.

    هذه الصور المتعددة تجمعها تفاصيل واحدة: الإنسان.

    الإنسان الذي يلتقي قائده في الميدان، ويجلس معه على المائدة، ويتابع معه النشامى، ويجد منه التحية والاهتمام، ويشاركه لحظة من تفاصيل الحياة اليومية.

    ومن هنا تبدو صورة نيويورك امتدادًا طبيعيًا لهذه الذاكرة الأردنية.

    الملك وولي العهد وفريق العمل.

    اجتماعات دولية وملفات وطنية.

    واستراحة قصيرة حول طاولة بسيطة.

    وفي حضور سمو ولي العهد الأمير الحسين، يكتمل المشهد بجيل هاشمي يواصل مسيرة العمل والمسؤولية، ويحمل معه قيم القرب من الناس، واحترام العمل، والاهتمام بالتفاصيل التي تصنع علاقة الإنسان بوطنه وقيادته.

    فالتفاصيل الصغيرة تصنع ذاكرة كبيرة.

    مائدة تجمع رفاق السلاح.

    وعامل وطن يشاهد النشامى مع الملك وولي العهد.

    وطفلة تلوّح بيدها فتجد التحية والاحتضان.

    ومواطن يواجه يومًا شتويًا صعبًا فيجد الملك إلى جانبه.

    وفريق أردني يجلس مع الملك وولي العهد في مقر الأمم المتحدة حول طاولة تتوسطها سندويشات سريعة قبل استكمال العمل.

    هكذا تبدو صورة الأردن في تفاصيلها اليومية.

    بلد يجتمع أبناؤه حول المائدة، وحول القهوة، وحول النشامى، وحول فرحة الأطفال، وحول المواقف التي تجمع القلوب.

    وطن يحمل البساطة في تفاصيله، والعمل في مسيرته، والإنسان في قلب حكايته.

    ولهذا بقيت صورة نيويورك في الذاكرة.

    لأنها جمعت في لحظة واحدة الملك وولي العهد وفريقًا أردنيًا، وجمعت إلى جانبهم تفاصيل أردنية بسيطة وصلت إلى قلب واحدة من أكبر مدن العالم.

    سندويشات على طاولة في مقر الأمم المتحدة.

    واستراحة قصيرة بين الاجتماعات.

    وتفاصيل أردنية ترافق أصحابها أينما ذهبوا.

    ومن قلاية البندورة بين رفاق السلاح… إلى سندويشة بين اجتماعات الأمم المتحدة، تتغير الأمكنة وتبقى الحكاية واحدة:

    الأردن حاضر، والإنسان الأردني حاضر، وتفاصيله الجميلة ترافق قيادته أينما ذهبت.

  • الظلم ظلمات… ومرتعه وخيم

    الظلم ظلمات… ومرتعه وخيم

    بقلم . د. اخلبف الطراونة

    الظلم ليس صورة واحدة، ولا يقع دائمًا في مواجهة واضحة بين ظالم ومظلوم. فقد يبدأ من الإنسان نفسه، حين يظلم ضميره ودينه وقيمه، ثم يمتد إلى الآخرين، أفرادًا وجماعات، وقد يصل إلى المؤسسات حين تُساء ممارسة السلطة أو تُستخدم الصلاحيات في غير موضعها.
    قد يكون الظلم نفسيًا بكلمة أو موقف، وماليًا بأكل حق، وقانونيًا بتعطيل حق أو استخدام النصوص لغير مقاصدها، وقد يكون اجتماعيًا بالإقصاء والتهميش والتبلي على الناس.
    لكن الظلم يصبح أشد خطرًا عندما تمارسه مؤسسة يفترض أن تكون حامية للحق. فإقصاء إنسان دون وجه حق، أو التبلي عليه، أو تعطيل مساره، أو حرمانه من فرصة يستحقها، لا يصبح عدلًا لمجرد أنه صدر في قرار او بتوجيه رسمي.
    وكذلك حين تُظلم مؤسسة على يد مؤسسة أخرى، بسوء استخدام السلطة أو النفوذ، أو بتجاوز الصلاحيات، أو بتحويل السلطة من وسيلة لخدمة الصالح العام إلى أداة لتعطيل الآخرين.
    والأخطر من ذلك كله أن نعتاد الظلم.
    أن نرى حقًا يُهدر فنقول: لا شأن لنا.
    وأن نعرف مظلومًا فنصمت لأن الأمر لا يعنينا.
    وأن نبرر الخطأ عندما يكون صاحبه قريبًا منا، ثم نستنكره عندما يقع على غيرنا.
    فالبلاد لا تُظلم فقط حين تُهدر أموالها، وإنما حين تُهدر فرصها، وتُهمش كفاءاتها، وتُعطل طاقات أبنائها، وتُقدم المحسوبية على الاستحقاق، ويصبح النفوذ أقوى من الحق.
    وحقوق العباد ليست أموالًا فقط؛ فالوظيفة حق، والفرصة حق، والسمعة حق، والكرامة حق، وأن يُسمع الإنسان ويُعامل بإنصاف حق.
    وقد يستطيع الظالم أن يؤخر ظهور الحقيقة، وقد تساعده القوة أو السلطة أو المال على ذلك، لكنه لا يستطيع أن يجعل الظلم عدلًا.
    فالعدل ليس أن نكون عادلين عندما تكون المصلحة معنا، وإنما أن نبقى عادلين عندما تكون لنا القدرة على الظلم.
    ولهذا قيل: الظلم ظلمات؛ لأنه لا يعتم على المظلوم وحده، بل يعتم على قلب الظالم، وعلى المجتمع الذي يتسامح معه، وعلى المؤسسة التي تسمح به.
    وفي النهاية، يبقى العدل أكبر من شعار، وأعمق من قانون؛ إنه ضمير حي، وأمانة، وسلوك، وميزان لا يستقيم الوطن من دونه.
    والله ولي التوفيق

  • الخطر الإسرائيلي كما يراه الملك

    الخطر الإسرائيلي كما يراه الملك

    بقلم : سميح المعايطة
    لا ينتظر جلالة الملك موسم الأمم المتحدة السنوي ليقول للعالم ما يجب أن يقال حول القضية الفلسطينيةوخطر السياسات الإسرائيلية في فلسطين والمنطقة، فدائما هذا الملف على رأس أجندة الملك في كل تحرك له في العالم.
    وأمس اختصر الملك وصف إسرائيل بأنها “دولة بلا رادع”، أي أنها تقوم بكل ما تريد دون ردع من المجتمع الدولي أو القانون الدولي والدول الكبرى، في ظل وضع عربي وفلسطيني يعلمه الجميع.
    لكن إسرائيل وسياساتها العدوانية كانت في خطاب الملك أمس في تشخيص جديد لأخطارها على الأردن، أولها الخطر القادم من سياساتها العدوانية في فلسطين وكل ما تفعله في الضفة الغربية والقدس، وهو خطر كبير؛ لأنه ضمن سياق فكري وسياسي توسعي هدفه تصفية القضية الفلسطينية، وسلب الفلسطيني أرضه وهويته، وأن يدفع الثمن طرف ثالث، أول عناصره الأردن، عبر التهجير والتوطين.
    والجديد تلك الرسالة الأردنية التي أطلقها الملك بحزم حول الخطر القادم من حدودنا الشمالية، نتيجة موجة العدوان الإسرائيلي على سوريا، والعمل الذي لم يتوقف ضد الأرض السورية لصناعة واقع جديد عبر العدوان العسكري وعبر محاولة تقسيم سوريا وفصل جزء منها على حدودنا الشمالية في السويداء، وكل هذا يصنع خطرا على أمننا الوطني على حدودنا، إضافة إلى تهديده لأمننا المائي والمصادر التي تأتي من الجنوب السوري.
    للمرة الأولى يتحدث الملك في هذا الملف بوضوح وحزم ورسالة واضحة، ويؤكد أن الأردن لن يشيح بوجهه عن هذه الأخطار، وأنه سيحمي حدوده ومصالحه.
    العدوانية الإسرائيلية أردنيا تتعدد مصادرها: غربا من الضفة الغربية، وشمالا نتيجة عدوان إسرائيل على سوريا ومخططات التقسيم ورسم واقع جغرافي في سوريا بدبابات الاحتلال الصهيوني.

     

  • خطاب الملك .. رسائل الأردن إلى الإقليم والعالم

    خطاب الملك .. رسائل الأردن إلى الإقليم والعالم

    بقلم : د خالد الشقران
    جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملا قراءة سياسية واستراتيجية شاملة للأزمات التي واجهتها المنطقة وتداعياتها المتشابكة، وقدم رسائل تجاوزت عرض الموقف الأردني من القضايا الراهنة إلى تحديد طبيعة المرحلة ومسارات التعامل معها، وشروط الانتقال نحو الأمن والاستقرار والسلام.
    بدأ الخطاب من مفهوم «الانتباه»، الذي قدمه جلالة الملك باعتباره موردا جيوسياسيا تتحدد من خلاله قدرة الأزمات على البقاء في دائرة الاهتمام الدولي، وقد قاد هذا المدخل إلى القضية الفلسطينية، حيث أشار إلى أن التعامل الدولي مع الصراع قام طويلا على الاحتواء وإدارة تداعياته، فيما استمرت الوقائع على الأرض في التراكم، وهنا حمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن استمرار تجاهل جذور الصراع أبقى المنطقة أمام مصدر دائم للتوتر وعدم الاستقرار.
    وفي القضية الفلسطينية، ركز الخطاب على غزة والضفة الغربية والقدس ضمن صورة سياسية مترابطة، فقد عرض ما شهدته غزة من حرب ودمار ومعاناة إنسانية، وربط ذلك بما جرى في الضفة الغربية من استيطان ومصادرة للأراضي وتهجير وعنف، وحمل هذا الربط دلالة استراتيجية تؤكد ارتباط مستقبل السلام بمستقبل الأرض، وكلما تغيرت الوقائع الجغرافية والديموغرافية ازدادت صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية قابلة للحياة.
    وفي ما يتعلق بالقدس، جدد الملك التأكيد على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، واستمرار الأردن في حمل هذه المسؤولية، وقد عكست هذه الرسالة ثبات الموقف الأردني تجاه المدينة ومكانتها، وربطت الدور الأردني بمسار السلام وبالحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات.
    ومن فلسطين انتقل الخطاب إلى سوريا، حيث اتسعت الرؤية من تداعيات الصراع الفلسطيني إلى منظومة الأمن الإقليمي وانعكاساتها المباشرة على الأردن. وقد اعتبر جلالة الملك أن التطورات في سوريا شكلت إنذارا يستحق اهتماما دوليا، وربطها بصورة مباشرة بأمن الحدود الشمالية والأمن المائي الأردني، مؤكدا أن أي تهديد للحدود أو للمياه يمثل تهديدا للأمن القومي الأردني. وجاء الموقف واضحا وحاسما في تأكيد أن الأردن لن يشيح بنظره عن مصادر الخطر المحيطة به، وأن حماية حدوده ومياهه ومصالح شعبه ستبقى في صميم أولوياته الوطنية.
    وفي الوقت نفسه، قدم الخطاب رؤية متكاملة للأمن الإقليمي، فالأردن واصل مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، وعزز قدراته الدفاعية، مع استمرار دعمه للصمود الفلسطيني وللأونروا. وهذا عكس فهما واسعا للاستقرار، يقوم على حماية الحدود ومواجهة التهديدات الأمنية ومعالجة مصادر عدم الاستقرار في محيط الأردن.
    أما الرسالة السياسية الأهم، فجاءت في تأكيد الأردن تمسكه بالدبلوماسية والحوار والعمل مع كل من يسعى إلى السلام، مع التأكيد أن هذا النهج لم يكن دليلا على الضعف، وقد رسمت هذه المعادلة صورة للسياسة الأردنية تقوم على الانفتاح في أدواتها، والثبات في مصالحها ومواقفها.
    وعلى المستوى الدولي، نقل الخطاب النقاش إلى جوهر الأزمة التي واجهها النظام الدولي، حيث الفجوة بين القواعد المعلنة والقدرة على حماية هذه القواعد وتطبيقها، وقدمت الرؤية التي حملها الخطابَ القضية الفلسطينية باعتباره اختبارا لمصداقية القانون الدولي، فيما ارتبط تحقيق السلام باستعادة الثقة بالمؤسسات الدولية وقدرتها على التعامل مع الأزمات وفق قواعد واضحة.
    وبذلك حمل خطاب الملك رسالة متكاملة إلى الإقليم والعالم تؤكد أن تحقيق السلام يحتاج إلى معالجة جذور الصراعات، في حين يحتاج الاستقرار إلى احترام سيادة الدول وأمنها، ويرتبط الأمن الإقليمي بوقف دوائر التصعيد، فيما تشكل القضية الفلسطينية مفتاحا رئيسيا لاستقرار المنطقة.
    ومن هنا، كانت الدلالة الأوسع للخطاب أن الأردن قدم رؤيته للمرحلة على أساس السلام بوصفه خيارا سياسيا، والاستقرار بوصفه مصلحة إقليمية، والأمن بوصفه مسؤولية وطنية ودولية، والقانون الدولي بوصفه أساسا للعلاقات بين الدول.
    في المحصلة، أظهر الخطاب الموقف الأردني من مختلف القضايا الإقليمية بشكل واضح وجلي، مبينا أهمية الحوار كأداة، والدبلوماسية كمسار، والسلام كهدف، إلا أن تحقيق كل ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية دولية تعالج جذور الأزمات وتمنع تحول الوقائع المؤقتة إلى أزمات دائمة، وهنا وضع الخطاب المجتمع الدولي بمجمله أمام سؤال الأكثر أهمية في هذه المرحلة: هل تستمر إدارة الأزمات، أم تبدأ معالجة أسبابها وبناء مسار حقيقي للأمن والاستقرار والسلام؟

     

  • السقوط إلى الأعلى: حين يكون الاعتذار قمة الحكمة

    السقوط إلى الأعلى: حين يكون الاعتذار قمة الحكمة

    السقوط إلى الأعلى: حين يكون الاعتذار قمة الحكمة

    بقلم الأستاذ الدكتور تحسين منصور

    في عالم يسعى فيه الكثيرون إلى تقلّد المناصب، يُنظر إلى الاعتذار عن منصب، في بعض الأحيان، باعتباره تراجعًا أو فشلًا. ومع ذلك، قد يحين الوقت لنتوقف قليلًا أمام رؤية مختلفة: أحيانًا يكون الاعتذار قمة الحكمة، وأحيانًا يكون ما يظنه البعض سقوطًا هو الطريق نحو الأفضل.

    لا يُقصد بهذه الفكرة التخلي عن المسؤولية أو الهروب من العمل، بل دعوة إلى التفكير في معنى المنصب، ومعنى النجاح، ومعنى المسار المهني.

    نشأنا في ثقافة تعتبر كل منصب جديد خطوة إلى الأمام، وترسخت لدينا فكرة أن الصعود المهني يعني دائمًا صعودًا حقيقيًا. لكن المسيرة المهنية ليست بهذه البساطة. فقيمة المنصب لا تكمن في مسماه وحده، وإنما في مدى انسجامه مع خبرة الشخص ومساره، وفي مقدار الإضافة التي يستطيع أن يقدمها من خلاله.

    بعد سنوات طويلة من العمل الأكاديمي والإداري، قد يطرح الإنسان على نفسه سؤالًا بسيطًا في ظاهره، لكنه يتطلب قدرًا من الصراحة مع الذات: هل كل منصب جديد يمثل بالضرورة خطوة إلى الأمام؟

    هنا تتغير الزاوية التي ننظر بها إلى الأمور. فمن خاض تجربة المسؤولية الإدارية والقيادة، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يتوافق مع خبرته ومساره، وما لا يتوافق.

    ليس كل انتقال إلى منصب جديد صعودًا، والاعتذار عن منصب ليس بالضرورة تراجعًا. قد يصل الإنسان إلى مواقع قيادية، ثم يكتشف أن القيمة التي يستطيع أن يقدمها في المرحلة التالية لا ترتبط بالضرورة بتولي منصب إداري جديد، وإنما باستثمار خبرته في التدريس، أو البحث العلمي، أو الإشراف، أو نقل المعرفة، أو المشاركة الفكرية.

    فالعطاء ليس حكرًا على الكراسي الإدارية.

    وقد يجد البعض صعوبة في فهم قرار الاعتذار عن منصب؛ لأنهم يرونه من زاوية واحدة: هناك منصب جديد يمثل فرصة للصعود، فلماذا يُرفض؟ لكن من يتخذ القرار قد يرى الصورة بصورة مختلفة. يسأل نفسه: ماذا يضيف لي هذا المنصب؟ وهل يتناسب مع تجربتي؟ وهل هو الدور الذي أريد أن أضع فيه جهدي وخبرتي؟

    هذه الأسئلة لا تعكس رفضًا للمسؤولية، وإنما تعبر عن وعي بالمسار المهني وأهمية الاختيار.

    في بدايات الحياة المهنية، يكون التركيز غالبًا على كيفية التقدم والوصول إلى مناصب أكبر. ومع مرور السنوات، قد يتحول السؤال إلى: ما الدور الذي يمكن أن أقدم فيه أفضل ما لدي؟ والفرق بين السؤالين ليس اختلافًا في الطموح، بل في فهم الطموح ذاته.

    فقد يكون الطموح في مرحلة ما هو الوصول إلى منصب أعلى، بينما يصبح في مرحلة أخرى هو توظيف الخبرة بصورة أكثر فائدة، واختيار الدور الذي ينسجم مع ما يملكه الإنسان من معرفة وتجربة، ويمنحه شعورًا حقيقيًا بالقيمة والأثر.

    لذلك تتغير دلالة كلمة «الصعود». ليس كل ارتقاء في السلم الوظيفي صعودًا حقيقيًا، كما أن الابتعاد عن منصب ليس بالضرورة تراجعًا. فقد يكون الابتعاد عن موقع إداري معين فرصة أوسع للتدريس، أو البحث، أو القراءة والكتابة، أو توجيه الطلبة، أو استثمار الخبرة في مجالات أخرى بعيدًا عن ضغوط الإدارة اليومية.

    عندها يدرك الإنسان أن ما بدا للآخرين ابتعادًا عن العطاء، لم يكن كذلك، وإنما كان اختيارًا لنوع آخر منه.

    وهكذا يصبح الاعتذار قرارًا ناضجًا، لا هزيمة. فالقيمة الحقيقية للمسيرة المهنية لا تكمن فقط في عدد المناصب التي شغلها الإنسان، وإنما في المعرفة التي راكمها، والخبرة التي نقلها، والأثر الذي تركه في الآخرين.

    لذلك، فإن كلمة «لا» ليست دائمًا رفضًا للعطاء، كما أن كلمة «نعم» ليست دائمًا علامة على الطموح. أحيانًا تكون «لا» اختيارًا لنوع آخر من العطاء.

    وقد يكون التوقف عن الصعود في السلم الوظيفي بداية لنوع آخر من الارتقاء؛ ارتقاء نحو مزيد من الحرية، ومزيد من الوقت، ومزيد من التركيز، ومزيد من المعنى.

    في النهاية، قد يرى البعض أن رفض منصب يعني «السقوط»، بينما قد يرى صاحبه الأمر بصورة مختلفة تمامًا. فربما لا يكون ذلك سقوطًا، بل انتقالًا من موقع إلى آخر، ومن مفهوم للصعود إلى مفهوم أكثر اتساقًا مع المسيرة والخبرة.

    هذا هو معنى «السقوط إلى الأعلى». فالمناصب تتغير، والمسميات تتبدل، لكن الخبرة المكتسبة، والمعرفة التي يتركها الإنسان، والأثر الذي يحدثه في الآخرين، هي ما يمنح المسيرة معناها الحقيقي.

    لذلك، عندما يحين وقت الاختيار، ربما لا يكون السؤال الأهم: أي منصب أعلى؟ وإنما: أي دور يتناغم أكثر مع مسيرتي، ويمكّنني من تقديم أفضل ما لدي؟

    وفي بعض الأوقات، قد يكون الاعتذار عن قبول منصب هو القرار الأكثر حكمة.

    ملاحظة

    هذا المقال ليس دعوة إلى رفض المناصب، ولا حكمًا على من يختار العمل الإداري. فهناك من يجد في المنصب رسالة، ويؤدي من خلاله واجبًا، ويحقق أثرًا حقيقيًا، ويجد فيه مجالًا للعطاء.

    وفي المقابل، هناك من يختار في مرحلة معينة إعادة ترتيب أولوياته المهنية، أو تخفيف مسؤولياته الإدارية، أو التوجه إلى جوانب أخرى من العمل الأكاديمي والفكري.

    فالقرار يرتبط بالإنسان، وتجربته، ومساره، وأولوياته، وما يراه أكثر اتساقًا مع قدرته على العطاء.

    فالحكمة ليست دائمًا في الوصول إلى الأعلى، بل في معرفة ما يعنيه «الأعلى» بالنسبة إلى كل إنسان.

     

  • السردية الأردنية ومعرض عمان الدولي للكتاب

    السردية الأردنية ومعرض عمان الدولي للكتاب

    الوزير مصطفى الرواشدة

    حين يكون حفل انطلاق معرض عمّان الدولي للكتاب، الذي يتوّج بالرعاية الملكية السامية لهذا العام، وكلّ عام، من المركز الثقافي الملكي، بما يحمله هذا المسمّى من حضور في وجدان الأردنيين، فإنّ هذه الرؤية تؤكد أهميّة الصورة التي نقدّمها للضيوف العرب والأجانب من المشاركين في المعرض، بحيث تضيئ نقطة الانطلاق الهادئة والقويّة معًا، على رسالة الدولة الأردنية في الاهتمام الملكي بالثقافة وإيلائها العناية التي تستحقّ.

    وقد جاء اختيار المركز الثقافي الملكي، لما يوفّره هذا المركز أيضًا من مساندات تعمل على هذا النجاح، كمركز كبير مجهّز بأحدث الأجهزة والمساحة والأجواء التي تحمل حفل الافتتاح ومفرداته.

    وحين يكون حفل الانطلاق ناجحًا، كعنوان، فإنّ التفاعل والانسجام من بعد والانتقال إلى أجنحة المعرض وفعالياته، وبرنامجه الثقافي سيكون ناجًا أيضًا، خصوصًا وقد دعمت وزارة الثقافة هذا البرنامج، بالتنسيق مع اتحاد الناشرين، من خلال خبرتها الثقافية ومساندتها المتواصلة لهذا المعرض الوطني، المعبّر عن هذه التظاهرة الثقافية الكبيرة كلّ عام.

    ونحن، إذ ندرك في وزارة الثقافة، قيمة أن نغذّي البرنامج الثقافي للمعرض وطنيًّا في الاستضافات والندوات والفعاليات الأدبيّة والفكريّة، بما يجمع ما بين فكر الدولة وإبداعات الشباب والرواد والناشئة، فإننا نثق بمخرجات هذا البرنامج الذي يحفّز الحضور والقرّاء والنخب والأكاديميين، وجميع الشرائح المجتمعيّة، على تداول الكتاب واقتنائه والمرور على أجنحته، وجعله في سلّة تفضيلاتهم بما فيه من متعةٍ وفائدة، واشتباك إيجابي مع الكتاب، مصدر المعلومة وصديق القراء والمثقفين.

    في هذه الدورة تحلّ الشقيقة سوريا ضيف شرف على المعرض، وتحمل في استضافتها هذه، برنامجها الثقافي والفكري والإبداعي الذي يعطي صورةً حضاريّة عن البوصلة الثقافيّة حين تكون مساندةً للعمل الدبلوماسي والسياسي بين قيادتي البلدين الشقيقين تاريخيًّا، وغنيُّ عن التذكير مساندة الأردن الدائمة للأشقاء في سوريا والأشقاء العرب، بل والأصدقاء في العالم، على أكثر من صعيد.

    وفي هذا العام، نعتزّ كثيرًا بتخلل مفهوم “السرديّة الأردنيّة” لدينا جميعًا، بل ولدى كلّ الأشقاء والأصدقاء، هذه السرديّة التي وجّه إلى كتابتها سموّ الأمير الحسين بن عبدالله الثاني وليّ العهد، حفظه الله، فشرعنا في كتابة هذه السرديّة وقراءة واستنباط مادّتها العلميّة والتاريخيّة والوطنيّة، وكلّ المجريات التي جرت عبر الحقب والعصور حتى هذا اليوم.

    وأحبّ أن أشير إلى متابعة الوزارة وعملها الدؤوب على السردية الأردنيّة، بما يجعلها قصّةً وطنيّةً يرددها الطالب وتكون مبعث فخرٍ وعزٍّ، ويقرأها الأكاديمي والباحث والسياسي والمفكّر على منصّات الاحتفاء والتدارس والتثاقف، في حوارات وندوات جالت المملكة الأردنيّة الهاشميّة، وعرّفت بالمفهوم ومسوّغات واستحقاق كتابة هذه السرديّة، كمسار طويل من العطاء الوطني والإنسانيّ.

    هذه السرديّة ستكون حاضرةً على برنامج معرض عمان الثقافي، ضمن قراءات وأشكال ومفردات متنوعة، ونحن متأكدون من أنّها ستكون قريبًا بعون الله بين أيدينا وأيدي ضيوفنا مطبوعةً، كمرجع كبير قام عليه خيرة الخيرة من الأكاديميين والباحثين، بإشراف وزارة الثقافة، واهتمامها بوصول محتوى هذه السرديّة للجميع.

    اليوم لم تعد الثقافة مقصورةً على الكُتّاب والمثقفين، فقد رأينا، ومن خلال الفعاليات والمهرجانات والأنشطة اليوميّة التي ترعاها وزارة الثقافة، عبر برامجها وجدولها اليومي في كلّ المحافظات، أنّ أبناءنا وأسرتنا الأردنيّة على شغف كبير بالكتاب واقتنائه، فليس غريبًا إذًا، ما يتميّز به الأردنيّون من حضورٍ تلقائي وفرحٍ غامر لمعرض الكتاب، وهي فرصة لنا لنحيّي الناشر الأردنيّ، الشريك مع وزارة الثقافة في صناعة الفكر والوعي ونشر الثقافة والإبداع.

    في دورة المعرض لهذا العام، سنشهد العديد من الندوات في الفكر والنقد والفلسفة، والأدب والشعر والقصّة، والجلسات الحواريّة، وورشات العمل، والعروض الوثائقيّة، وسيكون المركز الثقافي الملكي حاضنًا لفعاليات عديدة من هذا المعرض، وكذلك دائرة المكتبة الوطنيّة.

    ونعتزّ دائمًا بكلّ الجهات المساندة لهذا المعرض، كأمانة عمان الكبرى، ومؤسسة عبدالحميد شومان، خصوصًا في هذه الدورة المهمّة، دورة اليوبيل الفضّي لمعرض عمّان الدولي للكتاب.

    أتمنى لكلّ المثقفين والكتاب، ولضيوف المعرض، الاستمتاع في رحاب الفكر والثقافة والمعرفة، وبين أجنحة المعرض والأنشطة والفعاليات اليوميّة،.. وأهلًا وسهلًا بالجميع.

  • الخطر الإسرائيلي كما يراه الملك

    الخطر الإسرائيلي كما يراه الملك

    بقلم: معالي سميح المعايطة

    لا ينتظر جلالة الملك موسم الأمم المتحدة السنوي ليقول للعالم ما يجب أن يقال حول القضية الفلسطينيةوخطر السياسات الإسرائيلية في فلسطين والمنطقة، فدائما هذا الملف على رأس أجندة الملك في كل تحرك له في العالم.
    وأمس اختصر الملك وصف إسرائيل بأنها “دولة بلا رادع”، أي أنها تقوم بكل ما تريد دون ردع من المجتمع الدولي أو القانون الدولي والدول الكبرى، في ظل وضع عربي وفلسطيني يعلمه الجميع.

    لكن إسرائيل وسياساتها العدوانية كانت في خطاب الملك أمس في تشخيص جديد لأخطارها على الأردن، أولها الخطر القادم من سياساتها العدوانية في فلسطين وكل ما تفعله في الضفة الغربية والقدس، وهو خطر كبير؛ لأنه ضمن سياق فكري وسياسي توسعي هدفه تصفية القضية الفلسطينية، وسلب الفلسطيني أرضه وهويته، وأن يدفع الثمن طرف ثالث، أول عناصره الأردن، عبر التهجير والتوطين.

    والجديد تلك الرسالة الأردنية التي أطلقها الملك بحزم حول الخطر القادم من حدودنا الشمالية، نتيجة موجة العدوان الإسرائيلي على سوريا، والعمل الذي لم يتوقف ضد الأرض السورية لصناعة واقع جديد عبر العدوان العسكري وعبر محاولة تقسيم سوريا وفصل جزء منها على حدودنا الشمالية في السويداء، وكل هذا يصنع خطرا على أمننا الوطني على حدودنا، إضافة إلى تهديده لأمننا المائي والمصادر التي تأتي من الجنوب السوري.

    للمرة الأولى يتحدث الملك في هذا الملف بوضوح وحزم ورسالة واضحة، ويؤكد أن الأردن لن يشيح بوجهه عن هذه الأخطار، وأنه سيحمي حدوده ومصالحه.

    العدوانية الإسرائيلية أردنيا تتعدد مصادرها: غربا من الضفة الغربية، وشمالا نتيجة عدوان إسرائيل على سوريا ومخططات التقسيم ورسم واقع جغرافي في سوريا بدبابات الاحتلال الصهيوني.