الوسم: صندوق أقلام

  • أين المؤسسية في مؤسساتنا الإعلامية؟ والناطق الإعلامي حكاية أخرى؟

    أين المؤسسية في مؤسساتنا الإعلامية؟ والناطق الإعلامي حكاية أخرى؟

    بقلم ملاك الكوري 

    ليست المشكلة في الإعلام أن لدينا موظفًا لا يعمل أو مديرًا لا يجيد الإدارة أو ناطقًا إعلاميًا لا يجيد الحديث…

    المشكلة الأكبر حين تغيب “المؤسسة” نفسها ويصبح العمل الإعلامي رهينة الأشخاص والاجتهادات والانطباعات الشخصية.

    وهنا السؤال الذي يستحق أن يطرح بصوت عالٍ وحتى أن يكون مسموعًا من الجهات المعنية…

    أين المؤسسية في مؤسساتنا الإعلامية؟

    هل ما زلنا ندير مؤسسات إعلامية بعقلية المدير يعرف كل شيء والموظف ينفذ فقط، أم أننا انتقلنا فعلاً إلى مفهوم المؤسسة الحديثة التي تقاس فيها الكفاءة بالإنجاز وتوزع فيها المسؤوليات بوضوح وتحفظ فيها حقوق الموظف بالتوثيق والأنظمة والمعايير؟

    المؤسسة الإعلامية المحترفة لا تنتظر نهاية الشهر لتكتشف من عمل ومن لم يعمل.

    هناك خطة عمل ومهام واضحة واجتماعات تحرير وإدارة وتقارير دورية ومراسلات رسمية وتقييم أداء ومؤشرات إنجاز ومساءلة.

    وإذا كان البريد الإلكتروني اليوم من أبسط أدوات العمل المؤسسي فلماذا لا يكون كل تكليف وتوجيه وإنجاز موثقًا؟ وليس حسب مزاج المدير أن ينهي عملك المهني أو تقييمك بمجرد قلم!

    ليس بهدف مراقبة الموظف وإنما لحماية حق الموظف والمؤسسة معًا..

    فالذي يعمل يجب أن يكون قادرًا على إثبات عمله، والذي لا يعمل يجب أن تكون هناك آلية واضحة لمساءلته… ومن يتعرض للتهميش أو الإقصاء يجب أن يجد نظامًا مؤسسيًا يستطيع من خلاله أن يتظلم ويطالب بحقه والعودة لمكان عمله!

    أما أن يصبح مستقبل الموظف ومستواه المهني رهون مزاج مدير أو انطباع شخصي، فهذه ليست مؤسسية بأي مجهول حسب ما يقال!

    هذه إدارة أفراد وليست إدارة مؤسسة….

    عندما يغيب النظام… يصبح الشخص هو النظام.

    المؤسسة القوية لا تقوم على شخص واحد….

    لا تتوقف بتغير المدير ولا تتغير قواعدها بتغير المسؤول ولا يصبح موظف جيد فجأة غير كفؤ لأنه لم يعد يحظى برضا الإدارة.

    المؤسسة الحقيقية لديها نظام يحمي الموظف والمدير معًا….

    وإذا أردنا إعلامًا قويًا فعلينا أن نبدأ بإصلاح بيئة العمل الإعلامية نفسها.

    نحتاج إلى إعادة الاعتبار للتخطيط، والاستراتيجيات، والوصف الوظيفي، وتوزيع المهام، والاجتماعات المهنية، والتقييم المبني على الإنجاز والتدريب، والتطوير، وفتح المجال أمام الكفاءات حتى في ساعات الدوام لتغيير من إدارة لإدارة حسب مزاجها وأهوائها رغم العمل الإعلامي يقوم على الإنجاز وعمله يظهر للمشاهدين أو المستمعين؟؟

    فالإعلام ليس مجرد كاميرا وميكروفون ومكتب….

    الإعلام صناعة عقول…. يؤثر و يتأثر…

    والمؤسسة التي لا تستثمر في عقول إعلامييها، ولا تستفيد من خبراتهم، ولا تمنحهم الفرصة، ستجد نفسها عاجزة عن إنتاج إعلام قادر على المنافسة والتأثير.

    وهنا أصل إلى “الناطق الإعلامي”… وهي حكاية أخرى….

    فالناطق الإعلامي ليس مجرد وظيفة إضافية في الهيكل التنظيمي، وليس شخصًا يحفظ البيانات ويقرأها أمام الكاميرا.

    الناطق الإعلامي هو واجهة المؤسسة أمام الرأي العام.

    ومن هنا يجب أن يكون السؤال الآتي:

    كيف نختار من يتحدث باسم وزارة أو مؤسسة رسمية؟

    هل يكفي أن يمتلك الشخص القدرة على الظهور أمام الكاميرا؟

    أم أن الموقع يحتاج إلى خبرة صحفية وإعلامية حقيقية، وفهم للسياسات العامة، وقدرة على إدارة الأزمات، وإتقان لفن الحوار، ومعرفة بأسئلة الصحفيين، وشجاعة في التعامل مع الأسئلة الصعبة؟

    والذكاء الاصطناعي؟

    نعم، العالم يتغير… د

    ونعم، الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا أساسيًا من مستقبل الإعلام…. لاستخدامه لمصلحة العمل وليس ليَنوب عنك في العمل….

    لكن علينا أن نفهم الفرق بين استخدام التكنولوجيا وتغييب الإنسان…. فيها الكارثة …. دول متقدمة لغت التعليم الإلكتروني وعادت لقاعات الدراسة ودول لغت العمل عن بعد لما عاد عليهم من كوارث على المجتمع صحيًا وعقليًا … ونحن بدأنا من حيث ابتدأوا بعقود من عقود مضت … ألا نتعلم من تجاربهم…

    الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الناطق والصحفي في جمع المعلومات وتحليلها وصياغتها، لكنه لا يستطيع أن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الإجابة أمام المواطن.

    الشعب لا يريد آلة تلقنه. يريد عقلًا يحاوره.

    أنا مع تمكين الشباب، ومع إعطائهم الفرص، لكن هناك مواقع لا يكفي فيها الحماس وحده.

    الناطق الإعلامي يحتاج إلى تراكم مهني وخبرة حقيقية، لأنه في لحظة الأزمة قد يكون صوته هو الصورة التي يراها المواطن عن مؤسسته ودولته.

    فالناطق الإعلامي لا يجب أن يكون سائرًا يجب الوزن عن الناس.

    إذا كان الوزير هو المسؤول السياسي والتنفيذي عن وزارته فإن حضوره في القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام يجب أن يكون واضحًا.

    أما الناطق الإعلامي فوظيفته أن يدعم الاتصال، ويشرح، ويجيب، ويتفاعل، وينقل الصورة بدقة، وليس أن يصبح بديلًا عن المسؤول السياسي.

    الشعب لا يريد آلة تلقنه. يريد عقلًا يحاوره.

    يريد من يسمع السؤال ويفهم خلفيته، ويعرف متى يجيب، ومتى يقول “سأتحقق”، ومتى يعترف بأن هناك مشكلة، ومتى يقدم معلومة واضحة بدلًا من لغة البيانات الجامدة.

    لأن قيمة الناطق الإعلامي ليست في صوته فقط…

    قيمته في عقله، وخبرته، ومصداقيته، وقدرته على التواصل.

    وفي النهاية، القضية ليست قضية شخص بعينه، ولا وزارة بعينها.

    إنها دعوة لإعادة بناء مفهوم المؤسسة الإعلامية من الداخل.

    نريد مؤسسة لا يخاف فيها الموظف من المطالبة بحقه.

    نريد مديرًا يحاسب على الإدارة كما يُحاسب الموظف على العمل.

    نريد تقييمًا بالإنجاز لا بالانطباع.

    نريد خبرة تحترم، وشبابًا يُمكَّنون.

    نريد ناطقًا إعلاميًا يعرف كيف يتحدث إلى الناس، ووزيرًا لا تختفي مسؤوليته خلف الناطق.

    ونريد تكنولوجيا تخدم الإعلام… لا إنسانًا يختفي خلف التكنولوجيا.

    فالإعلام القوي لا يبدأ من أمام الكاميرا…

    الإعلام القوي يبدأ من مؤسسة عادلة، مهنية، تعرف ماذا تريد، ومن تريد، ولماذا.

    وهنا يبقى السؤال مفتوحًا:

    اين المؤسسة في مؤسساتنا إلاعلامية ؟

  • عبد الرؤوف الروابدة في الجامعة الأردنية… خبرة الدولة في خدمة الجامعة الأم

    عبد الرؤوف الروابدة في الجامعة الأردنية… خبرة الدولة في خدمة الجامعة الأم

    بقلم : د. آدم توفيق العماوي/ الجامعة الأردنية

    يحمل صدور الإرادة الملكية السامية بتعيين دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة رئيسا لمجلس أمناء الجامعة الأردنية دلالة خاصة، تجمع بين مكانة الجامعة الأم، بوصفها واحدة من أهم المؤسسات الوطنية والأكاديمية في الأردن، وبين خبرة شخصية وطنية ارتبط اسمها بعقود طويلة من العمل والمسؤولية وخدمة الدولة ومؤسساتها.

     فالجامعة الأردنية، بتاريخها الممتد ودورها في التعليم والبحث العلمي وبناء الكفاءات والقيادات، مؤسسة وطنية راسخة، تواصل مسيرتها مستندة إلى إرثها ومنجزها، وإلى ما تجتمع حولها من خبرات وكفاءات قادرة على الإسهام في استشراف مستقبلها وتعزيز مكانتها.

     ومن هنا تأتي أهمية اختيار دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة لرئاسة مجلس أمنائها. فالحديث عن الروابدة لا يحتاج إلى تعداد للمناصب التي شغلها، بقدر ما يحتاج إلى التوقف عند ما صنعته تلك المسيرة من خبرة عميقة في الدولة ومؤسساتها، وحكمة في التعامل مع المسؤولية، وحنكة في قراءة المشهد وصناعة القرار، وشخصية عرفها الأردنيون بالصراحة والوضوح وقوة الحضور.

     ولعل لقب «البلدوزر»، الذي أطلقه عليه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، يلخص جانبا من هذه الشخصية، بما يحمله من دلالة على الحزم والقدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية. وهو لقب يعبر عن مسيرة طويلة لرجل دولة عرف بالموقف والجرأة في اتخاذ القرار والعمل في خدمة الدولة ومؤسساتها، وحظي بثقة جلالته وتقديره في محطات متعددة من مسيرته الوطنية.

     ويضيف إلى دلالة هذا الاختيار أن الروابدة ليس بعيدا عن البيئة الأكاديمية أو عن الجامعة الأردنية نفسها، فقد كانت له فيها تجربة أكاديمية ومؤسسية سابقة. واليوم يعود إليها بعد عقود من الخبرة الوطنية، من موقع مختلف ومسؤولية جديدة، حاملا معه رصيدا واسعا من المعرفة بالدولة ومؤسساتها، ليضع هذه الخبرة في خدمة جامعة يعرف مكانتها ورسالتها.

     وهنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة. فمجلس الأمناء ليس إطارا بروتوكوليا، بل أحد أركان الحوكمة الجامعية، ودوره يمتد إلى التوجه الاستراتيجي ومستقبل الجامعة واستدامتها وتنافسيتها. وفي وقت يشهد فيه التعليم العالي تحولات متسارعة في البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتنافسية الدولية، تصبح الخبرة والحكمة والقدرة على استشراف المستقبل عناصر أساسية في قيادة المؤسسات الأكاديمية الكبرى.

     ويأتي هذا الاختيار في إطار ثقة ملكية سامية نعتز بها، في ظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المعظم، وما يحظى به التعليم وبناء الإنسان الأردني من رعاية واهتمام، إيمانا بدور الجامعات في صناعة المعرفة وإعداد الكفاءات والإسهام في مستقبل الدولة.

     إن اجتماع مؤسسة وطنية عريقة بحجم الجامعة الأردنية، ومجلس أمناء يضم نخبة من الخبرات والكفاءات برئاسة دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، مع إدارة جامعية يقودها معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات بما عرف عنه من رؤية أكاديمية وطموح في تطوير الجامعة وتعزيز حضورها ومكانتها، يشكل معادلة مؤسسية تبعث على التفاؤل. فالجامعة حققت خلال السنوات الماضية خطوات مهمة في مسيرتها الأكاديمية والبحثية وحضورها الدولي، والمرحلة المقبلة تفتح المجال للبناء على هذا المنجز من خلال تكامل واضح بين مجلس الأمناء وإدارة الجامعة، يجمع خبرة الدولة والرؤية الاستراتيجية مع الخبرة الأكاديمية والإدارة التنفيذية، ويوجهها جميعا نحو مصلحة الجامعة ومستقبلها.

     ولعل قوة هذه المرحلة تكمن في هذا التكامل؛ فمجلس أمناء برئاسة الروابدة، وإدارة جامعية بقيادة عبيدات، يجتمعان في مسؤولية مشتركة تجاه مؤسسة وطنية أكبر من الجميع، هي الجامعة الأردنية.

     ومن هنا، فالتهنئة بهذه المناسبة لا تتجه إلى شخص أو موقع وحده، بل إلى الجامعة الأردنية وأسرتها ومجلس أمنائها، وإلى دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة بالمسؤولية الجديدة، مع الثقة بأن خبرته وحكمته ستكونان إضافة مهمة في خدمة الجامعة ورسالتها.

     مبارك للجامعة الأردنية ولمجلس أمنائها هذه الثقة الملكية السامية، وخالص التمنيات لدولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة وأعضاء المجلس، ولإدارة الجامعة برئاسة معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، بالتوفيق في حمل المسؤولية ومواصلة مسيرة الجامعة الأم وتقدمها، بما يليق بتاريخها ومكانتها ودورها في خدمة الأردن.

  • الدكتور الصبح يكتب: انتخابات المجالس البلدية،، إلى متى

    الدكتور الصبح يكتب: انتخابات المجالس البلدية،، إلى متى

    الدكتور سفاح الصبح يكتب .. 
    بعد أن تمّ الإطاحة بخيار انتخاب مجالس اللامركزية لصالح التعيين بعيدا ما عن مبدأ الشعب مصدر السلطات قريبا ما من مبدأ الحكومة مصدر السلطات ،، لم يبق َ أمام الناس إلا المجالس البلدية ليمارسوا من خلالها تجربة الحكم المحلي من خلال القانون الجديد الذي تم ّ إقراره قريبا ،،
    وهنا نتساءل :
    – هل تم ّ أقرار قانون انتخاب المجالس المحلية البلدية من أجل حفظه أو نسيانه أم أنّه تم ّ من أجل الشروع العاجل بإجراء الانتخابات التي حمل مع تأجيلها تعطيل للديمقراطية بصورة واضحة ،،
    – ألم تكن حجة الوزير المعني بعدم إجراء الانتخابات حتى يصدر القانون وبما أن القانون قد صدر فما داعي تأجيلها حتى نيسان القادم وهو وقت طويل متراخ ٍ
    – أليست الهيئة المستقلة جاهزة تماما من ذي قبل، وبالتالي تنتظر فقط صافرة الإطلاق ،،
    – ما المصلحة من تأخير الانتخابات في وقت لا يوجد أي مبرر لتأجيلها ،،
    ،،،،،،،،،،،،
    – نسخة لنواب عجلون الأكارم
    – نسخة لأحزابنا المجيدة

  • قراءة قياسية في نتائج الأردن في اختبار PISA

    قراءة قياسية في نتائج الأردن في اختبار PISA

    بقلم أ. د. نضال الشريفين.

    تستحق نتائج الأردن في PISA 2025 قراءةً هادئة تتجاوز ثنائية الاحتفاء أو التشاؤم. فالبيانات الرسمية تؤكد أن أداء الطلبة تحسن مقارنة بدورة 2022: ارتفع متوسط العلوم من 375 إلى 407 نقاط، والرياضيات من 361 إلى 388، والقراءة من 342 إلى 363. وهذا تحسن حقيقي لا يصح إنكاره. لكن المشكلة القياسية تبدأ عندما يُتخذ عام 2022، وهو عام مثّل مستوى شديد الانخفاض للأردن، مرجعًا وحيدًا للحكم على نجاح النظام التعليمي؛ فالارتفاع من نقطة قاع لا يساوي بالضرورة تقدمًا طويل المدى.
    وفي الرياضيات، وهي المجال الذي تسمح OECD للأردن بمقارنته زمنيًا بصورة مباشرة عبر الدورات بسبب انتقال الأردن من الاختبار الورقي إلى المحوسب عام 2022، تكشف الصورة بوضوح الفرق بين التعافي والتقدم،فقد حصل الأردن على 400 نقطة عام 2018، ثم هبط إلى 361 نقطة عام 2022، قبل أن يرتفع إلى 388 نقطة عام 2025. وبذلك استعاد نحو 27 نقطة من خسارته البالغة قرابة 39 نقطة، لكنه بقي أقل من مستوى 2018 بنحو 12 نقطة، وتؤكد OECD نفسها أن نتيجة الرياضيات في 2025 ما تزال دون مستوى 2018، وعليه، فإن الوصف الأدق ليس عودة إلى المستوى السابق ولا تقدمًا تاريخيًا، بل تعافٍ قوي من هبوط 2022 لم يكتمل بعد.
    كما أن المقارنة الدولية تمنع الاكتفاء بمؤشر التغير الداخلي، ففي 2025 بلغ متوسط الأردن 388 في الرياضيات مقابل 463 لمتوسط OECD، و407 في العلوم مقابل 482؛ أي فجوة تقارب 75 نقطة في كل منهما، والأهم تربويًا أن 31% فقط من طلبة الأردن بلغوا المستوى الثاني فأعلى في الرياضيات مقابل 65% في OECD، و48% في العلوم مقابل 74%، بينما بلغت النسبة في القراءة 26% فقط مقابل 69%. كما أن نسبة ذوي الأداء المرتفع في الأردن تكاد تكون معدومة في المجالات الثلاثة، وهذه المؤشرات أكثر دلالة من ترتيب الدولة وحده؛ لأنها تكشف مقدار الطلبة الذين يمتلكون الحد الأدنى من الكفايات اللازمة لتوظيف المعرفة.
    ولا يكفي تفسير هبوط الأردن السابق بأن العالم كله تراجع، صحيح أن PISA شهد تراجعًا دوليًا واسعًا، بل إن متوسطات OECD في 2025 وصلت إلى مستويات تاريخية منخفضة في الرياضيات والقراءة، لكن الاتجاه لم يكن قدرًا عامًا متساويًا؛ فقد حافظت أنظمة تعليمية على مستويات مرتفعة، وحققت دول أخرى تحسنًا. بل إن الأردن نفسه كان من الدول ذات التحسن الملحوظ بين 2022 و2025. وهذا يجعل النتيجة الحالية إيجابية من زاوية سرعة الاسترداد، لكنه لا يلغي السؤال الأكثر أهمية: هل عاد النظام إلى مستوى أدائه السابق؟ وهل بدأ يضيق فجوة الكفاية مع الأنظمة الأعلى أداءً؟ الإجابة حتى الآن: ليس بصورة كافية.
    ومن منظور القياس والتقويم، ينبغي التحفظ في مقارنة درجات القراءة والعلوم لعام 2025 مباشرة بدرجات الأردن في 2018؛ إذ تشير OECD إلى أن انتقال الأردن إلى التطبيق المحوسب في 2022 لا يضمن قابلية المقارنة الزمنية في هذين المجالين، ولذلك تبدأ خطوط الاتجاه الرسمية لهما من 2022. أما الرياضيات فتظل أساس المقارنة الطويلة الأكثر سلامة، وهذه نقطة منهجية جوهرية حتى لا يتحول النقد المشروع إلى استنتاج يتجاوز ما تسمح به خصائص القياس.
    وفي المحصلة فإن نتائج PISA في العام 2025 تحمل للأردن خبرًا جيدًا، لكنه ليس شهادة اكتمال إصلاح. نعم، حدث تحسن ملموس مقارنة بعام 2022، ومن الإنصاف الاعتراف به؛ لكن اتخاذ أدنى نقطة سابقة خطَّ أساس وحيدًا قد يضخم صورة الإنجاز. المعيار الأكثر صرامة هو استعادة مستوى ما قبل الهبوط ثم تجاوزه، وتقليص الفجوة الدولية، وخفض نسبة الطلبة دون مستوى الكفاية، وزيادة نسبة ذوي الأداء المرتفع. لذلك فإن الرسالة العلمية المتوازنة هي: الأردن يسير في اتجاه تعافٍ واضح، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن وصفها بالتقدم المستدام؛ فالاحتفاء الحقيقي ينبغي أن يبدأ عندما يتحول الارتداد عن القاع إلى مسار طويل المدى يتجاوز مستوى 2018 ويقترب بصورة ملموسة من المعايير الدولية.

  • ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية …. حين تثمر الدبلوماسية في عواصم القرار

    ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية …. حين تثمر الدبلوماسية في عواصم القرار

    بقلم : حلمي الحراحشة

    من لندن، حيث أتابع المشهد السياسي البريطاني عن قرب، تبدو التحركات البريطانية والأوروبية الأخيرة تجاه إسرائيل أكثر من مجرد قرارات فرضتها تطورات الأيام الأخيرة. خلف هذه المواقف مسار سياسي طويل، تراكمت خلاله الرسائل والمواقف، وتغيرت معه حسابات عدد من العواصم المؤثرة.

     وبعد حديث مع عدد من السياسيين والمهتمين بهذا الملف، خرجت بانطباع واضح بأن التحرك الدبلوماسي الذي قاده جلالة الملك عبدالله الثاني خلال السنوات الماضية كان له دور مهم في تهيئة الأرضية السياسية التي نرى بعض نتائجها اليوم.

     وفي حديث خاص مع أحد السياسيين البريطانيين الذين أتابع معهم هذه الملفات عن قرب، كان لافتاً قوله إن التحركات الملكية على مدى السنوات الماضية كان لها دور كبير في الدفع بهذا الاتجاه، خصوصاً أن جلالة الملك لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً موسمياً، بل أبقاها حاضرة في لقاءاته مع قادة العالم وفي مختلف القمم والمؤتمرات والمحافل الدولية.

     وهذه الشهادة من داخل المشهد السياسي البريطاني تستحق التوقف عندها؛ ليس لأنها مجاملة سياسية، وإنما لأنها تعكس أهمية العمل التراكمي في صناعة المواقف الدولية.

     وقال لي السياسي البريطاني في سياق حديثنا إن أسبوعاً واحداً في السياسة البريطانية قد يكون وقتاً طويلاً، بسبب كثافة القرارات والأحداث والتطورات التي يمكن أن تغير المشهد بسرعة.

     لكن سرعة القرار لا تعني أن القناعة التي تقف خلفه ولدت في أسبوع.

     وهنا تحديداً تكمن أهمية التحرك الملكي.

     فعلى مدى سنوات، ظل جلالة الملك عبدالله الثاني يضع أمام المجتمع الدولي حقيقة واضحة: لا يمكن بناء أمن مستدام في المنطقة من دون حل القضية الفلسطينية، ولا يمكن الوصول إلى سلام حقيقي من دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين.

     وفي المحافل الدولية، لم يكتفِ جلالته بتشخيص المشكلة، بل حذر بصورة متواصلة من تداعيات الاستيطان والإجراءات الأحادية الجانب ومحاولات فرض أمر واقع جديد، مؤكداً أن تجاهل حقوق الفلسطينيين سيقود إلى مزيد من التوتر، وأن استمرار هذا النهج يهدد فرص السلام والاستقرار للجميع.

     وكانت قوة هذا الموقف في استمراريته؛ فالرسالة الملكية لم تتبدل بتبدل الحكومات أو تغير أولويات العواصم، ولم تكن مرتبطة بحدث واحد أو ظرف سياسي عابر. وهذا تحديداً ما يجعل من السهل اليوم تتبع خيط واضح بين التحذيرات التي أطلقت في السنوات الماضية وما نشهده من تحولات في بعض المواقف الدولية.

     ومن المهم هنا التوقف عند مسألة قد لا تحظى بالاهتمام الكافي: أهمية التوثيق والأرشفة السياسية لهذا المسار.

     فالتاريخ السياسي لا يُكتب فقط من خلال ما يحدث اليوم، وإنما من خلال تسلسل المواقف والوثائق والخطابات واللقاءات التي سبقت الحدث. وفي هذا السياق، تبرز اللجنة الملكية لشؤون القدس بوصفها جهة معنية بمتابعة وتوثيق وأرشفة جانب مهم من هذا الجهد المتصل بالقدس والقضية الفلسطينية وتطوراتها.

     وهذا التوثيق يتجاوز مسألة حفظ الذاكرة؛ فهو يتيح للأجيال والباحثين أن يعودوا إلى الوقائع كما حدثت، وأن يقارنوا بين ما كان الأردن يحذر منه بالأمس وما أصبح العالم يواجهه اليوم.

     وفي زمن تتغير فيه الأخبار خلال ساعات، تصبح الأرشفة السياسية أداة لفهم التاريخ، وليست مجرد حفظ له.

     واليوم، عندما نرى بريطانيا ودولاً أوروبية تتجه إلى مواقف أكثر حزماً، فإن قراءة المشهد من زاوية اللحظة وحدها لا تكفي. فالسياسة الدولية لا تتحرك عادة بسبب تصريح واحد أو اجتماع واحد، وإنما نتيجة تراكم طويل من القناعات والضغوط والتطورات وتبدل الحسابات.

     ولا يعني ذلك أن كل قرار أوروبي صدر اليوم هو نتيجة مباشرة للتحرك الأردني، فلكل دولة حساباتها ومصالحها واعتباراتها. لكن من الصعب تجاهل أن الأردن كان طوال سنوات من الأصوات الأكثر وضوحاً في التحذير من النتائج التي وصل إليها المشهد اليوم.

     وهذا هو جوهر الدبلوماسية الملكية: العمل قبل أن يصبح الحدث أزمة، وشرح المخاطر قبل أن تصبح واقعاً، وبناء القناعات قبل أن تتحول إلى قرارات.

     ومن لندن، أرى أن أهمية ما يحدث اليوم لا تكمن فقط في الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا وبعض الدول الأوروبية، وإنما في التحول الذي تعكسه هذه الإجراءات في طريقة التعامل مع القضية الفلسطينية والسياسات الإسرائيلية.

     ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية داخل إسرائيل، تزداد حساسية المرحلة، لأن الرسائل القادمة من الحلفاء الغربيين لم تعد تقتصر على البيانات السياسية، وإنما بدأت تأخذ أشكالاً عملية يمكن أن تدخل في حسابات صانع القرار الإسرائيلي.

     وهنا تعود بنا الصورة إلى بدايتها: ما يبدو قراراً سريعاً اليوم قد يكون ثمرة سنوات من العمل الهادئ، والاتصالات، والتحذير، والإقناع.

     لقد أبقى جلالة الملك عبدالله الثاني الأردن حاضراً في عواصم القرار، مدافعاً عن السلام العادل، وعن حل الدولتين، وعن القدس، وعن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

     ومن لندن، وبعيون أردنية، أرى أن أفضل قراءة لما يجري اليوم هي ألا ننظر إلى الحدث منفرداً، بل إلى ما وراءه: إلى سنوات من الدبلوماسية، وإلى مواقف موثقة، وإلى رؤية ملكية سبقت كثيراً من التطورات التي نراها الآن.

     فالدبلوماسية قد تتأخر ثمارها، لكنها عندما تقوم على الثبات والرؤية وطول النفس، فإنها تستطيع أن تصل في النهاية إلى عواصم القرار.

  • التكريم… حين يصبح التلميع ستارًا

    التكريم… حين يصبح التلميع ستارًا

    أمجد فاضل فريحات

    ليس كل تكريمٍ وفاء، وليس كل تصفيقٍ تقديرًا، وليس كل ابتسامةٍ في صورةٍ جماعية تعكس حقيقة ما كانت عليه الأيام.
    فالتكريم في أصله خُلُقٌ رفيع، وعنوانٌ للوفاء، واعترافٌ بفضل من أمضى سنوات أو أعوامًا في خدمة العمل، وشارك زملاءه تفاصيله، وتحمل أعباءه، وكان حاضرًا في الميدان يوم كانت المسؤولية ثقيلة، لا يوم أصبحت المناسبة خفيفة.
    لكن المؤسف أن بعض عمليات التكريم خرجت عن معناها الحقيقي، وأصبحت في بعض الأحيان مسرحًا لتلميع المُكرِّم أكثر من تكريم المُكرَّم!
    يُستدعى من غادر، وتُقال فيه أجمل عبارات الثناء، وتُذكر مناقبه، ويُشاد بعطائه، وتُلتقط الصور، وتُوزع الابتسامات، وكأن الجميع كانوا طوال المرحلة السابقة يعيشون في وئامٍ كامل، وكأن الخلافات والقرارات والمواقف الصعبة لم تكن موجودة أصلًا!
    وهنا يحق لنا أن نسأل:
    إذا كان هذا الإنسان بهذه العظمة، وهذا القدر من الكفاءة والإخلاص والعطاء… فلماذا لم نُظهر له كل هذا التقدير وهو بين أيدينا؟
    لماذا نعرف قيمة الإنسان عندما يغادر؟
    لماذا تصبح كرامته أغلى بعد انتهاء علاقته بالعمل؟
    ولماذا تتدفق عبارات الوفاء عندما يصبح الإنصاف بلا فائدة؟
    إن بعض التكريمات لا تحتاج إلى كثير من التحليل؛ فصورتها تقول شيئًا، وتفاصيلها تقول شيئًا آخر، وما بينهما مسافةٌ كبيرة اسمها الواقع.
    فقد يكون التكريم أحيانًا محاولةً لإعادة تجميل مرحلةٍ لم تكن جميلة، أو لإظهار إدارةٍ لم تكن كما يُراد لها أن تظهر، أو لإيصال رسالةٍ للآخرين مفادها: نحن أهل الوفاء، ونحن أهل المحبة، ونحن لا ننسى أصحاب الفضل.
    لكن الوفاء لا يُقاس بما يحدث بعد الرحيل، وإنما بما كان يحدث قبل الرحيل.
    فمن أراد أن يكرّم إنسانًا حقًا، فليكرّمه وهو يعمل.
    وليحفظ مكانته وهو حاضر.
    ولينصفه عندما يكون القرار بيده.
    وليمنحه حقه دون أن ينتظر نهاية خدمته.
    وليقل له كلمة “شكرًا” وهو يسمعها، لا أن يقولها أمام الآخرين بعد أن يصبح خارج المشهد.
    أما أن تُبخس حقوق الناس وهم يعملون، ثم تُرفع لهم الدروع عند المغادرة، فذلك ليس بالضرورة وفاءً؛ فقد يكون أحيانًا مجرد محاولة متأخرة لتغطية ما لا تغطيه الصور.
    والأكثر غرابة أن يتحول بعض التكريم إلى ما يشبه حفل تأبين إداري للأحياء؛ كلمات رنانة، وثناء مبالغ فيه، وعبارات عن الأخوة التي لم تكن ظاهرة إلا في آخر المشهد!
    ولا نقول إن كل تكريمٍ كذلك؛ فهناك رجالٌ ونساءٌ يكرّمون الناس لأنهم أصحاب مروءة، ويحفظون الجميل لأنهم أصحاب أصل، ويودعون زملاءهم بقلوبٍ صادقة لا تنتظر تصفيقًا ولا تبحث عن صورة.
    وهؤلاء لا يحتاجون إلى إثبات شيء لأحد؛ لأن سيرتهم تسبق حفلاتهم، ومواقفهم تسبق كلماتهم.
    أما من يجعل من تكريم الآخرين منصةً لتقديم نفسه بصورة المثالي، فليعلم أن الناس ليست ساذجة إلى هذا الحد؛ قد تصفق للمشهد، لكنها لا تنسى المواقف.
    فالناس تتذكر من وقف معها عندما كانت الحاجة إلى الموقف، لا من وقف بجانبها أمام عدسة الكاميرا.
    وتتذكر من أنصفها عندما كان قادرًا على ظلمها، لا من أثنى عليها بعدما أصبح الإنصاف بلا ثمن.
    وتتذكر الكلمة التي قيلت في الخفاء، والموقف الذي حدث بعيدًا عن الأعين، أكثر مما تتذكر الدرع الذي سُلّم على منصةٍ أمام الحاضرين.
    فالإنسان لا يُكرَّم بدرعٍ يُعلّق على جدار، وإنما بموقفٍ يحفظ كرامته.
    ولا تُقاس الأخلاق بعدد حفلات التكريم، بل بعدد المرات التي استطاع فيها المسؤول أن يكون عادلًا وهو يملك سلطة القرار.
    وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تحتاج إلى حفلٍ ولا منصة:
    إنما الأعمال بالنيات.
    فإن كانت النية وفاءً، فهنيئًا لصاحبها، وإن كانت النية تلميعًا، فلن تغير كثرة الصور حقيقة المواقف.
    وما أجمل أن نُكرّم الناس وهم بيننا، وننصفهم وهم يعملون، ونحفظ فضلهم وهم حاضرون؛ لأن التكريم بعد الرحيل جميل، لكن الإنصاف أثناء المسيرة هو التكريم الحقيقي.
    أما أن نصنع للراحل عن العمل احتفالًا عظيمًا، ثم نترك خلفه عشرات الأسئلة التي لا تجد إجابة، فهنا لا يعود السؤال: لماذا كُرِّم؟
    بل يصبح السؤال:
    مَن الذي كان التكريم من أجله فعلًا… المُكرَّم، أم المُكرِّم؟

  • عشرون عاماً من الريادة المؤسسية: جلالة الملك يجدد رؤية التحديث ويطلق مرحلة جديدة من التطوير

    عشرون عاماً من الريادة المؤسسية: جلالة الملك يجدد رؤية التحديث ويطلق مرحلة جديدة من التطوير

    بقلم : خليل قطيشات

    ​في محطة استثنائية تعكس الإرادة الهاشمية الراسخة في ترسيخ نهج الكفاءة والابتكار، رعى صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين الحفل الوطني الفعّال الذي أقيم بمناسبة مرور عقدين من الزمان على التأسيس، معلناً الانطلاقة الرسمية للدورة الجديدة من الجوائز الممتدة بين عامي ألفين وستة وعشرين وألفين وثمانية وعشرين.

    ​وشهدت الاحتفالية لفتة ملكية سامية تمثلت في تكريم نخبة من القيادات والرواد الذين أرسوا اللبنات الأولى للمسيرة وساهموا في هندسة نجاحاتها المتعاقبة؛ إذ شمل التكريم المسؤولين السابقين والإدارات التنفيذية التي تعاقبت على الإشراف والقيادة، وفاءً لجهودهم المعطاءة وتكليلاً لدورهم في ترسيخ قواعد النهج المؤسسي الأردني.

    ​وفي سياق الكلمات التأطيرية للحدث، سلطت القائمون على إدارة الجائزة الضوء على حجم الإنجازات المتراكمة خلال عقدين، مؤكدين أن المنظومة تتجه اليوم نحو مرحلة أكثر عمقاً وأثراً عبر تحديث المعايير وتطوير أدوات القياس وتقييم الأداء. وترتكز الدورة الجديدة على الارتقاء بمعايير الكفاءة وبناء القدرات، بما ينعكس مباشرة على تجويد صناعة القرار وتطوير قدرات الكوادر البشرية.

    ​ولم تقتصر الرؤية المحدثة على الأطر الإدارية التقليدية، بل وسعت مستهدفاتها لتشمل شراكة استراتيجية أوسع نطاقاً مع القطاع الخاص والجامعات والمؤسسات التعليمية، بهدف رفد سوق العمل بكفاءات شابة مجهزة بمهارات المستقبل. كما تعتمد الدورة المقبلة معايير مرنة تقيس مدى قدرة المؤسسات على التكيف مع المتغيرات، واستجابتها السريعة لتطلعات المواطنين من خلال رفع جودة الخدمات وتحسين تجربتهم عبر كافة القنوات التقليدية والرقمية.

    ​وقد شهد الحفل حضوراً رفيع المستوى تقدمه كبار رجال الدولة الأردنية وقيادات القطاعين المدني والعسكري، في تأكيد واضح على الالتزام الثابت برؤية التحديث الشاملة، وجعل التطوير المستدام ركيزة أساسية لرسم ملامح المستقبل.

  • مهندس الواقع الخفي كيف يدير العقل الباطن تفاصيل حياتنا من خلف الكواليس

    مهندس الواقع الخفي كيف يدير العقل الباطن تفاصيل حياتنا من خلف الكواليس

    بقلم  : خليل قطيشات

    ​يقف الإنسان في منتصف هذا العالم متوهماً أنه السيد المطاع لقراراته، وأن كل خطوة يخطوها هي وليدة لحظة حاسمة من التفكير المنطقي والوعي الخالص. غير أن الحقيقة العلمية والإنسانية تكشف عن مشهد مختلف تماماً، حيث يقبع في أعماق البنية النفسية للسيادة البشرية محرك هائل لا يهدأ ولا ينام، يعمل بدقة متناهية ليصيغ تفاصيل حياتنا اليومية وسلوكياتنا الممتدة. إن العقل الباطن ليس مجرد مفهوم فكري أو مصطلح في كتب النفس، بل هو القوة الناظمة التي تدير العمليات المعقدة للوجود البشري، والمستودع الأبدي لكل تجربة وفكرة وشعور مر بنا منذ الصغر.

    ​تتجلى العظمة الحقيقية لهذا النظام الداخلي في تلك القدرة الفائقة على الاستمرار والعمل دون أدنى تدخل من الوعي اليومي الشاخص. بينما ينشغل العقل الظاهر بتحليل المواقف اللحظية واتخاذ القرارات السريعة، يتكفل هذا العملاق الخفي بإدارة أجهزة الجسد الحيوية بتناغم مذهل، من تنظيم ينبض به القلب إلى أنفاس تتلاحق دون أملال، متجاوزاً الحدود الفسيولوجية ليصبح البنك المركزي للذاكرة الإنسانية. كل صورة شهدتها العين، وكل كلمة نطق بها لسان أو استقرت في مسامعنا، يتم أرشفتاها وتصنيفها في هذا الخزان العميق، لتتحول مع مرور الوقت إلى بوصلة خفية توجه انفعالاتنا، وتبني قناعاتنا، وترسم طبيعة استجاباتنا للمخاطر والفرص على حد سواء.

    ​من خلال هذه الأرشيفة الضخمة، يصيغ العقل الباطن طبيعة العادات والمهارات التي تميز السلوك البشري. فعندما يحاول الفرد تعلم مهارة جديدة كالكتابة أو قيادة السيارة، يستهلك العقل الواعي طاقة جبارة للتركيز في كل التفاصيل الصغيرة، إلا أن تكرار الفعل يدفع بهذه المهارة تدريجياً نحو أروقة اللاواعي، لتستقر هناك كبرنامج تلقائي يعمل بكل يسر وسلاسة. وفي الوقت ذاته، يخوض هذا المحرك الداخلي رحلة دؤوبة في حل المشكلات الشائكة، حيث يواصل ربط الخيوط وتفكيك الألغاز في الخفاء، حتى يفاجئ صاحبه بشرارة من الإلهام أو حل إبداعي ينبت فجأة في لحظات الاسترخاء أو عند الاستيقاظ من النوم.

    ​إن إدراك الطبيعة الاستثنائية للعقل الباطن يفتح الباب أمام تشكيل واقع جديد قائم على الفهم والاستثمار الواعي لهذه الطاقة. فهو لا يفرق بين الواقع والتخيل، بل يستجيب للرسائل والأفكار المتكررة باعتبارها حقائق مطلقة يتوجب تجسيدها في أرض الواقع. ومن هنا تصبح الكلمات التي نحدث بها أنفسنا، والبيئة الفكرية التي نحيط بها عقولنا، بمثابة التعليمات التشغيلية التي تسير خياراتنا المستقبلية. إن هذا المدى النفسي ليس غريباً عنا، بل هو الصديق الأصدق والشريك الخفي الذي إن أحسنا تغذيته بالرؤى الإيجابية والإصرار، تحول من مجرد مخزن للذكريات إلى جسر متين يعبر بنا نحو تحقيق أقصى طاقاتنا البشرية.

  • الصحة النفسية مسؤولية مجتمعية وبناء القدرات ضرورة

    الصحة النفسية مسؤولية مجتمعية وبناء القدرات ضرورة

    انجاز-بقلم: تمارا السرحان
    سعدت بالمشاركة في ورشة تدريبية متخصصة حول الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي (MHPSS)، والتي امتدت على مدار خمسة أيام، خلال الفترة من 30/8/2026 ولغاية 3/9/2026، وذلك بصفتي عضوًا في لجنة صحة المجتمع في مغير السرحان.
    وجاءت هذه الورشة ضمن جهود الهيئة الصحية الدولية ووزارة الصحة في تعزيز قدرات لجان صحة المجتمع، ورفع مستوى الوعي والمعرفة في مجال الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي.
    وشهد التدريب مشاركة أعضاء من لجان صحة المجتمع في محافظة المفرق ولجان صحة المجتمع في العاصمة عمّان، مما أتاح مساحة مهمة لتبادل الخبرات والتجارب وتعزيز التواصل والتعاون بين المشاركين.
    وتناول التدريب عددًا من المحاور المهمة، من أبرزها مفاهيم ومبادئ الصحة النفسية، والدعم النفسي والاجتماعي، ودور لجان صحة المجتمع ووزارة الصحة، إلى جانب المبادئ الأخلاقية وأهمية الحفاظ على الخصوصية والكرامة الإنسانية عند تقديم الدعم.
    وقد شكلت هذه الورشة تجربة ثرية ومميزة بالنسبة لي، عززت معارفي ومهاراتي، ووسعت فهمي لأهمية الصحة النفسية في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات.
    وأؤمن أن الصحة النفسية ليست مسؤولية فردية فقط، وإنما هي مسؤولية مجتمعية مشتركة، وأن تمكين أعضاء المجتمع المحلي بالمعرفة والمهارات اللازمة يسهم في الوصول إلى أفراد وأسر أكثر قدرة على التكيف ومواجهة الضغوط.
    وفي ختام هذه التجربة، أتقدم بالشكر والتقدير إلى الهيئة الصحية الدولية ووزارة الصحة على جهودهم في تنفيذ هذا التدريب، وإتاحة الفرصة للمشاركين لاكتساب معارف وخبرات جديدة، مؤكدة أن التعلم المستمر وبناء القدرات يمثلان أساسًا لخدمة المجتمع وصناعة أثر مستدام.
    بقلم: تمارا السرحان
    عضو لجنة صحة المجتمع – مغير السرحان

  • بريزات تكتب : مجالس الأمناء .. قانون جديد لتشكيلات رمادية

    بريزات تكتب : مجالس الأمناء .. قانون جديد لتشكيلات رمادية

    فلحه سليمان بريزات

    هل تكفي الخبرة وحدها ليدرك صاحب القرار واقع من يُتخذ القرار باسمه؟

    الأمر يبدو بسيطاً، لكنه يلخص جوهر فلسفة اختيار القيادات ومجالس صنع القرار: هل يستطيع رجل مخضرم، تخرج من أعرق الجامعات وشغل مناصب تنفيذية، أن يدرك بدقة التحديات التي تواجهها طالبة في التاسعة عشرة داخل أروقة الجامعة اليوم؟ قد يتفهمها نظرياً، لكن من الصعب أن يكون إدراكه لها مماثلا لمن يعيش التجربة بتفاصيلها وخلفياتها الحقيقية.

    المغزى ليس الطعن في قدرة أصحاب الخبرات، ولا المفاضلة بين الأجيال أو الخلفيات، بل التذكير بأن الكفاءة لا تُقاس بالسنوات وحدها، وأن فهم الواقع الذي يُصنع القرار من أجله جزء أصيل من القدرة على اتخاذه. وهذه الفكرة تبدو ملحة اليوم، ونحن أمام إعادة تشكيل مجالس أمناء الجامعات الأردنية بموجب القانون الجديد.
    والأمر لا يتعلق بالخبرة وحدها، بل بالتجديد أيضا. الخبرة قيمة لا تُنكر، لكنها ليست القيمة الوحيدة. فالوظائف تتغير، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل كثيرا من المهن، والأجيال القادمة ستدخل سوق عمل مختلفا عما نعرفه اليوم. لذلك لا تستطيع الجامعة أن تنظر إلى المستقبل بعين واحدة، أو أن تستدعي الوجوه ذاتها كلما احتاجت إلى موقع جديد. المرحلة الجديدة تحتاج خبرة، نعم، لكنها تحتاج أيضا عقولا جديدة قادرة على قراءة ما هو قادم، وتنوعا في الخلفيات والتجارب يوسع زاوية النظر إلى مشكلات الجامعة.
    ومن هنا تعود دلالة المثال الافتتاحي: ليس المطلوب أن نسأل فقط كم سنة خبرة يحملها العضو، بل ماذا أضافت تلك الخبرة إلى قدرته على فهم الجامعة التي سيشارك في رسم مستقبلها؟ وهل تجمع التشكيلة بين المعرفة المتراكمة والقدرة على رؤية التحديات الجديدة من زوايا مختلفة؟
    منذ ثلاث سنوات، طرحت تحت عنوان “الرغائبية في إدارة الجامعات.. التعليم العالي يدفع الفاتورة” إشكالية جوهرية ما زالت قائمة حتى اليوم: إذا كان مجلس الأمناء عماد استقلال الجامعة، فمن يُمنح حق تمثيلها، وبأي معايير تُحسم خياراته؟
    كان النقاش يومها يدور حول جدوى هذه المجالس وتقييماتها، وحول قرارات إعفاء رؤساء جامعات رغم اختلاف التقييمات، حتى صار من الصعب معرفة من يُقيم من، ومن يملك القرار الأخير. فما قيمة الصلاحيات الواسعة إذا أظهرت التجربة أن الميزان يميل عند أول مفترق مع القرار الأعلى؟ وكيف نطلب استقلالاً حقيقياً من مجلس قد يجد نفسه غير قادر على حماية قراره في تعيين رئيس الجامعة؟
    اليوم، يتغير القانون ويُعاد تشكيل المجالس، لكن الإشكالية الجوهرية ما زالت ذاتها: هل تغيرت قواعد صناعة القرار؟ وهل اتسق التشكيل الجديد مع روح القانون، ومع المتغيرات المتسارعة التي تواجه الجامعات وسوق العمل، أم أننا أمام إعادة ترتيب للمشهد بالأدوات ذاتها؟

    هنا، تتوالى التساؤلات التي لا ينبغي اعتبارها اعتراضاً على أشخاص بعينهم.
    كيف اختيرت الأسماء؟ من وضع المعايير التي رجحت اسماً على آخر؟ من اقترح ومن قارن؟ ومن امتلك سلطة الاستبعاد أو
    الإضافة؟ وهل كانت حاجة كل جامعة نقطة البداية، أم جاءت الأسماء أولا ثم جرى البحث عن المبررات لاحقا؟
    هذه ليست مرافعة ضد أسماء محددة، ولا حكماً مسبقاً على مجالس لم تبدأ عملها بعد. إنها مطالبة بأن تكون طريقة الاختيار بمستوى حساسية الموقع. عندما يكون المجلس مسؤولا عن رسم سياسات الجامعة وتقييم رئيسها والمساهمة في رسم مستقبلها، لا يمكن أن يبقى اختيار أعضائه في منطقة رمادية.
    مع وافر التقدير للأعضاء، فإن بعض التشكيلات تفتح بابا مشروعاً للتأمل: هل نبحث فعلاً عن أفضل من يستطيع إدارة مرحلة جامعية جديدة، أم ما زلنا نستدعي الوجوه ذاتها كلما احتجنا إلى موقع؟ لا أريد أن أقول إن هناك أسماء معدة سلفاً، لكن من حق الناس أن يعرفوا المسار الذي أنتج هذه الاختيارات، لأن وضوح الطريق هو ما يمنع الشكوك من أن تتحول إلى رواية بديلة عن الحقيقة.
    وهنا تبرز محطة مجلس التربية والتعليم ودوره في صياغة التشكيلات ورفعها إلى مجلس الوزراء. النقطة ليست في تعدد المراحل، بل في وجود مسافة مؤسسية حقيقية تتيح فحص الأسماء وفق احتياجات الجامعات ومقارنتها بمعايير واضحة قبل الوصول إلى القرار النهائي. بمعنى آخر: ليس المهم فقط من وقع قرار التعيين، بل من صنع القائمة الأولى؟ ومن اختبرها؟ ومن امتلك سلطة استبعاد اسم وتقديم آخر؟ وهل كانت المعايير معلنة بما يكفي لنعرف لماذا اختير هذا الشخص لهذه الجامعة تحديداً؟
    إذا كان القانون الجديد يريد أن يمنح مجالس الأمناء دورا أكبر، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرتها على ممارسة هذا الدور وتحمل مسؤولية قراراتها، لا في عدد الصلاحيات الممنوحة لها. ولسنا بحاجة إلى مزيد من دوائر التقييم والمراجعة التي تتكرر؛ فقد أصبح لدينا من طبقات الرقابة ما يكفي. فالمطلوب: أن نعرف من يقرر، ومن يتحمل مسؤولية القرار.

    تحتاج الجامعات الأردنية إلى معالجة المديونية، وإلى تخصصات ترتبط بسوق العمل، وبحث علمي يتحول إلى أثر حقيقي، وإدارة أكثر كفاءة. لكنها تحتاج قبل كل ذلك إلى خريج لا يجد نفسه بعد سنوات من الدراسة أمام السؤال القاسي: ماذا أفعل بشهادتي؟

    هذا السؤال تحديدا هو الذي يجب أن يبقى حاضرا أمام مجالس الأمناء الجديدة. فنجاحها لن يُقاس بعدد اجتماعاتها، ولا بفخامة الأسماء التي تضمها، ولا بطول الخبرات التي يحملها أعضاؤها، بل بما ستتركه بعد انتهاء ولايتها:
    هل تحسن الأداء الأكاديمي؟
    هل ارتفع تصنيف الجامعات؟
    هل تحسنت الأوضاع المالية للجامعات؟
    هل جرى التعامل بجرأة مع التخصصات الراكدة؟
    هل ارتفع أثر البحث العلمي؟
    هل أصبحت القرارات أكثر رشداً؟
    وهل أصبحت الجامعة أكثر استقلالا بالفعل؟

    لا أريد أن أسبق التجربة بالحكم، ولا أن أضع الأسماء الجديدة في خانة واحدة. قد تثبت الأيام أن الاختيارات كانت موفقة، وقد يبرهن الأداء أن بعض الأسماء كان في مكانه تماما. لكن الحكم في النهاية يجب أن يكون على الطريقة والنتيجة معاً.
    وبعد أربع سنوات، لن يكون أمامنا مجال للتقدير والانطباع، بل نتائج يمكن قياسها: أداء، ومديونية، وخريجون، وبحث علمي، وجامعات يمكن مقارنة ما كانت عليه بما أصبحت عليه. عندها تبقى النتائج وحدها شاهدة: ماذا غيّرت هذه المجالس في جامعاتها؟