الوسم: صندوق أقلام

  • باب التوبة مفتوح… ولكن هل تسقط التوبة حقوق العباد؟

    باب التوبة مفتوح… ولكن هل تسقط التوبة حقوق العباد؟

    بقلم امجد فاضل فريحات

    باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة، ورحمة الله أوسع من ذنوب عباده، والتائب من ذنبه كمن لا ذنب له إذا صدقت توبته واستوفت شروطها.
    لكن ثمة فرقًا كبيرًا بين ذنبٍ بين العبد وربه، وبين حقٍّ تعلّق برقبة إنسان تجاه إنسان.
    فما كان من حقوق الله، فباب التوبة والاستغفار والإنابة إليه مفتوح، أما حقوق العباد فلا تمحوها كثرة الاستغفار، ولا تسترها الكلمات المنمقة، ولا تُسقطها محاولة إعادة صياغة الحقيقة بما يجعل الظالم بريئًا والمظلوم مخطئًا.
    فإذا ظلمت إنسانًا، أو سلبته حقًا، أو شهدت عليه بغير الحق، أو زيّنت الباطل حتى بدا في أعين الناس حقًا، ثم حاولت بعد ذلك أن تضع فوق ذلك كله ثوبًا من الوعظ والاستغفار؛ فاعلم أن الكلمات لا تغيّر الحقائق عند الله.
    وأشدّ من الظلم نفسه أن يُضاف إليه تزييف الحقيقة؛ أن يُقلب الباطل حقًا، والحق باطلًا، وأن تُزيَّن الرواية حتى يقتنع الناس بأن ما وقع كان عين العدل، وأن الغاية كانت تبرر الوسيلة، وأن لا ظلم قد وقع، ولا مظلوم قد سُلب حقه.
    وهنا لا تكمن المشكلة في الخطأ وحده، بل في الإصرار على صناعة رواية جديدة للخطأ، ثم محاولة إقناع الآخرين بها، وكأن تغيير الألفاظ قادر على تغيير ما حدث.
    قد تستطيع أن تقنع بعض الناس، وقد تستطيع أن تملأ المجالس بالكلام الجميل، وقد تستشهد بالنصوص والحكم والمواعظ، وقد تتخذ من الاستغفار والتوبة ستارًا لما مضى؛ لكنك لن تستطيع أن تغيّر ما استقر في ميزان العدل الإلهي.
    فالله لا يحاسبنا على الرواية التي نسردها عن أفعالنا، وإنما على الحقيقة التي يعلمها عن أفعالنا.
    والتوبة الصادقة من حقوق العباد ليست مجرد كلمات تُقال، ولا مظهرًا يُتزيّن به أمام الناس؛ وإنما تبدأ بالاعتراف بالخطأ، وردّ الحق إلى صاحبه، وطلب المسامحة ممن وقع عليه الظلم، والإقلاع عن الظلم، والعزم الصادق على ألا يعود الإنسان إليه.
    أما أن يُظلم الإنسان، ثم يُطلب منه أن يقتنع بأن ما وقع عليه لم يكن ظلمًا، فهذه ليست توبة من الظلم، بل محاولة أخرى لإخفائه.
    افعل ما تشاء، وزيّن كلامك كما تشاء، وخذ العزة بالإثم إن شئت، ولكن لا تظن أن جمال الكلمات قادر على إسقاط حقوق المظلومين من ميزان العدل.
    فقد ينسى الناس، وقد يقتنع بعضهم بالرواية المصطنعة، وقد تتغير المواقف والأسماء والظروف، لكن حق المظلوم لا يتغير بتغير الروايات، ولا يسقط بتقادم الزمن، ولا يختفي خلف كثرة الاستغفار.
    والتوبة التي يُرجى قبولها ليست توبة اللسان وحده، وإنما توبةٌ تُصلح ما أفسدته اليد، وترد ما سُلب، وتنصف من ظُلم، وتعترف بالحقيقة مهما كانت مؤلمة.
    ولذلك صدق أبو العتاهية حين قال:
    ترجو النجاةَ ولم تسلكْ مسالكَها
    إنَّ السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ
    فمن أراد النجاة، فليسلك طريقها؛ ومن أراد التوبة، فليبدأ من الحقيقة؛ ومن كان في رقبته حقٌّ لإنسان، فليؤدِّ الحق إلى صاحبه.
    فالتوبة لا تكون بتغيير الحقيقة، وإنما بالرجوع إليها.
    ولا تكون بتجميل الباطل، وإنما بالتراجع عنه.
    ولا تكون بإسكات صوت المظلوم، وإنما بردّ مظلمته.
    وفي النهاية، قد تستطيع أن تغيّر الحكاية أمام الناس، لكنك لن تستطيع أن تغيّر الحقيقة أمام الله.
    فالحقوق لا تموت لأن أصحابها صمتوا، والظلم لا يصبح عدلًا لأن أحدًا أحسن صياغته.
    تذكّر أن أخطر ما يفعله الإنسان بعد ظلمه ليس أن يخطئ، وإنما أن ينجح في إقناع نفسه والآخرين بأنه لم يخطئ أصلًا.
    فحين تُقلب الحقائق، ويُمنح الباطل ثوب الحق، ويُصوَّر المظلوم على أنه مخطئ، ثم تُرفع راية التوبة والاستغفار فوق كل ذلك، فإن المشكلة لم تعد في الذنب وحده، بل في محاولة طمس آثاره وإنكار حقيقة ما جرى.
    قد تُغلق الأبواب، وقد تخفت الأصوات، وقد يرحل أصحاب الحقوق، وقد ينجح المرء في صناعة رواية يصفق لها كثيرون…
    لكن هناك ميزانًا لا تجامل فيه الروايات، ولا تنفع أمامه البلاغة، ولا تغيّره الشهادات المزيّنة، ولا تنقذه كثرة الاستغفار إن بقي الحق في رقبة صاحبه.
    هناك يومٌ تُرد فيه المظالم، وتنكشف فيه الحقائق، وتسقط فيه الأقنعة، ويقف كل إنسان أمام ما قدّم، لا أمام الصورة التي أراد أن يرسمها لنفسه.
    فلا تجعل التوبة وسيلة للهروب من تبعات الظلم، ولا تجعل الاستغفار ستارًا يحجب حقوق المظلومين، ولا تظن أن تبديل الأسماء وتجميل العبارات سيبدّل حقيقة ما حدث.
    إن أردت التوبة، فابدأ بالحقيقة.
    وإن أردت المغفرة، فردّ الحقوق.
    وإن أردت النجاة، فلا تبنِ نجاتك على مظلمة إنسان.
    فما بينك وبين الله قد تغفره توبة صادقة، أما ما بينك وبين عباده، فله حساب آخر.
    وقد تنجو من أعين الناس، لكنك لن تنجو من عينٍ لا تنام، ولن تستطيع أن تقنع العدل الإلهي بأن الظلم كان عدلًا… مهما أتقنت رواية الحكاية.
    وترحل الكلمات، وتسقط التبريرات، ويبقى الحق حقًا، والظلم ظلمًا، ويقف كل إنسان يومًا أمام الحقيقة التي حاول طويلًا أن يهرب منها

  • باسل حجّار وزوجته سنا في «أيام السينما اللبنانية» بكندا.. حضور لبناني لافت

    باسل حجّار وزوجته سنا في «أيام السينما اللبنانية» بكندا.. حضور لبناني لافت

    بقلم: مايا إبراهيم

    كان للحضور اللبناني في الدورة العاشرة من «أيام السينما اللبنانية في كندا» نكهة خاصة، مع اجتماع أسماء تحمل حضورًا راسخًا في الفن والإعلام والعلاقات الثقافية، وفي مقدّمها باسل حجّار، مندوب الشرق الأوسط لسوق «كان» الدولي للتلفزيون (MIPCOM)، الذي حضر برفقة زوجته سنا حجّار.

    ويُعرف باسل حجّار بحضوره المهني اللافت وعلاقاته الواسعة في عالم التلفزيون والصناعة السمعية البصرية، وهو من الأسماء التي تملك معرفة عميقة بحركة الإنتاج والبرامج والأسواق التلفزيونية الدولية. لذلك بدا حضوره في هذه المناسبة طبيعيًا ومتناغمًا مع لقاء يحتفي بالسينما والفن اللبنانيين، فيما حضرت سنا حجّار إلى جانبه بحضور أنيق وهادئ، أضفى على الأمسية مزيدًا من الرقي والدفء.

    وكان المخرج سام لحّود حاضرًا بقوة في المشهد، ليس فقط بوصفه أحد الأسماء الأساسية في تنظيم «أيام السينما اللبنانية في كندا»، بل باعتباره صاحب رؤية استطاعت أن تمنح السينما اللبنانية مساحةً مستمرة في كندا، وأن تجمع حولها فنانين وإعلاميين وأصدقاء للفن اللبناني. وقد بدا واضحًا في الأمسية ذلك الاهتمام بالتفاصيل الذي يرافق حضوره في مثل هذه المناسبات.

    أما لوسي إبراهيم، فكان لها حضورها الخاص الذي يليق بمناسبة لبنانية من هذا النوع؛ حضور يجمع الأناقة وحسن الاستقبال والقدرة على خلق أجواء مريحة للضيوف، فيما شاركها زوجها سعيد إبراهيم استضافة الأمسية، فكان حضورهما معًا من أجمل تفاصيل اللقاء، لما يضفيه الثنائي من دفء ولباقة وحفاوة لبنانية أصيلة.

    وبين هذه الأسماء، جاء تكريم جورج خبّاز ضمن برنامج الدورة، حيث مُنح جائزة «الإنجاز مدى الحياة»، في محطة من محطات المناسبة.

    وهكذا بدت الأمسية في صورتها الأجمل: باسل حجّار وسنا بحضورهما الفني والاجتماعي، سام لحّود برؤيته وعلاقته بالسينما اللبنانية، ولوسي إبراهيم وسعيد إبراهيم بحفاوتهما وحضورهما، في لقاء لبناني حمل إلى كندا شيئًا من روح بيروت ودفء اللقاءات التي تصنعها المحبة للفن وأهله.

  • الثانوية العامة: الحكاية التي لا تنتهي عند آخر ورقة

    الثانوية العامة: الحكاية التي لا تنتهي عند آخر ورقة

    بقلم عمر الدريني

    يعتقد كثيرون أن قصة الثانوية العامة تنتهي عندما يغادر آخر طالب قاعة الامتحان، لكن الحقيقة أن خلف ذلك المشهد تبدأ مراحل أخرى لا تقل أهمية: التصحيح، والتدقيق، والفرز، وإعداد النتائج، واستكمال الإجراءات الإدارية.
    وفي قلب هذه الحكاية يقف المعلم الذي أدى دوره ثم عاد إلى مدرسته وحياته اليومية.
    لهذا فإن الحديث عن مستحقاته لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه شكوى مالية فقط، بل بوصفه سؤالًا عن العلاقة بين العمل والوفاء به، وبين المؤسسة والإنسان الذي يعمل داخلها.
    حين يطلب المجتمع من المعلم أن يقدم أقصى درجات الدقة، فإنه ينتظر من المؤسسة التي يعمل معها أن تتعامل مع حقوقه بالوضوح نفسه.
    والمال في حياة الناس ليس رقمًا مجردًا. قد يكون ثمن كتب، أو قسطًا، أو فاتورة، أو احتياجات أسرة. وكلما تأخر، تغيرت قدرة صاحبه على ترتيب حياته، خصوصًا عندما تأتي المستحقات في وقت تتزايد فيه المسؤوليات الأسرية.
    لذلك فإن المسألة ليست في الاستعجال غير المدروس، وإنما في بناء مسار واضح لا يترك الإنسان معلقًا بين «تم إنجاز العمل» و«لم يتم صرف المقابل».
    ربما تكون الثانوية العامة امتحانًا للطلبة، لكنها أيضًا اختبار مستمر لقدرة المؤسسات على إدارة التفاصيل التي لا تظهر في النتائج.
    والنجاح الحقيقي لا يكون فقط في إعلان النتائج، بل في إغلاق كل الملفات المرتبطة بالامتحان بصورة عادلة وواضحة.
    فوراء كل ورقة مصححة إنسان، وخلف كل إنسان حق ينبغي ألا يضيع في زحام الإجراءات.
    وحين ننظر إلى الثانوية العامة من هذه الزاوية، ندرك أن آخر ورقة في الامتحان ليست بالضرورة آخر صفحة في الحكاية؛ فهناك دائمًا إنسان ينتظر أن تُكتب الصفحة الأخيرة بالوفاء الذي يستحقه.

  • ظواهر أردنية

    ظواهر أردنية

    بقلم : بلال حسن التل
    تنتشر في الحياة العامة لبلدنا مجموعة من الظواهر السلبية لاتليق به ولا تليق بتاريخه السياسي والاجتماعي، فقد عرف القادة السياسيون والزعماء الاجتماعيون في بلدنا حتى عقود قريبة بالوضوح والصراحة والشجاعة في ابداء الراي، لانهم كانوا يؤمنون وهم على حق في هذا الإيمان بان الصراحة والوضوح قمة الإخلاص للوطن وقيادته وناسه، لان هذه الصفات هي التي تمنع استفحال الاخطاء التي تعصف ببنيان الدولة وتضعفه، كان ذلك قبل ان تظلنا سنوات ساد فيها رجال من صفاتهم ازدواجية الخطاب، فهؤلاء يقولون حول المسألة الواحدة في الغرف المغلقة خطابا يناقض تماما مايقولونه للرأي العام، ولعل هذه الممارسة من اهم اسباب فقدان الرأي العام الاردني لثقته بالشخصيات العامة في بلدي، يعزز هذا الفقدان ان الكثيرين من المسؤولين في بلدنا يتحولون الى معارضين وناقدين للاوضاع العامة في بلدنا، بعد خروجهم من مواقعهم الرسمية زاعمين ان الفساد منتشر في مؤسسات الدولة، حتى اذا عاد احدهم الى موقع من المواقع الرسمية، تنصل من كل ما قاله اثناء ابتعاده عن الموقع الرسمي، وهؤلاء هم الخطر الحقيقي على بلدنا، لانهم يلعبون دور المنافقين الذين يتخلون عن الوطن وقيادته في لحظة الشدة، تماما مثلما فعل المنافقون يومي احد والخندق.

    الظاهرة السلبية الثانية الطارئة على بلدنا، هي ظاهرة طوابير المهنئين اللذين يصطفون بالمئات على باب كل من يتسلم موقع رسمي متقدم في الدولة، في ممارسة اخرى من ممارسات النفاق، ذلك ان الغالبية الساحقة من الذين يصطفون لتهنئة المسؤل لايعرفونه مثلما انه لايعرفهم، ومع ذلك فانهم لايترددون عن كيل المديح لمن لايعرفونه ولا يعرفون شيئا عنه، في نفس الوقت الذين يكيلون فيه النقد لسلفه، بالرغم انهم اصطفوا قبل ذلك على باب السلف ليمدحوه على قاعدة اعطي السيف لباريه!. وهي ممارسة لن تكن معروفة لدينا الى عقود قريبة، لم يكن قد استشرى في حياتنا الرياء الاجتماعي. حمى الله بلدنا وقيادته منه.

  • ولي العهد يرسم خريطة الأولويات الوطنية

    ولي العهد يرسم خريطة الأولويات الوطنية

    بقلم : مكرم الطراونة
    حديث نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، خلال ترؤسه جانبا من جلسة مجلس الوزراء، يمكن قراءته من زاويتين متداخلتين؛ الأولى تتصل بحياة الأردنيين اليومية وما ينتظرونه من مؤسساتهم، والثانية تتعلق بكيفية حماية الأردن ومصالحه الاقتصادية في محيط إقليمي شديد الاضطراب.

    الملفات التي توقف سموه عندها تمس المواطن بشكل مباشر، كتوفر السلع، والأسعار، والسياحة وفرص العمل، والخدمات الحكومية الرقمية، والصحة، وكفاءة الإدارة، وصولا إلى قدرة الدولة على اتخاذ القرار استنادا إلى بيانات دقيقة. وفي الوقت نفسه، حضرت قضايا النقل والشحن وسلاسل التوريد والمخزون الإستراتيجي والعلاقات الاقتصادية الخارجية، وهي ملفات تتصل مباشرة بقدرة الأردن على الصمود في بيئة إقليمية متقلبة.
    دعوة ولي العهد إلى التعامل مع سلاسل التوريد بوصفها “أولوية وطنية”، والحفاظ على مخزون إستراتيجي من المواد والسلع الأساسية، تكتسب دلالة تتجاوز الإدارة اليومية للسوق نحو مفهوم أوسع للأمن الوطني، وسط منطقة مضطربة لا يمكن التنبؤ بتقلباتها، وهو أمر يحتاج، إضافة للقدرة الأمنية والعسكرية، إلى قدرة اقتصادية ولوجستية تحمي حياة الناس من آثار الأزمات للمحافظة على انتظام الاقتصاد.
    ولم يتوقف سموه عند إدارة تداعيات الأزمة الراهنة، وإنما انتقل إلى ما ينبغي أن تفعله الحكومة للاستفادة من التحركات التي يقودها جلالة الملك مع دول العالم، فالزيارات واللقاءات الملكية، والاتفاقات التي وقعت فيها، ينبغي أن تتحول إلى برامج ومشروعات قابلة للقياس والتنفيذ، وأن تنتقل الفرص من مستوى العلاقات والاتفاقيات إلى الاقتصاد الحقيقي القادر على تحسين مستوى المعيشة، وهو ما أكد عليه سموه بوضع مصلحة المواطنين وتحسين مستواهم المعيشي معيارا أعلى لقياس نجاح السياسات العامة.
    هذا النهج يظهر، أيضا، في حديثه عن السياحة التي تعتبر قطاعا يتشابك مع النقل والفنادق والمطاعم والحرف والأسواق والمجتمعات المحلية وفرص العمل. لذلك فإن حديث سموه يركز على إدارة المواقع السياحية، وتنويع الأسواق المستهدفة، وتحسين تجربة الزائر، وهي مشكلات تشغيلية محددة، وليس حديثا تقليديا عن أهمية القطاع.
    الأمر نفسه ينطبق على التكنولوجيا التي ينبغي أن تسهل حياة المواطن، وأن القيمة الحقيقية للتحول الرقمي تكمن في مقدار الوقت والجهد والكلفة التي توفرها على الناس، وفي قدرتها على إيصال الخدمة إلى المواطن أينما كان.
    ربما كان حديث سموه عن البيانات والذكاء الاصطناعي من أكثر النقاط ارتباطا بمستقبل الإدارة الحكومية. الدولة الحديثة لا تستطيع إدارة مؤسساتها وملفاتها اعتمادا على تقديرات عامة أو بيانات متفرقة ومتأخرة، فتحسين إدارة البيانات الحكومية يعني الانتقال تدريجيا نحو قرار يستند إلى المعلومة، ويمكن من خلاله اكتشاف المشكلة مبكرا، وقياس أثر السياسات، وتوجيه الموارد إلى المكان الذي تحتاج إليه فعليا.
    اجتماع هذه الملفات معا في حديث ولي العهد، يضعنا أمام خريطة طريق واضحة لأولويات المرحلة، وهي أولويات تبدأ بدولة تحمي حدودها وأمنها، وتديم سلاسل إمدادها ومخزونها، وتبحث عن فرص سياسية واقتصادية في الخارج لتحويلها إلى نتائج في الداخل. كل هذا بالتوازي مع تطوير بنيتها التحتية وقطاعاتها الاقتصادية، لتحسين حياة المواطن.
    متابعة سموه لهذه الملفات، لا بد أن ترفع سقف المسؤولية التنفيذية الملقاة على الحكومة، وتسرع من إنجازها، خصوصا أن الملفات تتعلق بمستقبل الأردن وجغرافيته التي لم يخترها طواعية، بل فرضت عليه، كما تتعلق بحياة المواطن ورفاهه.
    في محيط ملتهب، كان الأردن على الدوام يعمد إلى إدارة المخاطر والاستعداد لها، وفي الوقت ذاته يواصل البناء استعدادا للمستقبل. هذه هي الدلالة الأهم في حديث ولي العهد، فمواجهة الظروف الإقليمية لا تعني تجميد خطط الأردن، وإنما زيادة قدرته على الحركة، وحماية ما لديه من منجزات، وأيضا استثمار الفرص المتاحة أمامه من أجل مستقبل أفضل لأبنائه.

  • توجيهات ولي العهد .. أولوية التنفيذ في زمن التحديات

    توجيهات ولي العهد .. أولوية التنفيذ في زمن التحديات

    بقلم : راشد الرواشدة
    حين يتابع نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، عمل الحكومة من داخل مجلس الوزراء، فإن المشهد يتجاوز حدود الاجتماع الحكومي إلى صورة أوسع من المتابعة الملكية لمسار الدولة، والحرص على أن تظل الأولويات الوطنية حاضرة في تفاصيل العمل التنفيذي، وأن تتحول الرؤية إلى برامج، والبرامج إلى إنجازات يشعر بها المواطن.
    وتأتي توجيهات سمو ولي العهد في هذا السياق لتمنح العمل الحكومي دفعة جديدة نحو مزيد من التركيز والسرعة والاستعداد؛ فملفات سلاسل التوريد، والسياحة، والانفتاح الاقتصادي على العالم، وتطوير الخدمات الرقمية، وإدارة البيانات والذكاء الاصطناعي، ليست ملفات منفصلة، وإنما حلقات في مشروع وطني واحد عنوانه تعزيز قدرة المملكة على مواجهة المتغيرات، والاستفادة من الفرص، ومواصلة مسيرة التحديث بثقة وثبات.
    واللافت في هذه التوجيهات أنها تجمع بين قراءة دقيقة للظرف الإقليمي وبين نظرة إلى المستقبل؛ فالتعامل مع تداعيات التصعيد لا يأتي على حساب البناء، والاستعداد للمخاطر لا يلغي البحث عن الفرص، بل يتزامن معه، وفي ذلك تتجلى أهمية الدور الذي يضطلع به سمو ولي العهد في متابعة الملفات الوطنية، ودفع المؤسسات إلى مواصلة التطوير، وربط العمل الحكومي باحتياجات المواطن وطموحات الدولة.
    كما أن توجيه الحكومة إلى البناء على جهود جلالة الملك عبدالله الثاني في فتح آفاق سياسية واقتصادية مع مختلف دول العالم، وترجمة ذلك إلى خطط تنفيذية واضحة ومحددة زمنياً، يعكس تكاملاً بين الرؤية الملكية والعمل الحكومي؛ رؤية تفتح للأردن أبواباً جديدة، وحكومة تتولى تحويل هذه المساحات إلى فرص ومشاريع ونتائج.
    ومن هنا، فإن ما حملته جلسة مجلس الوزراء من توجيهات لا يمكن قراءته فقط في إطار الملفات المطروحة، بل بوصفه تأكيداً على نهج أردني يقوم على الاستباق، والاستعداد، والاستثمار في الفرص، وعلى أن يبقى المواطن في مركز السياسات والقرارات، فيما تواصل مؤسسات الدولة أداء دورها في حماية الاستقرار وتعزيز مسيرة التنمية والتحديث.

     

  • رسائل ولي العهد .. المواطن أولاً

    رسائل ولي العهد .. المواطن أولاً

    بقلم : علاء القرالة
    لم يكن اجتماع مجلس الوزراء، الذي ترأس جانبا منه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، مجرد اجتماع لمتابعة ملفات حكومية، بل حمل بتفاصيله رسائل واضحة تتصل بأولويات المرحلة المقبلة، عنوانها حماية الاقتصاد، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات الإقليمية، ووضع المواطن في مقدمة الاهتمام الحكومي، فما أهمية هذه الرسائل.
    الرسالة الأبرز كانت اقتصادية بامتياز، خصوصا في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة وما يمكن أن يتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على حركة التجارة والنقل والأسواق، وهنا جاء تأكيد سموه على التعامل مع سلاسل التوريد باعتبارها أولوية وطنية، والحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع والطاقة، بما يعكس توجها نحو الاستعداد المسبق بدلا من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها.
    وفي المقابل، جاءت الرسالة المتعلقة بالمواطن واضحة ومباشرة، ومفادها أن لا قيمة للخطط والبرامج إذا لم تنعكس على حياة الناس ومستوى معيشتهم، موجها الحكومة إلى وضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات لتكون معيار نجاح السياسات والإجراءات التي لا ينبغي أن تكون فقط في حجم المشاريع التي تنفذ، وإنما في أثرها الفعلي على المواطنين.
    ومن هنا أيضا تأتي أهمية التوجيه بإعداد خطط تنفيذية مرتبطة بأطر زمنية، وهي رسالة إدارية لا تقل أهمية عن الرسائل الاقتصادية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى سرعة في التنفيذ ووضوح في المسؤوليات ومواعيد محددة للإنجاز، حتى لا تبقى الخطط في إطار العناوين العامة أو البرامج التي يصعب قياس نتائجها.
    أما قطاع السياحة، فقد حضر باعتباره أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني، ليس فقط من زاوية زيادة أعداد الزوار، وإنما من خلال تحسين إدارة المواقع السياحية وتطوير تجربة السائح وتنويع الأسواق المستهدفة، وهذا يعني أن المنافسة السياحية اليوم لا تتعلق بامتلاك المواقع والمنتجات السياحية فقط، وإنما بكفاءة إدارتها والقدرة على تسويقها.
    سموه ايضا أشار الى ملف الرقمنة وتطبيق سند ومركز الصحة الرقمية، داعيا الحكومة لتحسين إدارة البيانات الحكومية، فالذكاء الاصطناعي لن يكون أكثر فاعلية من البيانات التي تعتمد عليها المؤسسات الحكومية، وذلك لأنه كلما كانت البيانات دقيقة ومتكاملة ومتاحة بالوقت المناسب، أصبحت قدرة الحكومة على قراءة المؤشرات واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة أكبر.
    خلاصة القول، الرسالة الأهم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة تتحرك بسرعة، وتضع أهدافا قابلة للقياس، وتعرف أن المواطن هو المستفيد النهائي من كل هذه السياسات، فالاقتصاد القادر على مواجهة الأزمات، والسياحة القادرة على النمو، والخدمات الرقمية القادرة على التسهيل، وسلاسل التوريد القادرة على الاستمرار، كلها في النهاية أدوات هدفها الأساسي تعزيز الاستقرار وتحسين حياة الأردنيين.
    لم يكن اجتماع مجلس الوزراء، الذي ترأس جانبا منه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، مجرد اجتماع لمتابعة ملفات حكومية، بل حمل بتفاصيله رسائل واضحة تتصل بأولويات المرحلة المقبلة، عنوانها حماية الاقتصاد، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات الإقليمية، ووضع المواطن في مقدمة الاهتمام الحكومي، فما أهمية هذه الرسائل.
    الرسالة الأبرز كانت اقتصادية بامتياز، خصوصا في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة وما يمكن أن يتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على حركة التجارة والنقل والأسواق، وهنا جاء تأكيد سموه على التعامل مع سلاسل التوريد باعتبارها أولوية وطنية، والحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع والطاقة، بما يعكس توجها نحو الاستعداد المسبق بدلا من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها.
    وفي المقابل، جاءت الرسالة المتعلقة بالمواطن واضحة ومباشرة، ومفادها أن لا قيمة للخطط والبرامج إذا لم تنعكس على حياة الناس ومستوى معيشتهم، موجها الحكومة إلى وضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات لتكون معيار نجاح السياسات والإجراءات التي لا ينبغي أن تكون فقط في حجم المشاريع التي تنفذ، وإنما في أثرها الفعلي على المواطنين.
    ومن هنا أيضا تأتي أهمية التوجيه بإعداد خطط تنفيذية مرتبطة بأطر زمنية، وهي رسالة إدارية لا تقل أهمية عن الرسائل الاقتصادية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى سرعة في التنفيذ ووضوح في المسؤوليات ومواعيد محددة للإنجاز، حتى لا تبقى الخطط في إطار العناوين العامة أو البرامج التي يصعب قياس نتائجها.
    أما قطاع السياحة، فقد حضر باعتباره أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني، ليس فقط من زاوية زيادة أعداد الزوار، وإنما من خلال تحسين إدارة المواقع السياحية وتطوير تجربة السائح وتنويع الأسواق المستهدفة، وهذا يعني أن المنافسة السياحية اليوم لا تتعلق بامتلاك المواقع والمنتجات السياحية فقط، وإنما بكفاءة إدارتها والقدرة على تسويقها.
    سموه ايضا أشار الى ملف الرقمنة وتطبيق سند ومركز الصحة الرقمية، داعيا الحكومة لتحسين إدارة البيانات الحكومية، فالذكاء الاصطناعي لن يكون أكثر فاعلية من البيانات التي تعتمد عليها المؤسسات الحكومية، وذلك لأنه كلما كانت البيانات دقيقة ومتكاملة ومتاحة بالوقت المناسب، أصبحت قدرة الحكومة على قراءة المؤشرات واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة أكبر.
    خلاصة القول، الرسالة الأهم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة تتحرك بسرعة، وتضع أهدافا قابلة للقياس، وتعرف أن المواطن هو المستفيد النهائي من كل هذه السياسات، فالاقتصاد القادر على مواجهة الأزمات، والسياحة القادرة على النمو، والخدمات الرقمية القادرة على التسهيل، وسلاسل التوريد القادرة على الاستمرار، كلها في النهاية أدوات هدفها الأساسي تعزيز الاستقرار وتحسين حياة الأردنيين.

     

  • ولي العهد في مجلس الوزراء .. المتابعة التي تربط الرؤية بالإنجاز

    ولي العهد في مجلس الوزراء .. المتابعة التي تربط الرؤية بالإنجاز

    بقلم : د. خالد الشقران
    يحمل ترؤس نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، جانبا من جلسة مجلس الوزراء، دلالات عميقة تتصل بمنهج إدارة الدولة وأولويات المرحلة، حيث تأتي المتابعة المباشرة للعمل الحكومي في وقت يحتاج فيه الأردن إلى أعلى درجات الكفاءة في تحويل الرؤى والتوجيهات إلى برامج تنفيذية ونتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطن ومستوى الخدمات والفرص الاقتصادية. فيما يضع حضور سمو ولي العهد في مجلس الوزراء التنفيذ في صلب عملية صنع السياسات، ويربط بين القرار الحكومي ومسؤولية متابعته وقياس أثره.
    وتتضح اكثر أهمية هذه المتابعة عندما ترتبط بالجهد الذي يقوده جلالة الملك في بناء علاقات سياسية واقتصادية واسعة مع مختلف دول العالم، لا سيما وأن الحضور الأردني في المحافل الدولية، والعلاقات التي يجري تطويرها مع الدول الشقيقة والصديقة، تفتح مساحات أمام الاستثمار والتجارة والطاقة والسياحة والتكنولوجيا، فيما تقع على عاتق الحكومة مسؤولية تحويل هذه المساحات إلى فرص عملية ومشاريع وشراكات وبرامج قابلة للتنفيذ. ومن هنا تأتي أهمية وجود خطط محددة، ومسؤوليات واضحة، وأطر زمنية قابلة للقياس، حتى تنتقل نتائج الحراك الخارجي إلى الاقتصاد الوطني والمواطن بصورة مباشرة.
    ويعكس هذا الربط بين السياسة الخارجية والتنفيذ الاقتصادي طبيعة المرحلة التي تحتاج فيها الدولة إلى إدارة متكاملة للفرص والتحديات، إذ إن كل اتفاق أو شراكة أو انفتاح اقتصادي يحتاج إلى جهاز حكومي قادر على المتابعة، وتحديد الأولويات، وإزالة العوائق، وقياس النتائج، في حين تظهر القيمة الحقيقية لأي جهد اقتصادي في حجم الاستثمار الذي يدخل، والوظائف التي تتولد، والأسواق التي تفتح أمام المنتجات الأردنية، والمشاريع التي ترى النور، والخدمات التي تتحسن.
    ومن هذه الزاوية تبرز التكنولوجيا باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لرفع كفاءة مؤسسات الدولة وتعزيز علاقتها بالمواطن، حيث تقدم التجارب التي تحققت في مجالات الصحة الرقمية والخدمات الحكومية أساسا مهما لتوسيع نطاق التحول الرقمي، بحيث تصبح التكنولوجيا جزءا من بنية الإدارة العامة وطريقة تقديم الخدمة واتخاذ القرار. وكل تجربة ناجحة في هذا المجال يمكن أن تتحول إلى نموذج قابل للتوسع، خصوصا عندما تقترن بالبيانات الدقيقة والربط بين المؤسسات وتبسيط الإجراءات.
    وتزداد أهمية هذا المسار مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، الذي يفتح مجالا واسعا أمام تطوير الإدارة الحكومية من خلال تحليل البيانات، واكتشاف الاتجاهات، وتحسين التخطيط، وتحديد الاحتياجات بصورة أسرع وأكثر دقة، غير أن الاستفادة الحقيقية من هذه الأدوات تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بجودة البيانات وتوحيدها، وتمر بحوكمتها وحمايتها، وتنتهي باستخدامها في القرار والخدمة والتخطيط، إذ إن امتلاك البيانات الصحيحة في الوقت المناسب يساعد على زيادة القدرة على فهم الواقع وتحديد الأولويات والاستجابة للمتغيرات.
    وترتبط كفاءة الإدارة الرقمية بصورة مباشرة بكفاءة إدارة القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية، وفي مقدمتها القطاع السياحي. فالسياحة تمثل موردا اقتصاديا مهما للأردن، وتحتاج في الظروف الإقليمية الراهنة إلى سياسات تحافظ على قدرتها التنافسية وتدعم استدامة تدفقات الزوار. وهذا يتطلب تنويع الأسواق، وتطوير المنتجات السياحية، وتحسين تجربة السائح، والاستفادة من أدوات التسويق الرقمي، وتعزيز الربط بين السياحة والنقل والخدمات والاستثمار. وكلما تنوعت الأسواق والمنتجات، أصبحت قدرة القطاع على التعامل مع المتغيرات الإقليمية.
    أما ملف استمرارية سلاسل التوريد، الذي حظي باهتمام سمو ولي العهد، فيكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، نظرا لارتباطه المباشر بالأمن الاقتصادي وقدرة الدولة على حماية احتياجات السوق المحلية في مختلف الظروف. فتوجيه سموه إلى ضمان استمرارية تدفق السلع وتوفير مخزون استراتيجي بمستويات آمنة يعكس رؤية تقوم على الاستعداد المسبق وإدارة المخاطر قبل تحولها إلى ضغوط على الأسواق. وفي ظل اضطراب بعض الممرات التجارية الدولية واحتمالات تعطل خطوط الإمداد، تصبح تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز قدرات التخزين والنقل، وتأمين البدائل اللوجستية، وتحديد مستويات المخزون وفق سيناريوهات الطوارئ، مكونات أساسية لمنظومة الأمن الاقتصادي. وهي مقاربة تمنح الدولة قدرة أكبر على امتصاص الصدمات والحفاظ على انتظام الأسواق واستقرار توفر السلع، بما يحمي المواطن والاقتصاد الوطني من تداعيات الأزمات المفاجئة.
    وهنا يظهر الموقع الجغرافي للأردن كعنصر يمكن توظيفه في بناء منظومة اقتصادية أكثر قدرة على الصمود. فالممرات البرية والموانئ وشبكات النقل والطاقة تمنح الأردن فرصا لتطوير دوره في حركة التجارة الإقليمية، وتحويل بعض تحديات الجغرافيا السياسية إلى فرص في الخدمات اللوجستية والنقل والتخزين وإعادة التصدير. بيد أن تحقيق ذلك يحتاج إلى بنية تحتية كفؤة، وتشريعات مرنة، وخدمات رقمية، وتنسيق مستمر بين المؤسسات المعنية.
    وفي موازاة هذه الملفات الاقتصادية والإدارية، جاءت الرسائل المتعلقة بقوة مؤسسات الدولة وتماسك المجتمع وشكر القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لتضع كل هذه الجهود في إطارها الأوسع المتمثل بحماية الاستقرار الوطني، فالأمن يمثل البيئة التي تتحرك داخلها التنمية والاستثمار والسياحة والتجارة، وقوة المؤسسات وقدرتها على التعامل مع الظروف الاستثنائية توفر للمواطن والاقتصاد مساحة من الثقة والاستمرارية في منطقة تشهد تحولات وضغوطا متلاحقة.
    كما أن تماسك المجتمع يشكل عنصرا أساسيا في قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات، حيث تحتاج المؤسسات القوية إلى الإسناد من مجتمع متماسك، والمجتمع المتماسك يحتاج بدوره إلى دولة حاضرة وقادرة على إدارة الأزمات وحماية المصالح العامة وتقديم الخدمات، ومن هنا تأتي أهمية الرسائل التي تعزز الثقة بالمؤسسات وتؤكد جاهزيتها، خصوصا في ظل البيئة الإقليمية المضطربة.
    وعند جمع هذه الملفات في سياق واحد، تتضح الصورة بصورة أكثر تكاملا. حيث تقود المتابعة السياسية إلى تحديد الأولويات، والأولويات تحتاج إلى خطط تنفيذية، والخطط تحتاج إلى بيانات دقيقة، والبيانات ترفع جودة القرار، والتكنولوجيا تعزز كفاءة التنفيذ، والاقتصاد يحتاج إلى بيئة مستقرة وسلاسل توريد آمنة، والاستثمار والسياحة والتجارة تحتاج إلى دولة قادرة على الاستجابة للمتغيرات، وهكذا تتصل الملفات التي تبدو منفصلة في ظاهرها ضمن منظومة واحدة عنوانها رفع قدرة الدولة على الإنجاز والصمود.
    ومن هنا تبرز قيمة حضور سمو ولي العهد في مجلس الوزراء باعتباره جزءا من ثقافة مؤسسية تضع المتابعة والإنجاز في مقدمة العمل العام، حيث يحتاج التحديث الاقتصادي والإداري والرقمي إلى متابعة مستمرة تمنع تراكم التأخير، وتكشف مواطن الخلل، وتدفع نحو تصحيح المسار، وتربط المسؤولية بالنتيجة، الأمر الذي يحقق المصلحة الوطنية العامة، وفي الوقت نفسه يلبي رغبات واحتياجات المواطن الذي يتعامل في النهاية مع المؤسسات من خلال ما يراه ويلمس أثره عبر خدمة أكثر كفاءة، وإجراء أكثر سهولة، واقتصاد أكثر قدرة على توفير الفرص، وأسواق أكثر استقرارا، وبيئة أكثر أمنا.
    وتحمل هذه الرؤية أهمية خاصة للأردن في هذه المرحلة، لأن التعامل مع المتغيرات المحيطة يحتاج إلى جهود مؤسسية تعمل بعقلية المبادرة والاستباق، وتعرف كيف تحافظ على الاستقرار وفي الوقت ذاته تستثمر الفرص التي تتيحها التحولات الإقليمية والدولية. بيد أن قوة الجهود المؤسسية ترتبط بقدرتها على الجمع بين المحافظة على الاستقرار والتحديث، وبين حماية المصالح الوطنية وتوسيع فرص الاقتصاد، وبين القرار السريع والتنفيذ المنضبط.
    لهذا فإن ترؤس سمو ولي العهد جانبا من جلسة مجلس الوزراء يمكن قراءته في سياق أوسع يقوم على تعزيز الصلة بين الرؤية والقرار والتنفيذ. فالرؤية الوطنية تكتسب قوتها من قدرتها على التحول إلى سياسات، والسياسات تكتسب قيمتها من قدرتها على إنتاج نتائج، والنتائج هي التي تصنع الأثر الحقيقي في حياة المواطنين. وفي هذه المعادلة تحديدا تصبح المتابعة أداة لضمان أن تسير مؤسسات الدولة في الاتجاه نفسه، وأن تتحول الأولويات الوطنية إلى إنجازات محسوسة، وأن يبقى المواطن في مركز عملية التحديث والتنمية.

     

  • > تهدد تماسك إسرائيل

    << اعتداءات المستوطنين >> تهدد تماسك إسرائيل

    بقلم : عماد عبد الرحمن
    في ظل تزايد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، ضد المواطنين الفلسطينيين، تعترف مراكز الدراسات هناك أن تزايد الهجمات ضد المواطنين الفلسطينيين العزّل، تحول إلى تهديد إستراتيجي يهدد قدرة المؤسسات الإسرائيلية على فرض سيطرتها على الأوضاع الأمنية، خصوصا وأن تل أبيب تعمل حاليا على طرح نفسها جزءا من منظومة الأمن الأقليمي الجديدة، التي تتشكل نتيجة الحرب في الخليج وتداعيات التهديدات الحوثية لأمن البحر الأحمر.
    المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي ربط في تقرير صدر الشهر الحالي عن فريق » من الصراع الى التسويات» بين تصاعد الاعتداءات من قبل المستوطنين على الفلسطينيين، وعدم قدرة الأجهزة والمؤسسات الإسرائيلية، على إنفاذ القانون، ما يهدد بتآكل سلطة مؤسسات الأمن وضبط النظام، وسيادة القانون، خصوصاً وأن إسرائيل تروج لنفسها كونها دولة قانون ومؤسسات وتحظى بدعم العديد من دول العالم انطلاقاً من هذا الإدعاء.
    التقرير، استند إلى أرقام صادرة عن المؤسسات الأمنية، والتي أفادت بوقوع 660 حادثة إعتداء «جرائم قومية»، خلال النصف الأول من العام 2026، بزيادة نسبتها 63 بالمئة مقارنة بالنصف الثاني من العام 2025، هذا أدى الى استشهاد ستة فلسطينيين وإصابة أكثر من 140 فلسطينيا، نتيجة هذه الإعتداءات.
    الجديد في الموضوع ليس الاعتداءات على النساء والأطفال وكبار السن الفلسطينيين في مدنهم وقراهم، لأن هذا واقع منذ بداية الإحتلال، لكن الدلالة الأهم في التقرير هو الانتقال من توصيف الإعتداءات بإعتبارها مشكلة في الضفة الغربية الى ربطها مباشرة بالأمن القومي الإسرائيلي، بالتالي فإن اضطرار قوات الإحتلال الى تخصيص قوات لمواجهة اعتداءات المستوطنين يحد من قدرته على تنفيذ المهام، الأمر الذي قد يؤدي إلى إعتداءات مستمرة دون حسيب أو رقيب.
    أضف الى ذلك، يبلور التقرير مشكلة أعمق تتعلق بعلاقة المؤسسات الأمنية والسياسية مع المستوطنين، خصوصا في ظل اقتراب موعد الانتخابات، فالملاحقة القضائية أو الإفراج السريع عن المستوطنين الموقوفين، وغياب الإدانة او الموقف السياسي الواضح والصريح، يشجع المستوطنين على ارتكاب المزيد من هذه الإعتداءات، والإعتقاد بأن لديهم حصانة فعلية مع ضمان الاكتفاء بالمساءلة الشكلية.
    وفي الجانب السياسي يتمخض عن هذه السياسة إضعاف لمؤسسات السلطة الفلسطينية، ويزيد الضغوط عليها بالعودة للعمل المسلح لمقاومة المستوطنين وردعهم، ما يمهد للانفجار الأمني الشامل في الضفة الغربية، وبما يهدد بإنعكاسات إقليمية، ويلحق ضررا كبيرا بعلاقات إسرائيل مع دول الجوار بشكل خاص ودول المنطقة بشكل عام، خصوصا وان الحديث جار الآن عن ترتيبات إقليمية جديدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة المشروع التمددي الإيراني، قالمفارقة واضحة، ففي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى تقديم نفسها كشريك أمني في المنطقة لتكون جزءا من المنظومة الأمنية لحماية أمن البحر الأحمر وإمدادات الطاقة، فإن استمرار إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية قد يتحول إلى عامل يضعف قدرتها على بناء شراكات مع دول الاعتدال في المنطقة.
    وإذا لم تنتبه الإدارة السياسية الإسرائيلية لمسألة تعزيز سلطة القانون ولجم اعتداءات المستوطنين وتنسيق عمل المؤسسات بعيدا عن أجندات المتطرفين التي تقود للهاوية، وتعزيز سلطة المؤسسات الأمنية وإخلاء البؤر الاستيطانية من الضفة الغربية، وتطبيق القانون على مرتكبي الاعتداءات من المستوطنين، قد يرتد كل ذلك على دولة الاحتلال ذاتها أمنيا وسياسيا، من خلال تحول إرهاب المستوطنين من أداة ضغط على الفلسطينيين بقصد التهجير إلى عامل استنزاف لإسرائيل وصورتها امام العالم الذي تراهن على دعمه طوال الوقت.

  • الأردن لا ينقصها الكفاءات… بل ينقصها من يسوّق لها

    الأردن لا ينقصها الكفاءات… بل ينقصها من يسوّق لها

    بقلم ملاك الكوري

    الأردن بلد صغير بالموارد الطبيعية، لكنه غني بموارده البشرية.

    لدينا أطباء ومهندسون وممرضون وخبراء في تكنولوجيا المعلومات والتعليم والإعلام ومختلف التخصصات، يعمل كثير منهم اليوم في أسواق إقليمية ودولية، ويحققون نجاحات نفتخر بها.

    لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نملك الكفاءات؟

    السؤال هو: هل نملك منظومة وطنية احترافية لتسويق هذه الكفاءات في العالم؟

    لدينا قطاع طبي أردني يمتلك خبرات متقدمة، ولدينا دول تحتاج إلى هذه الخبرات، وفي مقدمتها أسواق الخليج. فلماذا لا تتحول هذه الميزة إلى اتفاقيات حكومية واضحة تفتح أسواقاً جديدة أمام الكفاءات الأردنية، وتضمن في الوقت ذاته أن يكون الأردن هو المستفيد الاقتصادي والمؤسسي من تصدير خبراته؟

    ما نحتاجه ليس تسويقاً تقليدياً، وإنما دبلوماسية اقتصادية وتسويق وطني متكامل.

    تجربتي خارج وطني في فترة اغترابي جعلتني أطرح سؤالاً أكبر:

    من يختار من يسوّق الأردن؟ وعلى أي أساس؟

    إذا كانت الدولة تريد أن تنافس في الأسواق الإقليمية والدولية، فلا يكفي أن نمتلك الإمكانات.

    يجب أن نضع هذه الإمكانات في أيدي أشخاص يمتلكون الخبرة والعلاقات والقدرة الحقيقية على فتح الأسواق وبناء الشراكات.

    الأردن بحاجة إلى مشروع وطني لتسويق موارده البشرية.

    مشروع يجمع الحكومة والقطاع الخاص والغرف التجارية والجامعات والنقابات والقطاع الطبي والإعلام والخبرات الأردنية في الخارج، ويضع خريطة واضحة للدول التي تحتاج إلى الكفاءات الأردنية، ثم يعمل على عقد اتفاقيات وشراكات معها.

    لدينا شباب يبحثون عن فرصة، ولدينا أسواق تبحث عن الكفاءة. فلماذا لا نربط الطرفين؟

    والأخطر من ذلك أن تتحول بعض المصالح الخاصة إلى عائق أمام وصول الكفاءات الأردنية إلى الأسواق، أو أن يصبح الاحتكار أقوى من المصلحة الوطنية.

    أنا لا أتهم قطاعاً أو رجال أعمال بعينهم، لكن من حقنا أن نسأل:

    هل نريد اقتصاداً يفتح الأبواب أمام الشباب الأردني، أم اقتصاداً تحكمه دوائر ضيقة تخشى المنافسة؟

    إن تسويق الكفاءات الأردنية لا يعني “تصدير الشباب” وحسب، بل يمكن أن يكون صناعة وطنية متكاملة: اتفاقيات حكومية، شركات توظيف وتسويق متخصصة، منصات رقمية للكفاءات، مكاتب تمثيل في الأسواق المستهدفة، معارض أردنية متخصصة، وشراكات مع الحكومات والمؤسسات الدولية.

    ويمكن للأردن أن يبدأ بالقطاع الطبي، ثم ينتقل إلى تكنولوجيا المعلومات والهندسة والتعليم والخدمات المهنية والصناعات الإبداعية.

    كما يمكن للكفاءات الأردنية الموجودة في الخارج أن تكون جزءاً من هذه المنظومة، لا مجرد أفراد يعملون بشكل منفصل.

    الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات عن البطالة.

    يحتاج إلى أن يسأل العالم: من يحتاج إلى الطبيب الأردني؟ من يحتاج إلى المهندس الأردني؟ من يحتاج إلى المبرمج الأردني؟ من يحتاج إلى المعلم والخبراء الأردنيين؟

    ثم نذهب نحن إلى هذه الأسواق ونقدم لهم الأردن بطريقة احترافية.

    لقد نجحت دول كثيرة في بناء اقتصاداتها ليس فقط من خلال مواردها الطبيعية، وإنما من خلال إدارة وتسويق مواردها البشرية والمعرفية.

    ولذلك فإن المعركة القادمة ليست فقط مع البطالة، بل مع غياب التسويق الوطني الاحترافي.

    نحن لا نفتقر إلى العقول.

    ولا نفتقر إلى الشباب.

    ولا نفتقر إلى الخبرات.

    ربما نفتقر فقط إلى من يعرف كيف يضع كل هذه القوة الأردنية أمام العالم.

    والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم:

    هل نملك مشروعاً وطنياً حقيقياً لتسويق الأردن وكفاءاته… أم ما زلنا نترك كل قطاع وكل شركة وكل شاب يخوض المعركة منفرداً؟