التصنيف: أقلام

  • خطاب الملك .. رسائل الأردن إلى الإقليم والعالم

    خطاب الملك .. رسائل الأردن إلى الإقليم والعالم

    بقلم : د خالد الشقران
    جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حاملا قراءة سياسية واستراتيجية شاملة للأزمات التي واجهتها المنطقة وتداعياتها المتشابكة، وقدم رسائل تجاوزت عرض الموقف الأردني من القضايا الراهنة إلى تحديد طبيعة المرحلة ومسارات التعامل معها، وشروط الانتقال نحو الأمن والاستقرار والسلام.
    بدأ الخطاب من مفهوم «الانتباه»، الذي قدمه جلالة الملك باعتباره موردا جيوسياسيا تتحدد من خلاله قدرة الأزمات على البقاء في دائرة الاهتمام الدولي، وقد قاد هذا المدخل إلى القضية الفلسطينية، حيث أشار إلى أن التعامل الدولي مع الصراع قام طويلا على الاحتواء وإدارة تداعياته، فيما استمرت الوقائع على الأرض في التراكم، وهنا حمل الخطاب رسالة واضحة مفادها أن استمرار تجاهل جذور الصراع أبقى المنطقة أمام مصدر دائم للتوتر وعدم الاستقرار.
    وفي القضية الفلسطينية، ركز الخطاب على غزة والضفة الغربية والقدس ضمن صورة سياسية مترابطة، فقد عرض ما شهدته غزة من حرب ودمار ومعاناة إنسانية، وربط ذلك بما جرى في الضفة الغربية من استيطان ومصادرة للأراضي وتهجير وعنف، وحمل هذا الربط دلالة استراتيجية تؤكد ارتباط مستقبل السلام بمستقبل الأرض، وكلما تغيرت الوقائع الجغرافية والديموغرافية ازدادت صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية قابلة للحياة.
    وفي ما يتعلق بالقدس، جدد الملك التأكيد على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، واستمرار الأردن في حمل هذه المسؤولية، وقد عكست هذه الرسالة ثبات الموقف الأردني تجاه المدينة ومكانتها، وربطت الدور الأردني بمسار السلام وبالحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات.
    ومن فلسطين انتقل الخطاب إلى سوريا، حيث اتسعت الرؤية من تداعيات الصراع الفلسطيني إلى منظومة الأمن الإقليمي وانعكاساتها المباشرة على الأردن. وقد اعتبر جلالة الملك أن التطورات في سوريا شكلت إنذارا يستحق اهتماما دوليا، وربطها بصورة مباشرة بأمن الحدود الشمالية والأمن المائي الأردني، مؤكدا أن أي تهديد للحدود أو للمياه يمثل تهديدا للأمن القومي الأردني. وجاء الموقف واضحا وحاسما في تأكيد أن الأردن لن يشيح بنظره عن مصادر الخطر المحيطة به، وأن حماية حدوده ومياهه ومصالح شعبه ستبقى في صميم أولوياته الوطنية.
    وفي الوقت نفسه، قدم الخطاب رؤية متكاملة للأمن الإقليمي، فالأردن واصل مواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، وعزز قدراته الدفاعية، مع استمرار دعمه للصمود الفلسطيني وللأونروا. وهذا عكس فهما واسعا للاستقرار، يقوم على حماية الحدود ومواجهة التهديدات الأمنية ومعالجة مصادر عدم الاستقرار في محيط الأردن.
    أما الرسالة السياسية الأهم، فجاءت في تأكيد الأردن تمسكه بالدبلوماسية والحوار والعمل مع كل من يسعى إلى السلام، مع التأكيد أن هذا النهج لم يكن دليلا على الضعف، وقد رسمت هذه المعادلة صورة للسياسة الأردنية تقوم على الانفتاح في أدواتها، والثبات في مصالحها ومواقفها.
    وعلى المستوى الدولي، نقل الخطاب النقاش إلى جوهر الأزمة التي واجهها النظام الدولي، حيث الفجوة بين القواعد المعلنة والقدرة على حماية هذه القواعد وتطبيقها، وقدمت الرؤية التي حملها الخطابَ القضية الفلسطينية باعتباره اختبارا لمصداقية القانون الدولي، فيما ارتبط تحقيق السلام باستعادة الثقة بالمؤسسات الدولية وقدرتها على التعامل مع الأزمات وفق قواعد واضحة.
    وبذلك حمل خطاب الملك رسالة متكاملة إلى الإقليم والعالم تؤكد أن تحقيق السلام يحتاج إلى معالجة جذور الصراعات، في حين يحتاج الاستقرار إلى احترام سيادة الدول وأمنها، ويرتبط الأمن الإقليمي بوقف دوائر التصعيد، فيما تشكل القضية الفلسطينية مفتاحا رئيسيا لاستقرار المنطقة.
    ومن هنا، كانت الدلالة الأوسع للخطاب أن الأردن قدم رؤيته للمرحلة على أساس السلام بوصفه خيارا سياسيا، والاستقرار بوصفه مصلحة إقليمية، والأمن بوصفه مسؤولية وطنية ودولية، والقانون الدولي بوصفه أساسا للعلاقات بين الدول.
    في المحصلة، أظهر الخطاب الموقف الأردني من مختلف القضايا الإقليمية بشكل واضح وجلي، مبينا أهمية الحوار كأداة، والدبلوماسية كمسار، والسلام كهدف، إلا أن تحقيق كل ذلك يحتاج إلى إرادة سياسية دولية تعالج جذور الأزمات وتمنع تحول الوقائع المؤقتة إلى أزمات دائمة، وهنا وضع الخطاب المجتمع الدولي بمجمله أمام سؤال الأكثر أهمية في هذه المرحلة: هل تستمر إدارة الأزمات، أم تبدأ معالجة أسبابها وبناء مسار حقيقي للأمن والاستقرار والسلام؟

     

  • السقوط إلى الأعلى: حين يكون الاعتذار قمة الحكمة

    السقوط إلى الأعلى: حين يكون الاعتذار قمة الحكمة

    السقوط إلى الأعلى: حين يكون الاعتذار قمة الحكمة

    بقلم الأستاذ الدكتور تحسين منصور

    في عالم يسعى فيه الكثيرون إلى تقلّد المناصب، يُنظر إلى الاعتذار عن منصب، في بعض الأحيان، باعتباره تراجعًا أو فشلًا. ومع ذلك، قد يحين الوقت لنتوقف قليلًا أمام رؤية مختلفة: أحيانًا يكون الاعتذار قمة الحكمة، وأحيانًا يكون ما يظنه البعض سقوطًا هو الطريق نحو الأفضل.

    لا يُقصد بهذه الفكرة التخلي عن المسؤولية أو الهروب من العمل، بل دعوة إلى التفكير في معنى المنصب، ومعنى النجاح، ومعنى المسار المهني.

    نشأنا في ثقافة تعتبر كل منصب جديد خطوة إلى الأمام، وترسخت لدينا فكرة أن الصعود المهني يعني دائمًا صعودًا حقيقيًا. لكن المسيرة المهنية ليست بهذه البساطة. فقيمة المنصب لا تكمن في مسماه وحده، وإنما في مدى انسجامه مع خبرة الشخص ومساره، وفي مقدار الإضافة التي يستطيع أن يقدمها من خلاله.

    بعد سنوات طويلة من العمل الأكاديمي والإداري، قد يطرح الإنسان على نفسه سؤالًا بسيطًا في ظاهره، لكنه يتطلب قدرًا من الصراحة مع الذات: هل كل منصب جديد يمثل بالضرورة خطوة إلى الأمام؟

    هنا تتغير الزاوية التي ننظر بها إلى الأمور. فمن خاض تجربة المسؤولية الإدارية والقيادة، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يتوافق مع خبرته ومساره، وما لا يتوافق.

    ليس كل انتقال إلى منصب جديد صعودًا، والاعتذار عن منصب ليس بالضرورة تراجعًا. قد يصل الإنسان إلى مواقع قيادية، ثم يكتشف أن القيمة التي يستطيع أن يقدمها في المرحلة التالية لا ترتبط بالضرورة بتولي منصب إداري جديد، وإنما باستثمار خبرته في التدريس، أو البحث العلمي، أو الإشراف، أو نقل المعرفة، أو المشاركة الفكرية.

    فالعطاء ليس حكرًا على الكراسي الإدارية.

    وقد يجد البعض صعوبة في فهم قرار الاعتذار عن منصب؛ لأنهم يرونه من زاوية واحدة: هناك منصب جديد يمثل فرصة للصعود، فلماذا يُرفض؟ لكن من يتخذ القرار قد يرى الصورة بصورة مختلفة. يسأل نفسه: ماذا يضيف لي هذا المنصب؟ وهل يتناسب مع تجربتي؟ وهل هو الدور الذي أريد أن أضع فيه جهدي وخبرتي؟

    هذه الأسئلة لا تعكس رفضًا للمسؤولية، وإنما تعبر عن وعي بالمسار المهني وأهمية الاختيار.

    في بدايات الحياة المهنية، يكون التركيز غالبًا على كيفية التقدم والوصول إلى مناصب أكبر. ومع مرور السنوات، قد يتحول السؤال إلى: ما الدور الذي يمكن أن أقدم فيه أفضل ما لدي؟ والفرق بين السؤالين ليس اختلافًا في الطموح، بل في فهم الطموح ذاته.

    فقد يكون الطموح في مرحلة ما هو الوصول إلى منصب أعلى، بينما يصبح في مرحلة أخرى هو توظيف الخبرة بصورة أكثر فائدة، واختيار الدور الذي ينسجم مع ما يملكه الإنسان من معرفة وتجربة، ويمنحه شعورًا حقيقيًا بالقيمة والأثر.

    لذلك تتغير دلالة كلمة «الصعود». ليس كل ارتقاء في السلم الوظيفي صعودًا حقيقيًا، كما أن الابتعاد عن منصب ليس بالضرورة تراجعًا. فقد يكون الابتعاد عن موقع إداري معين فرصة أوسع للتدريس، أو البحث، أو القراءة والكتابة، أو توجيه الطلبة، أو استثمار الخبرة في مجالات أخرى بعيدًا عن ضغوط الإدارة اليومية.

    عندها يدرك الإنسان أن ما بدا للآخرين ابتعادًا عن العطاء، لم يكن كذلك، وإنما كان اختيارًا لنوع آخر منه.

    وهكذا يصبح الاعتذار قرارًا ناضجًا، لا هزيمة. فالقيمة الحقيقية للمسيرة المهنية لا تكمن فقط في عدد المناصب التي شغلها الإنسان، وإنما في المعرفة التي راكمها، والخبرة التي نقلها، والأثر الذي تركه في الآخرين.

    لذلك، فإن كلمة «لا» ليست دائمًا رفضًا للعطاء، كما أن كلمة «نعم» ليست دائمًا علامة على الطموح. أحيانًا تكون «لا» اختيارًا لنوع آخر من العطاء.

    وقد يكون التوقف عن الصعود في السلم الوظيفي بداية لنوع آخر من الارتقاء؛ ارتقاء نحو مزيد من الحرية، ومزيد من الوقت، ومزيد من التركيز، ومزيد من المعنى.

    في النهاية، قد يرى البعض أن رفض منصب يعني «السقوط»، بينما قد يرى صاحبه الأمر بصورة مختلفة تمامًا. فربما لا يكون ذلك سقوطًا، بل انتقالًا من موقع إلى آخر، ومن مفهوم للصعود إلى مفهوم أكثر اتساقًا مع المسيرة والخبرة.

    هذا هو معنى «السقوط إلى الأعلى». فالمناصب تتغير، والمسميات تتبدل، لكن الخبرة المكتسبة، والمعرفة التي يتركها الإنسان، والأثر الذي يحدثه في الآخرين، هي ما يمنح المسيرة معناها الحقيقي.

    لذلك، عندما يحين وقت الاختيار، ربما لا يكون السؤال الأهم: أي منصب أعلى؟ وإنما: أي دور يتناغم أكثر مع مسيرتي، ويمكّنني من تقديم أفضل ما لدي؟

    وفي بعض الأوقات، قد يكون الاعتذار عن قبول منصب هو القرار الأكثر حكمة.

    ملاحظة

    هذا المقال ليس دعوة إلى رفض المناصب، ولا حكمًا على من يختار العمل الإداري. فهناك من يجد في المنصب رسالة، ويؤدي من خلاله واجبًا، ويحقق أثرًا حقيقيًا، ويجد فيه مجالًا للعطاء.

    وفي المقابل، هناك من يختار في مرحلة معينة إعادة ترتيب أولوياته المهنية، أو تخفيف مسؤولياته الإدارية، أو التوجه إلى جوانب أخرى من العمل الأكاديمي والفكري.

    فالقرار يرتبط بالإنسان، وتجربته، ومساره، وأولوياته، وما يراه أكثر اتساقًا مع قدرته على العطاء.

    فالحكمة ليست دائمًا في الوصول إلى الأعلى، بل في معرفة ما يعنيه «الأعلى» بالنسبة إلى كل إنسان.

     

  • السردية الأردنية ومعرض عمان الدولي للكتاب

    السردية الأردنية ومعرض عمان الدولي للكتاب

    الوزير مصطفى الرواشدة

    حين يكون حفل انطلاق معرض عمّان الدولي للكتاب، الذي يتوّج بالرعاية الملكية السامية لهذا العام، وكلّ عام، من المركز الثقافي الملكي، بما يحمله هذا المسمّى من حضور في وجدان الأردنيين، فإنّ هذه الرؤية تؤكد أهميّة الصورة التي نقدّمها للضيوف العرب والأجانب من المشاركين في المعرض، بحيث تضيئ نقطة الانطلاق الهادئة والقويّة معًا، على رسالة الدولة الأردنية في الاهتمام الملكي بالثقافة وإيلائها العناية التي تستحقّ.

    وقد جاء اختيار المركز الثقافي الملكي، لما يوفّره هذا المركز أيضًا من مساندات تعمل على هذا النجاح، كمركز كبير مجهّز بأحدث الأجهزة والمساحة والأجواء التي تحمل حفل الافتتاح ومفرداته.

    وحين يكون حفل الانطلاق ناجحًا، كعنوان، فإنّ التفاعل والانسجام من بعد والانتقال إلى أجنحة المعرض وفعالياته، وبرنامجه الثقافي سيكون ناجًا أيضًا، خصوصًا وقد دعمت وزارة الثقافة هذا البرنامج، بالتنسيق مع اتحاد الناشرين، من خلال خبرتها الثقافية ومساندتها المتواصلة لهذا المعرض الوطني، المعبّر عن هذه التظاهرة الثقافية الكبيرة كلّ عام.

    ونحن، إذ ندرك في وزارة الثقافة، قيمة أن نغذّي البرنامج الثقافي للمعرض وطنيًّا في الاستضافات والندوات والفعاليات الأدبيّة والفكريّة، بما يجمع ما بين فكر الدولة وإبداعات الشباب والرواد والناشئة، فإننا نثق بمخرجات هذا البرنامج الذي يحفّز الحضور والقرّاء والنخب والأكاديميين، وجميع الشرائح المجتمعيّة، على تداول الكتاب واقتنائه والمرور على أجنحته، وجعله في سلّة تفضيلاتهم بما فيه من متعةٍ وفائدة، واشتباك إيجابي مع الكتاب، مصدر المعلومة وصديق القراء والمثقفين.

    في هذه الدورة تحلّ الشقيقة سوريا ضيف شرف على المعرض، وتحمل في استضافتها هذه، برنامجها الثقافي والفكري والإبداعي الذي يعطي صورةً حضاريّة عن البوصلة الثقافيّة حين تكون مساندةً للعمل الدبلوماسي والسياسي بين قيادتي البلدين الشقيقين تاريخيًّا، وغنيُّ عن التذكير مساندة الأردن الدائمة للأشقاء في سوريا والأشقاء العرب، بل والأصدقاء في العالم، على أكثر من صعيد.

    وفي هذا العام، نعتزّ كثيرًا بتخلل مفهوم “السرديّة الأردنيّة” لدينا جميعًا، بل ولدى كلّ الأشقاء والأصدقاء، هذه السرديّة التي وجّه إلى كتابتها سموّ الأمير الحسين بن عبدالله الثاني وليّ العهد، حفظه الله، فشرعنا في كتابة هذه السرديّة وقراءة واستنباط مادّتها العلميّة والتاريخيّة والوطنيّة، وكلّ المجريات التي جرت عبر الحقب والعصور حتى هذا اليوم.

    وأحبّ أن أشير إلى متابعة الوزارة وعملها الدؤوب على السردية الأردنيّة، بما يجعلها قصّةً وطنيّةً يرددها الطالب وتكون مبعث فخرٍ وعزٍّ، ويقرأها الأكاديمي والباحث والسياسي والمفكّر على منصّات الاحتفاء والتدارس والتثاقف، في حوارات وندوات جالت المملكة الأردنيّة الهاشميّة، وعرّفت بالمفهوم ومسوّغات واستحقاق كتابة هذه السرديّة، كمسار طويل من العطاء الوطني والإنسانيّ.

    هذه السرديّة ستكون حاضرةً على برنامج معرض عمان الثقافي، ضمن قراءات وأشكال ومفردات متنوعة، ونحن متأكدون من أنّها ستكون قريبًا بعون الله بين أيدينا وأيدي ضيوفنا مطبوعةً، كمرجع كبير قام عليه خيرة الخيرة من الأكاديميين والباحثين، بإشراف وزارة الثقافة، واهتمامها بوصول محتوى هذه السرديّة للجميع.

    اليوم لم تعد الثقافة مقصورةً على الكُتّاب والمثقفين، فقد رأينا، ومن خلال الفعاليات والمهرجانات والأنشطة اليوميّة التي ترعاها وزارة الثقافة، عبر برامجها وجدولها اليومي في كلّ المحافظات، أنّ أبناءنا وأسرتنا الأردنيّة على شغف كبير بالكتاب واقتنائه، فليس غريبًا إذًا، ما يتميّز به الأردنيّون من حضورٍ تلقائي وفرحٍ غامر لمعرض الكتاب، وهي فرصة لنا لنحيّي الناشر الأردنيّ، الشريك مع وزارة الثقافة في صناعة الفكر والوعي ونشر الثقافة والإبداع.

    في دورة المعرض لهذا العام، سنشهد العديد من الندوات في الفكر والنقد والفلسفة، والأدب والشعر والقصّة، والجلسات الحواريّة، وورشات العمل، والعروض الوثائقيّة، وسيكون المركز الثقافي الملكي حاضنًا لفعاليات عديدة من هذا المعرض، وكذلك دائرة المكتبة الوطنيّة.

    ونعتزّ دائمًا بكلّ الجهات المساندة لهذا المعرض، كأمانة عمان الكبرى، ومؤسسة عبدالحميد شومان، خصوصًا في هذه الدورة المهمّة، دورة اليوبيل الفضّي لمعرض عمّان الدولي للكتاب.

    أتمنى لكلّ المثقفين والكتاب، ولضيوف المعرض، الاستمتاع في رحاب الفكر والثقافة والمعرفة، وبين أجنحة المعرض والأنشطة والفعاليات اليوميّة،.. وأهلًا وسهلًا بالجميع.

  • إعادة بناء منظومة المصالح … بين استعادة الثقة وإدارة التحول

    إعادة بناء منظومة المصالح … بين استعادة الثقة وإدارة التحول

    بقلم : د. روان سليمان الحياري
    وسط ازدحام المشهد الدولي بالحروب واستدامة الصراعات، ربما تكون الحقيقة الأهم أن العالم لا يعيد ترتيب تحالفاته السياسية فقط، بل يعيد ترتيب مصالحه الاقتصادية أيضاً.
    فالحديث الدولي اليوم عن السلام يتقاطع مع أمن الطاقة والغذاء والمياه الدافئه، وعن سلاسل التوريد مع الأمن القومي، وعن التنمية مع الاستثمار، وعن الاستقرار مع قدرة الدول على أن تكون شريكاً موثوقاً في منظومات إنتاج وتجارة عابرة للحدود.
    ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط كيف نتعامل مع أزمات الإقليم، وإنما: أي موقع نريد للأردن في الإقليم؟ فالأزمات ستنتهي و/أو تتغير أشكالها، لكن ما يُبنى خلالها من شراكات ومسارات تجارة ومصالح اقتصادية قد يستمر لعقود.
    سوريا ستحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتية، والعراق يوسع مشاريعه وربطه الإقليمي، ودول الخليج تعيد النظر في أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وأوروبا تبحث عن شركاء ومسارات وأسواق أكثر تنوعاً وموثوقية، وتقرير الأمم المتحدة لعام 2026 يقر بإن التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد وضعف التجارة تضغط على النمو، ليبقى واحد من كل خمسة شباب عالمياً خارج العمل والتعليم والتدريب.
    وهنا تكمن نافذة استراتيجية هامه للأردن، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى الانتقال من التعامل مع الفرص المنفردة إلى بناء (محفظة مصالح وطنية) تحول الأولويات التنموية الوطنية إلى فرص استثمارية، وتربط رأس المال بالتحول الاقتصادي، وتحدد مسبقاً أين نريد أن نكون في اقتصاد المنطقة القادم.
    فماذا نريد من إعادة إعمار الجوار وأين/كيف يمكن للصناعة الأردنية أن تدخل سلاسل التوريد الجديدة؟ وما القطاعات التي نستطيع فيها بناء شراكات إنتاجية مع أوروبا والخليج والعالم؟ وأي تكنولوجيا نريد توطينها؟ وأي أسواق نريد فتحها أمام المنتج الأردني؟
    فلن تكفي الدبلوماسية الاقتصادية التي تفتح الأبواب؛ بل نحتاج إلى دبلوماسية اقتصادية تحمل وراء كل باب مشروعاً جاهزاً.
    يحول الفرص الكبرى إلى (ملفات وطنية متكاملة) قوام كل منها مشروع محدد، وشريك محتمل، وتمويل، وموقع، وسوق مستهدف، وسلسلة موردين محليين، ومتطلبات تكنولوجية، وعدد ونوعية فرص العمل التي يمكن أن يخلقها.
    فبطالة الشباب ليست ملفاً اجتماعياً ينتظر أن يتحسن الاقتصاد حتى يُحل. بل قضية يجب أن تدخل في تصميم الاقتصاد نفسه. فعندما نفاوض على استثمار أو شراكة أو نقل تكنولوجيا، يجب أن نسأل بداية: ما المهارات التي سينقلها؟ ما الوظائف التي سيخلقها؟ وكم شركة أردنية صغيرة ومتوسطة ستدخل سلسلة التوريد المرتبطة به؟ وفي هذا بناء قدرة اقتصادية أردنية مستدامة، فلا فائدة من اي وظائف مؤقتة.
    فلدينا ما يمكن البناء عليه من صناعة دوائية وغذائية وهندسية وتصنيعية وتعدينية، كما التكنولوجيا والخدمات، التي تبدأ ميزتها الحقيقية عندما تتحول هذه العناصر المتفرقة، إلى عرض وطني متكامل، نستثمر فيه الجودة والموثوقية وسرعة الإنجاز كأصول اقتصادية، في عالم ترتفع فيه كلفة عدم اليقين.
    فالسياسة الأكثر حصافة واستدامة، ليست التي تلك تجمع أكبر عدد من الاتفاقيات، بل تلك التي تحول العلاقات إلى مصالح، والمصالح إلى مشروعات، والمشروعات إلى إنتاج وصادرات ووظائف للشباب.
    ففي وسط الفوضى، قد يبدو التركيز على البناء خياراً اقتصادياً، لكنه -حقاً- خيار استراتيجي ومصلحة وطنية عليا.

  • معادلة منتصف الشهر

    معادلة منتصف الشهر

    بقلم : محمد الروسان 

    معادلة منتصف الشهر: كيف بات الأردني يدير اقتصاده المنزلي للعبور إلى الراتب القادم؟

    مع إشراقة اليوم الخامس عشر من كل شهر، لا يتغير الطقس في شوارع عمّان ولا في قرى المحافظات، لكن شيئاً ما يتغير بوضوح في النبرة والملامح. يُستبدل حديث “التسوق والتخطيط” بحديث “الترشيد وإعادة الترتيب”، وتبدأ في أغلب البيوت الأردنية عملية إدارة أزمات مصغرة تُعرف ضمناً بـ “معادلة العبور إلى يوم 25”.
    لم يعد الأردني يحتاج إلى شهادة في العلوم المالية ليفهم معنى “التضخم” أو “تآكل القدرة الشرائية”؛ فقد أتقن هذه المفاهيم ممارسةً لا theory، متخذاً من سفور ميزانيته المنزلية حقل تجارب يومي. فالراتب الذي كان يغطي التزامات الأسرة طيلة ثلاثين يوماً، بات يقف عاجزاً في منتصف الطريق، ليترك رب الأسرة أمام أسئلة معيشية معقدة: أي الفواتير يمكن تأجيلها؟ وأي المصاريف يمكن اختصارها دون أن تمسّ الأساسيات؟
    هندسة الأولويات: فن إدارة الرصيد المتبقي
    في النصف الثاني من الشهر، تتغير سلوكيات الاستهلاك بشكل ملحوظ. تنخفض وتيرة الحركة في الأسواق والمجمعات التجارية، ويتأجل شراء الملابس، وتتحول الزيارات العائلية والمناسبات الاجتماعية إلى نفقات محسبة بدقة.
    تتحول الميزانية الأردنية من “التخطيط الشهري” إلى “التكتيك اليومي”؛ فالمصروف يُقسم على الأيام المتبقية بالدينار والقرش. تُعطى الأولوية المطلقة لرغيف الخبز، مستلزمات الأبناء الدراسية، والعلاجات الضرورية، بينما تُرحَّل أقساط أو فواتير خدمية إلى إشعار آخر، على أمل أن يحمل الراتب القادم فرجاً يرمم ما أفسده الشهر الحالي.
    الطبقة الوسطى: الصمود بأساليب جديدة
    اللافت في المشهد اليوم هو أن هذا الضغط لم يعد محصوراً في الفئات الأقل دخلاً، بل تمدد ليلتهم الطبقة الوسطى التي طالما شكلت صمام الأمان والعمود الفقري للاقتصاد الوطني. أسَر الموظفين والمعلمين والمهندسين باتت تعيش الواقع ذاته، مجبرةً على الاستغناء عن نفقات كانت حتى وقت قريب تُصنف كأنشطة اعتيادية.
    لم يعد الاستغناء عن الرفاهيات اختياراً، بل تحول إلى خط دفاع أول للحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة المعيشية. ولعل هذا ما يفسر انتشار المبادرات المنزلية، والاعتماد المتزايد على المشاريع الأسرية الصغيرة، أو البحث عن عمل إضافي لردم الفجوة بين الدخل والمصروف.
    الأرقام الرسمية مقابل واقع الشارع
    بينما تشير التقرير الاقتصادية الصادرة عن الجهات الرسمية إلى نسب تضخم منضبطة واستقرار نفي في بعض المؤشرات، يرى المواطن في جولة واحدة داخل السوبرماركت أو عند محطة الوقود واقعاً مختلفاً. فـ “سلة السلع الأساسية” شَهدت ارتفاعات تراكمية على مدى السنوات الأخيرة جعلت من القوة الشرائية للدينار أضعف مما كانت عليه، دون أن يرافق ذلك زيادة موازية في مستويات الأجور.
    قوة مجتمعية وتكافل لا يغيب
    رغم قسوة هذه المعادلة المالية، يبرز في الشارع الأردني جانب آخر متجذر: التكافل الاجتماعي. من “الجمعيات الأهلية” بين الجيران والزملاء، إلى التغاضي المتكرر من أصحاب المحال التجارية الصغرى عن ديون “الدفتر”، يرسم المجتمع الأردني شبكة أمان موازية تخفف من وطأة الضائقة المالية للوصول إلى بر الأمان عند نهاية كل شهر.
    يبقى السؤال المطروح في أروقة الصالونات الاقتصادية والبيوت الأردنية: إلى متى سيبقى “التكيف والترشيد” هو الحل الوحيد المتاح أمام المواطن؟ وهل تنعكس الخطط والبرامج الاقتصادية الحكومية قريباً على جيب المواطن لتعيد لمنتصف الشهر توازنه وهدوءه؟

  • البنوك تنحاز للمواطنين .. مرة أخرى

    البنوك تنحاز للمواطنين .. مرة أخرى

    بقلم : علاء القرالة
    عندما تختار البنوك ألا ترفع فوائد القروض على المواطنين رغم ارتفاع كلفة الأموال عليها، فهذه ليست مجرد معادلة مصرفية، بل رسالة واضحة بأن المسؤولية الاقتصادية لا تتوقف عند تحقيق العائد، وأن المواطن في الظروف الصعبة يجب أن يكون حاضرا في حسابات القطاع المصرفي، فهل هذه المرة الاولى لانحياز البنوك؟.
    القرار الأخير لجمعية البنوك في الأردن بعدم عكس الزيادة البالغة 25 نقطة أساس، الناتجة عن رفع البنك المركزي الأردني لأسعار فائدة أدوات السياسة النقدية، على أسعار فائدة القروض القائمة الممنوحة للأفراد، يعني ببساطة أن المقترض لن يدفع قسطا أعلى بسبب هذا القرار، وأن الأسر ستتجنب عبئا ماليا إضافيا في وقت تحتاج فيه إلى كل دينار.
    وقد يبدو رفع الفائدة بواقع ربع نقطة مئوية محدودا عند النظر إليه كنسبة، لكنه بالنسبة لمواطن لديه قرض طويل الأجل يمكن أن يعني زيادة في القسط الشهري والتكلفة الإجمالية للتمويل، ولذلك فإن عدم تحميل هذه الزيادة للمقترضين الحاليين يمثل خطوة مباشرة في حماية ميزانيات الأسر ومنحها مزيداً من الاستقرار.
    واللافت أن هذا القرار يأتي في وقت ترتفع فيه كلفة الأموال على البنوك، بما في ذلك أسعار الفائدة على الودائع، ما يعني أن القطاع المصرفي قرر في هذه الحالة تحمل جزء من الكلفة بدلا من نقلها كاملة إلى المقترضين الافراد، الذين بلغت قروضهم القائمة نحو 14 مليار دينار وفق بيانات نهاية عام 2024.
    هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها القطاع المصرفي الأردني دورا يتجاوز العلاقة التقليدية بين البنك والعميل، ففي جائحة كورونا، جرى تأجيل أقساط مئات الآلاف من العملاء دون تحميلهم فوائد أو عمولات تأخير، كما ساهمت البنوك في توفير التمويل والسيولة للشركات والقطاعات الاقتصادية المتضررة، بما ساعد على استمرار الأعمال وسلاسل التوريد في واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية، بالاضافة الى دورها في بناء المدارس والمسؤولية المجتمعية.
    صحيح أن البنوك مؤسسات تجارية ولها مساهمون ومصالح وعليها مسؤوليات تجاه استقرارها المالي، لكن استقرار البنك في النهاية يرتبط باستقرار عملائه والاقتصاد الذي يعمل فيه،فالمواطن الذي يستطيع الوفاء بالتزاماته هو مصلحة للبنك، والشركة التي تحصل على التمويل وتواصل إنتاجها هي مصلحة للاقتصاد والقطاع المصرفي معا.
    خلاصة القول، قد تختلف المصالح، لكن الحقيقة الثابتة أن اقتصادا مستقرا يحتاج بنوكا مستقرة، وبنوكا مستقرة تحتاج إلى مواطنين وشركات قادرين على الاستمرار والوفاء بالتزاماتهم، لهذا، فإن انحياز البنوك للمواطن في بعض الظروف ليس تنازلا عن مصالحها، بقدر ما هو استثمار باستقرار الاقتصاد الذي تنتمي إليه.

     

  • ظواهر أردنية

    ظواهر أردنية

    بقلم : بلال حسن التل
    تنتشر في الحياة العامة لبلدنا مجموعة من الظواهر السلبية لاتليق به ولا تليق بتاريخه السياسي والاجتماعي، فقد عرف القادة السياسيون والزعماء الاجتماعيون في بلدنا حتى عقود قريبة بالوضوح والصراحة والشجاعة في ابداء الراي، لانهم كانوا يؤمنون وهم على حق في هذا الإيمان بان الصراحة والوضوح قمة الإخلاص للوطن وقيادته وناسه، لان هذه الصفات هي التي تمنع استفحال الاخطاء التي تعصف ببنيان الدولة وتضعفه، كان ذلك قبل ان تظلنا سنوات ساد فيها رجال من صفاتهم ازدواجية الخطاب، فهؤلاء يقولون حول المسألة الواحدة في الغرف المغلقة خطابا يناقض تماما مايقولونه للرأي العام، ولعل هذه الممارسة من اهم اسباب فقدان الرأي العام الاردني لثقته بالشخصيات العامة في بلدي، يعزز هذا الفقدان ان الكثيرين من المسؤولين في بلدنا يتحولون الى معارضين وناقدين للاوضاع العامة في بلدنا، بعد خروجهم من مواقعهم الرسمية زاعمين ان الفساد منتشر في مؤسسات الدولة، حتى اذا عاد احدهم الى موقع من المواقع الرسمية، تنصل من كل ما قاله اثناء ابتعاده عن الموقع الرسمي، وهؤلاء هم الخطر الحقيقي على بلدنا، لانهم يلعبون دور المنافقين الذين يتخلون عن الوطن وقيادته في لحظة الشدة، تماما مثلما فعل المنافقون يومي احد والخندق.

    الظاهرة السلبية الثانية الطارئة على بلدنا، هي ظاهرة طوابير المهنئين اللذين يصطفون بالمئات على باب كل من يتسلم موقع رسمي متقدم في الدولة، في ممارسة اخرى من ممارسات النفاق، ذلك ان الغالبية الساحقة من الذين يصطفون لتهنئة المسؤل لايعرفونه مثلما انه لايعرفهم، ومع ذلك فانهم لايترددون عن كيل المديح لمن لايعرفونه ولا يعرفون شيئا عنه، في نفس الوقت الذين يكيلون فيه النقد لسلفه، بالرغم انهم اصطفوا قبل ذلك على باب السلف ليمدحوه على قاعدة اعطي السيف لباريه!. وهي ممارسة لن تكن معروفة لدينا الى عقود قريبة، لم يكن قد استشرى في حياتنا الرياء الاجتماعي. حمى الله بلدنا وقيادته منه.

  • ولي العهد يرسم خريطة الأولويات الوطنية

    ولي العهد يرسم خريطة الأولويات الوطنية

    بقلم : مكرم الطراونة
    حديث نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، خلال ترؤسه جانبا من جلسة مجلس الوزراء، يمكن قراءته من زاويتين متداخلتين؛ الأولى تتصل بحياة الأردنيين اليومية وما ينتظرونه من مؤسساتهم، والثانية تتعلق بكيفية حماية الأردن ومصالحه الاقتصادية في محيط إقليمي شديد الاضطراب.

    الملفات التي توقف سموه عندها تمس المواطن بشكل مباشر، كتوفر السلع، والأسعار، والسياحة وفرص العمل، والخدمات الحكومية الرقمية، والصحة، وكفاءة الإدارة، وصولا إلى قدرة الدولة على اتخاذ القرار استنادا إلى بيانات دقيقة. وفي الوقت نفسه، حضرت قضايا النقل والشحن وسلاسل التوريد والمخزون الإستراتيجي والعلاقات الاقتصادية الخارجية، وهي ملفات تتصل مباشرة بقدرة الأردن على الصمود في بيئة إقليمية متقلبة.
    دعوة ولي العهد إلى التعامل مع سلاسل التوريد بوصفها “أولوية وطنية”، والحفاظ على مخزون إستراتيجي من المواد والسلع الأساسية، تكتسب دلالة تتجاوز الإدارة اليومية للسوق نحو مفهوم أوسع للأمن الوطني، وسط منطقة مضطربة لا يمكن التنبؤ بتقلباتها، وهو أمر يحتاج، إضافة للقدرة الأمنية والعسكرية، إلى قدرة اقتصادية ولوجستية تحمي حياة الناس من آثار الأزمات للمحافظة على انتظام الاقتصاد.
    ولم يتوقف سموه عند إدارة تداعيات الأزمة الراهنة، وإنما انتقل إلى ما ينبغي أن تفعله الحكومة للاستفادة من التحركات التي يقودها جلالة الملك مع دول العالم، فالزيارات واللقاءات الملكية، والاتفاقات التي وقعت فيها، ينبغي أن تتحول إلى برامج ومشروعات قابلة للقياس والتنفيذ، وأن تنتقل الفرص من مستوى العلاقات والاتفاقيات إلى الاقتصاد الحقيقي القادر على تحسين مستوى المعيشة، وهو ما أكد عليه سموه بوضع مصلحة المواطنين وتحسين مستواهم المعيشي معيارا أعلى لقياس نجاح السياسات العامة.
    هذا النهج يظهر، أيضا، في حديثه عن السياحة التي تعتبر قطاعا يتشابك مع النقل والفنادق والمطاعم والحرف والأسواق والمجتمعات المحلية وفرص العمل. لذلك فإن حديث سموه يركز على إدارة المواقع السياحية، وتنويع الأسواق المستهدفة، وتحسين تجربة الزائر، وهي مشكلات تشغيلية محددة، وليس حديثا تقليديا عن أهمية القطاع.
    الأمر نفسه ينطبق على التكنولوجيا التي ينبغي أن تسهل حياة المواطن، وأن القيمة الحقيقية للتحول الرقمي تكمن في مقدار الوقت والجهد والكلفة التي توفرها على الناس، وفي قدرتها على إيصال الخدمة إلى المواطن أينما كان.
    ربما كان حديث سموه عن البيانات والذكاء الاصطناعي من أكثر النقاط ارتباطا بمستقبل الإدارة الحكومية. الدولة الحديثة لا تستطيع إدارة مؤسساتها وملفاتها اعتمادا على تقديرات عامة أو بيانات متفرقة ومتأخرة، فتحسين إدارة البيانات الحكومية يعني الانتقال تدريجيا نحو قرار يستند إلى المعلومة، ويمكن من خلاله اكتشاف المشكلة مبكرا، وقياس أثر السياسات، وتوجيه الموارد إلى المكان الذي تحتاج إليه فعليا.
    اجتماع هذه الملفات معا في حديث ولي العهد، يضعنا أمام خريطة طريق واضحة لأولويات المرحلة، وهي أولويات تبدأ بدولة تحمي حدودها وأمنها، وتديم سلاسل إمدادها ومخزونها، وتبحث عن فرص سياسية واقتصادية في الخارج لتحويلها إلى نتائج في الداخل. كل هذا بالتوازي مع تطوير بنيتها التحتية وقطاعاتها الاقتصادية، لتحسين حياة المواطن.
    متابعة سموه لهذه الملفات، لا بد أن ترفع سقف المسؤولية التنفيذية الملقاة على الحكومة، وتسرع من إنجازها، خصوصا أن الملفات تتعلق بمستقبل الأردن وجغرافيته التي لم يخترها طواعية، بل فرضت عليه، كما تتعلق بحياة المواطن ورفاهه.
    في محيط ملتهب، كان الأردن على الدوام يعمد إلى إدارة المخاطر والاستعداد لها، وفي الوقت ذاته يواصل البناء استعدادا للمستقبل. هذه هي الدلالة الأهم في حديث ولي العهد، فمواجهة الظروف الإقليمية لا تعني تجميد خطط الأردن، وإنما زيادة قدرته على الحركة، وحماية ما لديه من منجزات، وأيضا استثمار الفرص المتاحة أمامه من أجل مستقبل أفضل لأبنائه.

  • توجيهات ولي العهد .. أولوية التنفيذ في زمن التحديات

    توجيهات ولي العهد .. أولوية التنفيذ في زمن التحديات

    بقلم : راشد الرواشدة
    حين يتابع نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، عمل الحكومة من داخل مجلس الوزراء، فإن المشهد يتجاوز حدود الاجتماع الحكومي إلى صورة أوسع من المتابعة الملكية لمسار الدولة، والحرص على أن تظل الأولويات الوطنية حاضرة في تفاصيل العمل التنفيذي، وأن تتحول الرؤية إلى برامج، والبرامج إلى إنجازات يشعر بها المواطن.
    وتأتي توجيهات سمو ولي العهد في هذا السياق لتمنح العمل الحكومي دفعة جديدة نحو مزيد من التركيز والسرعة والاستعداد؛ فملفات سلاسل التوريد، والسياحة، والانفتاح الاقتصادي على العالم، وتطوير الخدمات الرقمية، وإدارة البيانات والذكاء الاصطناعي، ليست ملفات منفصلة، وإنما حلقات في مشروع وطني واحد عنوانه تعزيز قدرة المملكة على مواجهة المتغيرات، والاستفادة من الفرص، ومواصلة مسيرة التحديث بثقة وثبات.
    واللافت في هذه التوجيهات أنها تجمع بين قراءة دقيقة للظرف الإقليمي وبين نظرة إلى المستقبل؛ فالتعامل مع تداعيات التصعيد لا يأتي على حساب البناء، والاستعداد للمخاطر لا يلغي البحث عن الفرص، بل يتزامن معه، وفي ذلك تتجلى أهمية الدور الذي يضطلع به سمو ولي العهد في متابعة الملفات الوطنية، ودفع المؤسسات إلى مواصلة التطوير، وربط العمل الحكومي باحتياجات المواطن وطموحات الدولة.
    كما أن توجيه الحكومة إلى البناء على جهود جلالة الملك عبدالله الثاني في فتح آفاق سياسية واقتصادية مع مختلف دول العالم، وترجمة ذلك إلى خطط تنفيذية واضحة ومحددة زمنياً، يعكس تكاملاً بين الرؤية الملكية والعمل الحكومي؛ رؤية تفتح للأردن أبواباً جديدة، وحكومة تتولى تحويل هذه المساحات إلى فرص ومشاريع ونتائج.
    ومن هنا، فإن ما حملته جلسة مجلس الوزراء من توجيهات لا يمكن قراءته فقط في إطار الملفات المطروحة، بل بوصفه تأكيداً على نهج أردني يقوم على الاستباق، والاستعداد، والاستثمار في الفرص، وعلى أن يبقى المواطن في مركز السياسات والقرارات، فيما تواصل مؤسسات الدولة أداء دورها في حماية الاستقرار وتعزيز مسيرة التنمية والتحديث.

     

  • رسائل ولي العهد .. المواطن أولاً

    رسائل ولي العهد .. المواطن أولاً

    بقلم : علاء القرالة
    لم يكن اجتماع مجلس الوزراء، الذي ترأس جانبا منه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، مجرد اجتماع لمتابعة ملفات حكومية، بل حمل بتفاصيله رسائل واضحة تتصل بأولويات المرحلة المقبلة، عنوانها حماية الاقتصاد، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات الإقليمية، ووضع المواطن في مقدمة الاهتمام الحكومي، فما أهمية هذه الرسائل.
    الرسالة الأبرز كانت اقتصادية بامتياز، خصوصا في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة وما يمكن أن يتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على حركة التجارة والنقل والأسواق، وهنا جاء تأكيد سموه على التعامل مع سلاسل التوريد باعتبارها أولوية وطنية، والحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع والطاقة، بما يعكس توجها نحو الاستعداد المسبق بدلا من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها.
    وفي المقابل، جاءت الرسالة المتعلقة بالمواطن واضحة ومباشرة، ومفادها أن لا قيمة للخطط والبرامج إذا لم تنعكس على حياة الناس ومستوى معيشتهم، موجها الحكومة إلى وضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات لتكون معيار نجاح السياسات والإجراءات التي لا ينبغي أن تكون فقط في حجم المشاريع التي تنفذ، وإنما في أثرها الفعلي على المواطنين.
    ومن هنا أيضا تأتي أهمية التوجيه بإعداد خطط تنفيذية مرتبطة بأطر زمنية، وهي رسالة إدارية لا تقل أهمية عن الرسائل الاقتصادية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى سرعة في التنفيذ ووضوح في المسؤوليات ومواعيد محددة للإنجاز، حتى لا تبقى الخطط في إطار العناوين العامة أو البرامج التي يصعب قياس نتائجها.
    أما قطاع السياحة، فقد حضر باعتباره أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني، ليس فقط من زاوية زيادة أعداد الزوار، وإنما من خلال تحسين إدارة المواقع السياحية وتطوير تجربة السائح وتنويع الأسواق المستهدفة، وهذا يعني أن المنافسة السياحية اليوم لا تتعلق بامتلاك المواقع والمنتجات السياحية فقط، وإنما بكفاءة إدارتها والقدرة على تسويقها.
    سموه ايضا أشار الى ملف الرقمنة وتطبيق سند ومركز الصحة الرقمية، داعيا الحكومة لتحسين إدارة البيانات الحكومية، فالذكاء الاصطناعي لن يكون أكثر فاعلية من البيانات التي تعتمد عليها المؤسسات الحكومية، وذلك لأنه كلما كانت البيانات دقيقة ومتكاملة ومتاحة بالوقت المناسب، أصبحت قدرة الحكومة على قراءة المؤشرات واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة أكبر.
    خلاصة القول، الرسالة الأهم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة تتحرك بسرعة، وتضع أهدافا قابلة للقياس، وتعرف أن المواطن هو المستفيد النهائي من كل هذه السياسات، فالاقتصاد القادر على مواجهة الأزمات، والسياحة القادرة على النمو، والخدمات الرقمية القادرة على التسهيل، وسلاسل التوريد القادرة على الاستمرار، كلها في النهاية أدوات هدفها الأساسي تعزيز الاستقرار وتحسين حياة الأردنيين.
    لم يكن اجتماع مجلس الوزراء، الذي ترأس جانبا منه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، مجرد اجتماع لمتابعة ملفات حكومية، بل حمل بتفاصيله رسائل واضحة تتصل بأولويات المرحلة المقبلة، عنوانها حماية الاقتصاد، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات الإقليمية، ووضع المواطن في مقدمة الاهتمام الحكومي، فما أهمية هذه الرسائل.
    الرسالة الأبرز كانت اقتصادية بامتياز، خصوصا في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة وما يمكن أن يتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على حركة التجارة والنقل والأسواق، وهنا جاء تأكيد سموه على التعامل مع سلاسل التوريد باعتبارها أولوية وطنية، والحفاظ على مخزون استراتيجي من السلع والطاقة، بما يعكس توجها نحو الاستعداد المسبق بدلا من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها.
    وفي المقابل، جاءت الرسالة المتعلقة بالمواطن واضحة ومباشرة، ومفادها أن لا قيمة للخطط والبرامج إذا لم تنعكس على حياة الناس ومستوى معيشتهم، موجها الحكومة إلى وضع مصلحة المواطن في مقدمة الأولويات لتكون معيار نجاح السياسات والإجراءات التي لا ينبغي أن تكون فقط في حجم المشاريع التي تنفذ، وإنما في أثرها الفعلي على المواطنين.
    ومن هنا أيضا تأتي أهمية التوجيه بإعداد خطط تنفيذية مرتبطة بأطر زمنية، وهي رسالة إدارية لا تقل أهمية عن الرسائل الاقتصادية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى سرعة في التنفيذ ووضوح في المسؤوليات ومواعيد محددة للإنجاز، حتى لا تبقى الخطط في إطار العناوين العامة أو البرامج التي يصعب قياس نتائجها.
    أما قطاع السياحة، فقد حضر باعتباره أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني، ليس فقط من زاوية زيادة أعداد الزوار، وإنما من خلال تحسين إدارة المواقع السياحية وتطوير تجربة السائح وتنويع الأسواق المستهدفة، وهذا يعني أن المنافسة السياحية اليوم لا تتعلق بامتلاك المواقع والمنتجات السياحية فقط، وإنما بكفاءة إدارتها والقدرة على تسويقها.
    سموه ايضا أشار الى ملف الرقمنة وتطبيق سند ومركز الصحة الرقمية، داعيا الحكومة لتحسين إدارة البيانات الحكومية، فالذكاء الاصطناعي لن يكون أكثر فاعلية من البيانات التي تعتمد عليها المؤسسات الحكومية، وذلك لأنه كلما كانت البيانات دقيقة ومتكاملة ومتاحة بالوقت المناسب، أصبحت قدرة الحكومة على قراءة المؤشرات واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة أكبر.
    خلاصة القول، الرسالة الأهم أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى حكومة تتحرك بسرعة، وتضع أهدافا قابلة للقياس، وتعرف أن المواطن هو المستفيد النهائي من كل هذه السياسات، فالاقتصاد القادر على مواجهة الأزمات، والسياحة القادرة على النمو، والخدمات الرقمية القادرة على التسهيل، وسلاسل التوريد القادرة على الاستمرار، كلها في النهاية أدوات هدفها الأساسي تعزيز الاستقرار وتحسين حياة الأردنيين.