التصنيف: أقلام

  • ولي العهد في مجلس الوزراء .. المتابعة التي تربط الرؤية بالإنجاز

    ولي العهد في مجلس الوزراء .. المتابعة التي تربط الرؤية بالإنجاز

    بقلم : د. خالد الشقران
    يحمل ترؤس نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، جانبا من جلسة مجلس الوزراء، دلالات عميقة تتصل بمنهج إدارة الدولة وأولويات المرحلة، حيث تأتي المتابعة المباشرة للعمل الحكومي في وقت يحتاج فيه الأردن إلى أعلى درجات الكفاءة في تحويل الرؤى والتوجيهات إلى برامج تنفيذية ونتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطن ومستوى الخدمات والفرص الاقتصادية. فيما يضع حضور سمو ولي العهد في مجلس الوزراء التنفيذ في صلب عملية صنع السياسات، ويربط بين القرار الحكومي ومسؤولية متابعته وقياس أثره.
    وتتضح اكثر أهمية هذه المتابعة عندما ترتبط بالجهد الذي يقوده جلالة الملك في بناء علاقات سياسية واقتصادية واسعة مع مختلف دول العالم، لا سيما وأن الحضور الأردني في المحافل الدولية، والعلاقات التي يجري تطويرها مع الدول الشقيقة والصديقة، تفتح مساحات أمام الاستثمار والتجارة والطاقة والسياحة والتكنولوجيا، فيما تقع على عاتق الحكومة مسؤولية تحويل هذه المساحات إلى فرص عملية ومشاريع وشراكات وبرامج قابلة للتنفيذ. ومن هنا تأتي أهمية وجود خطط محددة، ومسؤوليات واضحة، وأطر زمنية قابلة للقياس، حتى تنتقل نتائج الحراك الخارجي إلى الاقتصاد الوطني والمواطن بصورة مباشرة.
    ويعكس هذا الربط بين السياسة الخارجية والتنفيذ الاقتصادي طبيعة المرحلة التي تحتاج فيها الدولة إلى إدارة متكاملة للفرص والتحديات، إذ إن كل اتفاق أو شراكة أو انفتاح اقتصادي يحتاج إلى جهاز حكومي قادر على المتابعة، وتحديد الأولويات، وإزالة العوائق، وقياس النتائج، في حين تظهر القيمة الحقيقية لأي جهد اقتصادي في حجم الاستثمار الذي يدخل، والوظائف التي تتولد، والأسواق التي تفتح أمام المنتجات الأردنية، والمشاريع التي ترى النور، والخدمات التي تتحسن.
    ومن هذه الزاوية تبرز التكنولوجيا باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لرفع كفاءة مؤسسات الدولة وتعزيز علاقتها بالمواطن، حيث تقدم التجارب التي تحققت في مجالات الصحة الرقمية والخدمات الحكومية أساسا مهما لتوسيع نطاق التحول الرقمي، بحيث تصبح التكنولوجيا جزءا من بنية الإدارة العامة وطريقة تقديم الخدمة واتخاذ القرار. وكل تجربة ناجحة في هذا المجال يمكن أن تتحول إلى نموذج قابل للتوسع، خصوصا عندما تقترن بالبيانات الدقيقة والربط بين المؤسسات وتبسيط الإجراءات.
    وتزداد أهمية هذا المسار مع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، الذي يفتح مجالا واسعا أمام تطوير الإدارة الحكومية من خلال تحليل البيانات، واكتشاف الاتجاهات، وتحسين التخطيط، وتحديد الاحتياجات بصورة أسرع وأكثر دقة، غير أن الاستفادة الحقيقية من هذه الأدوات تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بجودة البيانات وتوحيدها، وتمر بحوكمتها وحمايتها، وتنتهي باستخدامها في القرار والخدمة والتخطيط، إذ إن امتلاك البيانات الصحيحة في الوقت المناسب يساعد على زيادة القدرة على فهم الواقع وتحديد الأولويات والاستجابة للمتغيرات.
    وترتبط كفاءة الإدارة الرقمية بصورة مباشرة بكفاءة إدارة القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية، وفي مقدمتها القطاع السياحي. فالسياحة تمثل موردا اقتصاديا مهما للأردن، وتحتاج في الظروف الإقليمية الراهنة إلى سياسات تحافظ على قدرتها التنافسية وتدعم استدامة تدفقات الزوار. وهذا يتطلب تنويع الأسواق، وتطوير المنتجات السياحية، وتحسين تجربة السائح، والاستفادة من أدوات التسويق الرقمي، وتعزيز الربط بين السياحة والنقل والخدمات والاستثمار. وكلما تنوعت الأسواق والمنتجات، أصبحت قدرة القطاع على التعامل مع المتغيرات الإقليمية.
    أما ملف استمرارية سلاسل التوريد، الذي حظي باهتمام سمو ولي العهد، فيكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، نظرا لارتباطه المباشر بالأمن الاقتصادي وقدرة الدولة على حماية احتياجات السوق المحلية في مختلف الظروف. فتوجيه سموه إلى ضمان استمرارية تدفق السلع وتوفير مخزون استراتيجي بمستويات آمنة يعكس رؤية تقوم على الاستعداد المسبق وإدارة المخاطر قبل تحولها إلى ضغوط على الأسواق. وفي ظل اضطراب بعض الممرات التجارية الدولية واحتمالات تعطل خطوط الإمداد، تصبح تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز قدرات التخزين والنقل، وتأمين البدائل اللوجستية، وتحديد مستويات المخزون وفق سيناريوهات الطوارئ، مكونات أساسية لمنظومة الأمن الاقتصادي. وهي مقاربة تمنح الدولة قدرة أكبر على امتصاص الصدمات والحفاظ على انتظام الأسواق واستقرار توفر السلع، بما يحمي المواطن والاقتصاد الوطني من تداعيات الأزمات المفاجئة.
    وهنا يظهر الموقع الجغرافي للأردن كعنصر يمكن توظيفه في بناء منظومة اقتصادية أكثر قدرة على الصمود. فالممرات البرية والموانئ وشبكات النقل والطاقة تمنح الأردن فرصا لتطوير دوره في حركة التجارة الإقليمية، وتحويل بعض تحديات الجغرافيا السياسية إلى فرص في الخدمات اللوجستية والنقل والتخزين وإعادة التصدير. بيد أن تحقيق ذلك يحتاج إلى بنية تحتية كفؤة، وتشريعات مرنة، وخدمات رقمية، وتنسيق مستمر بين المؤسسات المعنية.
    وفي موازاة هذه الملفات الاقتصادية والإدارية، جاءت الرسائل المتعلقة بقوة مؤسسات الدولة وتماسك المجتمع وشكر القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لتضع كل هذه الجهود في إطارها الأوسع المتمثل بحماية الاستقرار الوطني، فالأمن يمثل البيئة التي تتحرك داخلها التنمية والاستثمار والسياحة والتجارة، وقوة المؤسسات وقدرتها على التعامل مع الظروف الاستثنائية توفر للمواطن والاقتصاد مساحة من الثقة والاستمرارية في منطقة تشهد تحولات وضغوطا متلاحقة.
    كما أن تماسك المجتمع يشكل عنصرا أساسيا في قدرة الدولة على التعامل مع الأزمات، حيث تحتاج المؤسسات القوية إلى الإسناد من مجتمع متماسك، والمجتمع المتماسك يحتاج بدوره إلى دولة حاضرة وقادرة على إدارة الأزمات وحماية المصالح العامة وتقديم الخدمات، ومن هنا تأتي أهمية الرسائل التي تعزز الثقة بالمؤسسات وتؤكد جاهزيتها، خصوصا في ظل البيئة الإقليمية المضطربة.
    وعند جمع هذه الملفات في سياق واحد، تتضح الصورة بصورة أكثر تكاملا. حيث تقود المتابعة السياسية إلى تحديد الأولويات، والأولويات تحتاج إلى خطط تنفيذية، والخطط تحتاج إلى بيانات دقيقة، والبيانات ترفع جودة القرار، والتكنولوجيا تعزز كفاءة التنفيذ، والاقتصاد يحتاج إلى بيئة مستقرة وسلاسل توريد آمنة، والاستثمار والسياحة والتجارة تحتاج إلى دولة قادرة على الاستجابة للمتغيرات، وهكذا تتصل الملفات التي تبدو منفصلة في ظاهرها ضمن منظومة واحدة عنوانها رفع قدرة الدولة على الإنجاز والصمود.
    ومن هنا تبرز قيمة حضور سمو ولي العهد في مجلس الوزراء باعتباره جزءا من ثقافة مؤسسية تضع المتابعة والإنجاز في مقدمة العمل العام، حيث يحتاج التحديث الاقتصادي والإداري والرقمي إلى متابعة مستمرة تمنع تراكم التأخير، وتكشف مواطن الخلل، وتدفع نحو تصحيح المسار، وتربط المسؤولية بالنتيجة، الأمر الذي يحقق المصلحة الوطنية العامة، وفي الوقت نفسه يلبي رغبات واحتياجات المواطن الذي يتعامل في النهاية مع المؤسسات من خلال ما يراه ويلمس أثره عبر خدمة أكثر كفاءة، وإجراء أكثر سهولة، واقتصاد أكثر قدرة على توفير الفرص، وأسواق أكثر استقرارا، وبيئة أكثر أمنا.
    وتحمل هذه الرؤية أهمية خاصة للأردن في هذه المرحلة، لأن التعامل مع المتغيرات المحيطة يحتاج إلى جهود مؤسسية تعمل بعقلية المبادرة والاستباق، وتعرف كيف تحافظ على الاستقرار وفي الوقت ذاته تستثمر الفرص التي تتيحها التحولات الإقليمية والدولية. بيد أن قوة الجهود المؤسسية ترتبط بقدرتها على الجمع بين المحافظة على الاستقرار والتحديث، وبين حماية المصالح الوطنية وتوسيع فرص الاقتصاد، وبين القرار السريع والتنفيذ المنضبط.
    لهذا فإن ترؤس سمو ولي العهد جانبا من جلسة مجلس الوزراء يمكن قراءته في سياق أوسع يقوم على تعزيز الصلة بين الرؤية والقرار والتنفيذ. فالرؤية الوطنية تكتسب قوتها من قدرتها على التحول إلى سياسات، والسياسات تكتسب قيمتها من قدرتها على إنتاج نتائج، والنتائج هي التي تصنع الأثر الحقيقي في حياة المواطنين. وفي هذه المعادلة تحديدا تصبح المتابعة أداة لضمان أن تسير مؤسسات الدولة في الاتجاه نفسه، وأن تتحول الأولويات الوطنية إلى إنجازات محسوسة، وأن يبقى المواطن في مركز عملية التحديث والتنمية.

     

  • > تهدد تماسك إسرائيل

    << اعتداءات المستوطنين >> تهدد تماسك إسرائيل

    بقلم : عماد عبد الرحمن
    في ظل تزايد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، ضد المواطنين الفلسطينيين، تعترف مراكز الدراسات هناك أن تزايد الهجمات ضد المواطنين الفلسطينيين العزّل، تحول إلى تهديد إستراتيجي يهدد قدرة المؤسسات الإسرائيلية على فرض سيطرتها على الأوضاع الأمنية، خصوصا وأن تل أبيب تعمل حاليا على طرح نفسها جزءا من منظومة الأمن الأقليمي الجديدة، التي تتشكل نتيجة الحرب في الخليج وتداعيات التهديدات الحوثية لأمن البحر الأحمر.
    المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي ربط في تقرير صدر الشهر الحالي عن فريق » من الصراع الى التسويات» بين تصاعد الاعتداءات من قبل المستوطنين على الفلسطينيين، وعدم قدرة الأجهزة والمؤسسات الإسرائيلية، على إنفاذ القانون، ما يهدد بتآكل سلطة مؤسسات الأمن وضبط النظام، وسيادة القانون، خصوصاً وأن إسرائيل تروج لنفسها كونها دولة قانون ومؤسسات وتحظى بدعم العديد من دول العالم انطلاقاً من هذا الإدعاء.
    التقرير، استند إلى أرقام صادرة عن المؤسسات الأمنية، والتي أفادت بوقوع 660 حادثة إعتداء «جرائم قومية»، خلال النصف الأول من العام 2026، بزيادة نسبتها 63 بالمئة مقارنة بالنصف الثاني من العام 2025، هذا أدى الى استشهاد ستة فلسطينيين وإصابة أكثر من 140 فلسطينيا، نتيجة هذه الإعتداءات.
    الجديد في الموضوع ليس الاعتداءات على النساء والأطفال وكبار السن الفلسطينيين في مدنهم وقراهم، لأن هذا واقع منذ بداية الإحتلال، لكن الدلالة الأهم في التقرير هو الانتقال من توصيف الإعتداءات بإعتبارها مشكلة في الضفة الغربية الى ربطها مباشرة بالأمن القومي الإسرائيلي، بالتالي فإن اضطرار قوات الإحتلال الى تخصيص قوات لمواجهة اعتداءات المستوطنين يحد من قدرته على تنفيذ المهام، الأمر الذي قد يؤدي إلى إعتداءات مستمرة دون حسيب أو رقيب.
    أضف الى ذلك، يبلور التقرير مشكلة أعمق تتعلق بعلاقة المؤسسات الأمنية والسياسية مع المستوطنين، خصوصا في ظل اقتراب موعد الانتخابات، فالملاحقة القضائية أو الإفراج السريع عن المستوطنين الموقوفين، وغياب الإدانة او الموقف السياسي الواضح والصريح، يشجع المستوطنين على ارتكاب المزيد من هذه الإعتداءات، والإعتقاد بأن لديهم حصانة فعلية مع ضمان الاكتفاء بالمساءلة الشكلية.
    وفي الجانب السياسي يتمخض عن هذه السياسة إضعاف لمؤسسات السلطة الفلسطينية، ويزيد الضغوط عليها بالعودة للعمل المسلح لمقاومة المستوطنين وردعهم، ما يمهد للانفجار الأمني الشامل في الضفة الغربية، وبما يهدد بإنعكاسات إقليمية، ويلحق ضررا كبيرا بعلاقات إسرائيل مع دول الجوار بشكل خاص ودول المنطقة بشكل عام، خصوصا وان الحديث جار الآن عن ترتيبات إقليمية جديدة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة المشروع التمددي الإيراني، قالمفارقة واضحة، ففي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى تقديم نفسها كشريك أمني في المنطقة لتكون جزءا من المنظومة الأمنية لحماية أمن البحر الأحمر وإمدادات الطاقة، فإن استمرار إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية قد يتحول إلى عامل يضعف قدرتها على بناء شراكات مع دول الاعتدال في المنطقة.
    وإذا لم تنتبه الإدارة السياسية الإسرائيلية لمسألة تعزيز سلطة القانون ولجم اعتداءات المستوطنين وتنسيق عمل المؤسسات بعيدا عن أجندات المتطرفين التي تقود للهاوية، وتعزيز سلطة المؤسسات الأمنية وإخلاء البؤر الاستيطانية من الضفة الغربية، وتطبيق القانون على مرتكبي الاعتداءات من المستوطنين، قد يرتد كل ذلك على دولة الاحتلال ذاتها أمنيا وسياسيا، من خلال تحول إرهاب المستوطنين من أداة ضغط على الفلسطينيين بقصد التهجير إلى عامل استنزاف لإسرائيل وصورتها امام العالم الذي تراهن على دعمه طوال الوقت.

  • أصلحوا المعلومة .. قبل أن تتحدث الآلة

    أصلحوا المعلومة .. قبل أن تتحدث الآلة

    بقلم : فلحة بريزات
    * عندما يصبح الوزير خوارزمية *

    ماذا لو استيقظنا غداً على حكومة يتولى فيها “وزير اتصال” افتراضي مهمة مخاطبة المواطنين، من دون مؤتمرات صحفية أو بيانات تقليدية؟

    هذا السؤال لم يعد درباً من الخيال؛ فالواقع الرقمي يشهد تحولات متسارعة، إذ حملت الوزيرة الافتراضية “ديلا” حقيبة مكافحة الفساد في حكومة ألبانيا لتقليص التدخل البشري وتحييد تضارب المصالح، فيما أطلقت حكومتنا “فرح” ناطقة رقمية تتولى مخاطبة المواطنين.

    قد تبدو التجربتان متباينتين في الغاية، لكنهما تكشفان تحولاً بنيوياً أعمق: لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية هامشية في العمل الحكومي، بل اقتحم مؤسسات الدولة وبدأ يتحدث باسمها في مساحات كانت حكراً على الإنسان.

    ما يستوقفني ليس المفاضلة بين التجربتين، بل ما ينبغي أن يسبق الاحتفاء بهذه الابتكارات محلياً؛ ألا وهو دمج التقنيات في إصلاح فعلي لإدارة المعلومة الحكومية برمتها، لا الاكتفاء بلصق واجهة عصرية على إدارة كلاسيكية. فحين تنطق آلة باسم الحكومة، لا يعود المحك محصوراً بسرعة ردودها، بل يمتد إلى المعلومات التي تستند إليها ومصادر توثيقها؛ فالخوارزمية وإن كانت قادرة على صياغة الأجوبة، ستظل عاجزة عن إنشاء معلومة ذاتية تتجاوز المعطيات المُلقاة في حَجرِها.

    من هنا يَتکشف الاختبار الحاسم للناطقة الرقمية؛ فهو لا يكمن في طلاقة أجوبتها، بل في منعة بيانات الحكومة وقدرتها على التمييز بين المعلومة الرسمية والتفسير، فضلاً عن رسم الحدود بين ما يُبتُ فيه آلياً وما يستوجب تقديراً بشرياً. فالمواطن لا يعنيه الاستماع إلى نظام ذكي، ما لم ينتهِ إلى حقائق تروي ظمأه المعرفي.

    وهنا يبرز التساؤل أمام الحكومة: هل البنية المؤسسية مستعدة حقاً لهذا التحول؟ إن الاستعداد شرط حتمي؛ فلن تستطيع “فرح” رتق التصدعات في بُنية معلوماتية مشتتة بين الوزارات تفتقر للتحديث والتصنيف. فإذا كانت المعلومات الأساسية منقوصة؛ ويشوبها التعتيم، فلن تنقلب إلى حقيقة ساطعة لمجرد أن آلة صماء تولت زخرفتها. فجودة المُخرجات تظل رهينة بسلامة المدخلات.

    وفي هذا السياق، تؤكد التجارب العالمية أن قيمة الذكاء الاصطناعي لا تُقاس ببراعة البروفايل وأناقته، بل بصلابة شبكة البيانات ومنظومة الحوكمة التي تقف خلفه؛ فمثلاً وظفت سنغافورة ناطقة لتطوير الخدمات، بينما اختارت الخارجية الأوكرانية “فيكتوريا” لإدارة الشؤون القنصلية.

    قد يمنح الذكاء الإدارة سرعة التواصل، لكنه لا يكفل تعزيز الشفافية؛ فالمكاشفة لا ترتهن بسرعة الاستجابة، بل بيُسر الوصول إلى المعلومة ودقتها وجلاء مصدرها والقدرة على الاعتراف بالخطأ وتصويبه.

    ولا يتوقف الأمر عند حدود التقنية وحسب، بل يفتح اقتحام الآلة فضاء الخطاب الرسمي الباب أمام محاذير سياسية؛ حيث تطل برأسها معضلة تسليع المعلومة وتوجيهها، فقد تكتسي المخرجات رداء الدعاية لأمزجة مؤسسية، فتتحول التقنية من أداة تواصل إلى بوق يعكس هوى السلطة لا حاجة المواطن.

    وتطل برأسها أيضاً مسألة عدالة الوصول إلى المعلومة؛ فالناطقة الرقمية تفترض ضمناً مواطناً مندمجاً تقنياً، فما ذنب من يفتقرون للمهارات الرقمية؟ فإن كانت المعلومة حقاً أصيلاً لكل مواطن، فلا ينبغي أن تختزل في تطبيق أو أداة.

    لهذا كله، يغدو إطلاق الأيقونة الرقمية خطوة شكلية، إن لم يندرج في صلب بنية حكومية لإدارة المعلومات وتدفقها بشفافية وسرعة؛ لتكون مرآة دقيقة ترتبط بمنصة “حقك تعرف” بعد نفض ركام الإهمال عنها، وتغدو مرجعية وطنية تجمع القرارات والوثائق والأرقام ومصادرها الموثوقة، مانحة المواطن والصحفي حق الوصول والتدقيق بعيداً عن تقاذف البيانات بين المواقع والمنصات المعزولة.

    وفي هذا المرتكز بالذات، يجب ألا ينكمش دور الصحافة الحرة أو يتقهقر أمام طغيان المستجدات الرقمية، بل يتضاعف دورها شأناً وعمقاً؛ فوظيفتها لا تقف عند حدود اجترار ما تبثه الحكومة وناطقها، بل تتجاوزه للنفاذ إلى ما وراء الإجابات الجاهزة والروايات الرسمية؛ تبحث، تقارن، وتنبش عما تغفله الواجهات الرقمية، لا سيما أن المشكلة ليست تقنية فقط، بل في طريقة إدارة المعلومة وإتاحتها، ولأن فائض الإجابات قد يعقد وصول المواطن إلى الأهم وسط هذا الزحام.

    إن إقحام الذكاء الاصطناعي يظل خطوة منقوصة؛ ما لم يواكبها غربلة جادة في الإدارات وسياسات الإعلام؛ وإلا فإننا سنكون أمام غطاء رقمي فاره لبيروقراطية عتيقة تتغير مظاهرها بينما يظل جوهر التفكير على حاله. وهذا هو الوجه الأكثر خطورة لـ “الغسل الرقمي”: أن تتجمل الإدارة شكلياً دون أن تتغير في عمق جوهرها.

    فحين نسخر الذكاء الاصطناعي لتجميل المظهر الإداري، فنحن لا نغادر المربع البيروقراطي، بل نمنحه حنجرة أعلى صوتاً وواجهة أكثر لمعاناً لإنتاج إجابات معلبة.

    أما إذا استُثمر التقدم الرقمي لترتيب بيت المعلومات الحكومية، بحيث تستقيم البيانات وتتضح المصادر وتتحدد المسؤوليات، فقد نكون أمام ومضة أمل لإصلاح حقيقي.

    من هنا، لا يكفي التغني بهذه المبادرات، بل يفرض الواجب إخضاعها لتقييمات علمية ومستقلة تمحص دقة المخرجات ومصادرها مع نشر نتائجها بشفافية. فصرح الثقة لا يُبنى بالإعلانات البراقة، بل بالمحاسبة والقدرة على تقويم الاعوجاج؛ فالمعيار الحقيقي لا يقف عند امتلاك أداة تضخ الكلام بسرعة، بل في قدرة الإدارة الحكومية على إعادة هندسة علاقتها بالمعلومة والمواطن.

    وخلاصة القول، لا ينبغي أن يبلغ الطموح الحكومي مداه بمجرد إنابة الزميلة “فرح” للثرثرة بالنيابة عنها، بل أن ترتقي كفاءة الإدارة نحو شفافية أعمق، ومكاشفة أجرأ، ووضوح أشد في تحديد المسؤوليات.

    وحين تبلغ هذه الغاية، فلن تكون بصدد إنجاز تقني عابر، بل أمام فرصة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين.
    وربما… في غمرة هذا المخاض، ننجح في إنجاز التحول الرقمي، وترشيد جسد الحكومة، وتقليص طوابير الطامحين للمقاعد الوزارية… بضربة (كيبورد) واحدة.

     

  • حول ترؤس المرأة للجاهات

    حول ترؤس المرأة للجاهات

    بقلم :  محمد حسن التل

    لا ينبغي أن يكون النقاش حول ترؤس امرأة جاهة أو أمثلة أخرى حول دخول المرأة ميادين حكرا على الرجال حب الاعراف الموروثة حادًا أو جارحًا وعصبيا، الواجب يقتضي أن يدرس من خلال هذه الظاهرة أو هذا التصرف تحول مفاهيم المجتمع وإعادة فهم قصة المساواة بين الرجل والمرأة التي شط بها البعض كثيرًا وبعيدًا حتى وصلنا إلى هذا الفهم المغلوط عند الكثيرين، الشرع لم يتطرق لمثل هذه الظاهرة بشكل مباشر وتفصيلي. ولكنه حدد حسب الخَلق واجبات وحقوق وأدوار الرجل والمرأة، وهنا يبرز دور الموروث والعرف الشعبي الذي يرفض هذه الظاهرة، والعرف يكون أقوى من القانون في كثير من الأحيان بما يخص المجتمع، وأي أمر خارج قواعد المجتمع فإن الغاابية تعتبره تشوه يجب التصدي له.
    قواعد التعامل مع المرأة والرجل يحكم مسارها ويرتب تكوينها وأولوياتها منطلق القاعدة التي أشرت لها اعلاه كلٌّ لما خُلق له، بحدود الدور والمسؤولية. وفي هذا المعنى يقول عباس محمود العقاد: «ميزان العدل الصحيح هو أن تتساوى حقوق الإنسان مع واجباته، وليس من العدل أن يتساوى اثنان مختلفان في الحقوق والواجبات»، ويقول أيضًا: «الرجل والمرأة ليسا سواء في جميع الحقوق والواجبات؛ لأنه لا يمكن أن يوجد جنسان مختلفان لهما صفات الجنس الواحد وأعماله وغايات حياته».
    لقد حول البعض مفهوم المساواة بين الرجل والمرأة إلى مفهوم مضطرب، فالمساواة كما قيل أصلها صون الكرامة وإعطاء الحقوق والفرص، لكن أن تتحول إلى مفهوم مختل عند البعض يفترض أن المساواة لا تتحقق إلا بإلغاء الحدود بين ما يقوم به الرجل وتقوم به المرأة، وكما قيل أيضًا فهل المساواة تعني أن يكون الرجل والمرأة متطابقين في كل شيء، أم أن الاعتراف بالمساواة يكمن بأن يتعايش مع الاعتراف بالاختلاف حسب طبيعة الخَلق، وفي هذا السياق تؤكد عالمة الاجتماع النسوية أليس روسي: «في ما يتعلق بالذكور والإناث، الاختلاف حقيقة بيولوجية، أما المساواة فهي مفهوم سياسي وأخلاقي واجتماعي. لا توجد قاعدة في الطبيعة أو في التنظيم الاجتماعي تقول إن على الجنسين أن يكونا متماثلين أو يقوما بالأمور نفسها لكي يكونا متساويين اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا».
    ونكران الاختلاف بين البشر ليس انتصارًا للمساواة، والقول إن للرجل والمرأة خصائص وأدوارًا قد تتباين لا يعني هذا أن أحدهما له قيمة أعلى من الآخر، وهناك قاعدة تقول هل العدل أن يأخذ الجميع نفس الشيء، أو يُعطى كل إنسان ما يتناسب مع طبيعته وقدرته؟ وهنا يلتقي هذا المعنى مرة أخرى مع ما يطرحه العقاد من أن العدل لا يقوم بالضرورة على تماثل الحقوق والواجبات بين المختلفين، وإنما على التوازن بينها وفق طبيعة المسؤولية والدور.
    يقول الإمام الغزالي بأن المساواة بين الرجل والمرأة يمكن تلخيصها في فكرة أساسية مفادها
    المساواة في الكرامة والحقوق الإنسانية والأصل في التكليف، مع اختلاف بعض الوظائف والأحكام تبعًا لاختلاف الطبيعة والمسؤوليات، ومن أبرز ما نُقل عنه في كتابه «قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة» أن الإسلام يقرر «المساواة العامة في الإنسانية بين الذكور والإناث»، وأن إعطاء الرجل حقًا أكثر في بعض المواضع يكون – في تصوره – مقابل واجب أو مسؤولية أثقل، وليس لأن الرجل أكرم إنسانيًا من المرأة. كما يؤكد أن قوامة الرجل في الأسرة لا تعني إلغاء المساواة الأصلية بينهما..
    إن كل محاولة تهدف الى تجاوز حدود الادوار الطبيعية في بنيوية المجتمع تكون عزفا نشارا على وتر قواعد المجتمع التي بنيت على قيم وأعراف لا يمكن تجاوزها وأن نجحت محاولة خلخلتها فإننا سنكون على أبواب فوضى تهدد استقرار المجتمع وتميع فيه كل الحدود ساعتها.

  • للمرأة طريقها … وللجاهات أعرافها  

    للمرأة طريقها … وللجاهات أعرافها  

    بقلم :  هيام الكركي

    في كل مرة نرى فيها المرأة تدخل دورا كان الرجل يقوم به، نسارع الى تسميته انتصارا جديدا للمرأة. لكن هل كل دور ينتقل من الرجل الى المرأة يعني بالضرورة ان المرأة تقدمت؟

    هنا تحديدا اتوقف.

    ترؤس الجاهات موضوع لا اؤيده، ليس لان المرأة غير قادرة، وليس لانها اقل من الرجل، بل لانني لا ارى ان هذا الدور يحتاج الى ان يتحول الى مساحة جديدة لاثبات المساواة.

    الجاهة في مجتمعنا ليست وظيفة، وليست منصبا رسميا، وليست موقعا من مواقع صنع القرار. هي عادة اجتماعية وعشائرية لها شكلها واعرافها ورمزيتها، واعتاد المجتمع ان يكون للرجال فيها الدور الرئيسي.

    وقد تتغير العادات مع الزمن، وهذا امر طبيعي. لكن ليس كل عادة يجب ان تتغير، وليس كل تغيير يعني اننا تقدمنا.

    المرأة اليوم لديها مساحات اكبر واهم بكثير لتثبت فيها حضورها.

    ان تقود مؤسسة.

    ان تتولى منصبا.

    ان تصنع قرارا.

    ان تنجح في عملها.

    ان تكون حاضرة في الحياة العامة.

    ان تترك اثرا حقيقيا في المكان الذي تعمل فيه.

    هذه هي المساحات التي تستحق ان نتحدث عنها عندما نتحدث عن قوة المرأة.

    اما ان تصبح الجاهة مقياسا لمدى تقدم المرأة، فهذا ما لا اتفق معه.

    المشكلة تبدأ عندما نضع الرجل والمرأة في منافسة دائمة: هذا الدور للرجل، فلنأخذه للمرأة حتى تثبت انها مساوية له.

    لماذا؟

    لماذا لا يكون الاختلاف في بعض الادوار امرا طبيعيا؟

    ولماذا يجب ان تتحول كل مساحة اجتماعية الى اختبار للمساواة؟

    المساواة في الحقوق والفرص امر مهم، لكن المساواة لا تعني ان يصبح الرجل والمرأة متطابقين في كل الادوار.

    هناك ادوار تتغير، وادوار تبقى، وادوار يمكن ان يؤديها الطرفان. والمهم الا يكون هناك ظلم او انتقاص او حرمان من حق بسبب كون الانسان رجلا او امرأة.

    لهذا، لا ارى ان المرأة بحاجة الى ان تأخذ كل ادوار الرجل حتى تثبت قوتها.

    بل على العكس، اعتقد ان قوة المرأة الحقيقية تظهر عندما تختار طريقها، وتنجح فيه، ولا تحتاج في كل مرة الى مقارنة نفسها بالرجل.

    ولست مع تحويل الجاهات الى ساحة جديدة للصراع حول من يقود ومن يجلس في المقدمة.

    اتركوا للجاهات اعرافها، واتركوا للمرأة مساحتها الواسعة التي تستطيع فيها ان تبدع وتقود وتنجح.

    فالمرأة ليست بحاجة الى ان تصبح مثل الرجل حتى تثبت انها قوية.

    وليس كل اختلاف في الادوار انتقاصا من احد.

    في النهاية، لكل مجتمع عاداته، ولكل عادة سياقها، ولكل امرأة طريقها.

    وربما يكون احترام هذا الاختلاف اكثر حكمة من محاولة جعل كل شيء متشابها باسم المساواة.

    هذه ليست دعوة للعودة الى الوراء، وليست انتقاصا من المرأة.

    انها ببساطة وجهة نظر: للمرأة طريقها… وللجاهات اعرافها.

  • يادولة الرئيس حين تصبح هيبة الحكومة أكبر من مجاملة المناسبة

    يادولة الرئيس حين تصبح هيبة الحكومة أكبر من مجاملة المناسبة

    بقلم : خليل قطيشات

    من قال إن هيبة الحكومة تُبنى على منصة احتفال، أو تُقاس بعدد المناسبات التي يتصدر فيها الوزير المشهد؟ ومن أقنع بعض المسؤولين بأن الحضور في حفلات التكريم والمناسبات العشائرية جزء من صميم العمل الوزاري، بينما تنتظر على مكاتبهم ملفات وطنية أثقل من أن تُدار بالمجاملات.

    هنا لا يتعلق الأمر بحفل عابر، ولا بصورة تذكارية، ولا حتى بمجاملة اجتماعية يمكن تجاوزها، وإنما يتعلق بسؤال أعمق بكثير: متى يصبح حضور المسؤول الرسمي رسالة سياسية وإدارية تتجاوز المناسبة نفسها؟ وماذا يفهم المواطن عندما يرى مسؤولًا في موقع وزاري يخصص من وقته وجهده لرعاية مناسبات ذات طابع عشائري أو فئوي، بينما يفترض أن يكون موقعه فوق الاصطفافات، وأن تكون بوصلته الوحيدة هي المصلحة العامة؟

    فالوزير ليس وجيهًا اجتماعيًا، ولا سفيرًا لمجاملة هنا أو مناسبة هناك، بل هو رأس مؤسسة ومسؤول عن قطاع يمس حياة آلاف المواطنين، وربما ملايينهم. وكل دقيقة من وقته العام هي جزء من المال العام، وكل ظهور رسمي له ينبغي أن يحمل معنى يتجاوز المجاملة، ويعكس صورة الدولة ومؤسساتها ومبدأ المساواة بين المواطنين.

    المشكلة لا تكمن في أن يشارك الوزير المجتمع أفراحه، فهذا أمر محمود حين يكون في إطاره الطبيعي، وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول المشاركة إلى ظاهرة، وعندما يصبح الحضور الرسمي في المناسبات الفئوية أكثر وضوحًا من الحضور في الميدان، وعندما تبدو الحكومة وكأنها تقترب من فئة لأنها تملك قدرة أكبر على الوصول إلى المسؤول، أو لأنها تنتمي إلى إطار اجتماعي محدد.

    في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: لماذا حضر الوزير؟ بل يصبح السؤال الأخطر: ما الرسالة التي تركها حضوره؟

    فالحكومة التي تريد ترسيخ المواطنة لا يجوز أن تسمح بأن تُفهم رموزها باعتبارها امتدادًا للعلاقات العشائرية أو الجهوية. والوزير الذي يمثل الحكومة يجب أن يدرك أن موقعه لا يسمح له بأن يكون وزيرًا لفئة دون أخرى، ولا أن يجعل حضوره الرسمي يبدو وكأنه شهادة تقدير اجتماعية لهذا الطرف أو ذاك.

    إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسة العامة ليس أن تخطئ في مناسبة، وإنما أن تفقد تدريجيًا قدرتها على التمييز بين ما يليق بالحكومة وما يليق بالمجالس الاجتماعية.

    الحكومة لا تحتاج إلى مسؤولين يكثرون الظهور بقدر حاجتها إلى مسؤولين يكثرون الإنجاز. ولا تحتاج إلى وزراء يتنقلون بين منصات التكريم بقدر حاجتها إلى وزراء يتنقلون بين مواقع العمل، ويتابعون المشاريع، ويحاسبون المقصر، ويستمعون للمواطن، ويواجهون الأزمات قبل أن تتحول إلى أزمات وطنية.

    إن هيبة الحكومة لا تُصنع بالصور، وإنما بالقرارات. ولا تُحمى بالمجاملات، وإنما بالعدل. ولا تترسخ بكثرة الحضور في المناسبات، وإنما بوجود مؤسسات قوية يشعر المواطن أمامها أن القانون فوق الجميع، وأن الكفاءة مقدمة على العلاقات، وأن الحكومة تقف على المسافة نفسها من كل أبنائها.

    ومن هنا، فإن إعادة النظر في مفهوم الرعاية الرسمية للمناسبات ليست ترفًا إداريًا، ولا محاولة للحد من التواصل المجتمعي، بل هي ضرورة لحماية صورة الحكومة من أي التباس، ولإعادة الاعتبار إلى المعنى الحقيقي للمنصب الوزاري.

    فالوزير الذي يحمل مسؤولية  لا ينبغي أن يسأل أولًا: أين سأظهر؟ بل: أين يجب أن أكون؟

    وهذا هو الفارق بين مسؤول يبحث عن الحضور، ورجل ووزير يعرف قيمة المنصب الذي يحمله.

  • اللواء أحمد حسني .. وجوده صمام أمان مستقبلي للأردن

    اللواء أحمد حسني .. وجوده صمام أمان مستقبلي للأردن

    د. حمزة الشيخ حسين يكتب ..

    مع أنني لا أحبذ التعليق على جنرالات الدولة الذين يقومون بزيارات أو يحضرون مناسبات رسمية أو اجتماعية في البلاد، إلا أن موقفاً استوقفني، وأعتقد أنه يستحق التوقف عنده.

    كان اللواء أحمد حسني، مدير دائرة المخابرات العامة، حاضراً في إحدى المناسبات، وعندما تحدث أحد الحضور، قام بالتعقيب على حديثه بكل دقة ووضوح، وقال: «اسمح لي أخوي الكبير أن أقول: نحن لم نرث حب الأردن، بل رضعناه رضاعة».

    ثم أكمل حديثه بشكل مرتجل، ولم يتجاوز حديثه دقيقتين، لكنه اختزل في تلك الدقائق سردية كبيرة.

    لم يكن أمامه ورق مطبوع، ولم يكن قد حفظ كلماته عشرات المرات قبل أن يقف أمام الناس، كما يفعل بعض الذين يطوفون بعرض البلاد وطولها وهم يتحدثون عن الأردن، بينما تكون الأوراق بين أيديهم جاهزة، أو تكون الكلمات محفوظة عن ظهر قلب.

    كان حديثاً ارتجالياً جاء رداً على كلمة أحد الحضور، ومع ذلك أظهر قدرة ذهنية عالية، وسرعة في التقاط الفكرة، والقدرة على التعبير عنها في وقتها وبكلمات قليلة.

    وهنا توقفت.

    فمثل هذه المواقف الصغيرة تكشف أحياناً ما لا تكشفه الخطب الطويلة.

    وتحمل الناس على التفكر في القدرات التي يتمتع بها الرجل، وفي المؤسسة التي يقودها، وفي طبيعة العمل الذي تقوم به دائرة المخابرات العامة الأردنية، والتي أصبحت، بما تقوم به من عمل احترافي وسبق وقائي، خط الدفاع الأول عن أمن البلاد واستقرارها.

    والأردن اليوم بحاجة إلى أمثال هؤلاء الرجال.

    انظروا إلى من يتحدث، وإلى من كان على رأس عمله، وإلى من قاد البلاد نحو الضائقة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها اليوم، بسبب انعدام الفطنة وسوء التقدير، ثم اسألوا أنفسكم: ما هو المنطق الذي كان يحكم تلك القرارات؟

    فالأردنيون لم يعودوا ينظرون إلى المسؤول من خلال موقعه فقط، وإنما أصبحوا قادرين على التمييز بين من يمتلك الفطنة والذكاء لخدمة البلاد، وبين من يجيد مجرى الكلام والتصريحات، ويجعل جل همه أن ينال مقعداً أو كرسياً في جامعة أو مركز علمي أو ثقافي، حتى يبقى في الواجهات الإعلامية أطول فترة ممكنة.

    وهؤلاء كثر للأسف.

    بعضهم فرض نفسه على المسؤولين من خلال شبكة العلاقات العامة التي تجمعه بهم، وبات وجوده في الواجهة أمراً شبه دائم، ليس بالضرورة لأن لديه ما يضيفه للوطن، وإنما لأنه يعرف كيف يحافظ على حضوره.

    والشعب الأردني أصبح ناقماً على هذا المشهد، وعلى كل من ساهم في تحويل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية إلى مساحة مغلقة تتكرر فيها الأسماء نفسها، وتفتح فيها الأبواب لمن يمتلك العلاقات أكثر مما تفتح لمن يمتلك الكفاءة.

    لهذا أقولها بوضوح:

    كم يحتاج الأردن اليوم إلى رجال دولة حقيقيين.

    رجال لا يبحثون عن الواجهة، بل تعمل الواجهة من أجلهم.

    رجال لا يحتاجون إلى أوراق طويلة حتى يثبتوا حضورهم.

    رجال إذا تحدثوا، أنصت الناس؛ وإذا صمتوا، عرف الناس أن وراء الصمت قراءةً لما يجري.

    ومن هنا، فإن وجود رجل مثل الباشا أحمد حسني في موقعه اليوم ليس مجرد وجود مسؤول أمني، وإنما يمثل، في تقديري، صمام أمان مستقبلياً للأردن، في ظل إقليم مضطرب وتحديات تتغير كل يوم.

    الأردن يتغنى إلى الأبد بذكرى الشهيد وصفي التل، وهذا حقه، لأن وصفي أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية الأردنية.

    لكن الأردن اليوم بحاجة أيضاً إلى الرجال الأحياء.

    بحاجة إلى رجال وجودهم يحيي الأرض بعد موتها، ويبث الحياة من جديد في جسد الشعب الأردني، ويعيد للناس شيئاً من الثقة بأن الدولة ما زالت قادرة على إنتاج رجال يعرفون معنى المسؤولية، ويضعون الأردن قبل أنفسهم.

    فالدول لا تحميها الكلمات وحدها، ولا الذكريات وحدها، ولا المناصب وحدها.

    الدول يحميها رجال يؤمنون بها، ويعرفون أن حب الوطن ليس ما نقوله أمام الناس، وإنما ما نحمله في داخلنا ونفعله عندما لا يرانا أحد.

    وهذا تحديداً ما استوقفني في تلك الدقائق القليلة التي تحدث فيها اللواء أحمد حسني.

    «نحن لم نرث حب الأردن… بل رضعناه رضاعة».

    كلمات قليلة، لكنها في زمن كثرت فيه الكلمات، كانت كافية لتقول الكثير.

  • ولي العهد في المغطس .. الأردن يستعد لكتابة فصل جديد من روايته العالمية

    ولي العهد في المغطس .. الأردن يستعد لكتابة فصل جديد من روايته العالمية

    بقلم : د. مارسيل جوينات
    ليست زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى موقع عمّاد السيد المسيح (المغطس ) مجرد زيارة لموقع ديني ذي مكانة تاريخية وروحية؛ فالتوقيت، وطبيعة التوجيهات، والسياق الوطني الأوسع للتحضير لعام 2030، جميعها تجعل من الزيارة محطة في مسار أردني يتجاوز فكرة الاحتفال إلى إعادة تعريف وظيفة المكان في المستقبل.

    فالمغطس يقف اليوم أمام لحظة تاريخية جديدة. وإذا كان الموقع قد احتفظ بمكانته بوصفه مكان ارتبط بمعمودية السيد المسيح، فإن التحدي الأردني لم يعد إثبات أهمية الموقع، بل كيفية تحويل هذه الأهمية التاريخية والروحية إلى حضور عالمي مستدام، وإلى تجربة متكاملة للحاج والزائر، وإلى قيمة مضافة للسياحة والاقتصاد والثقافة، وإلى مساحة تعكس صورة الأردن بوصفه بلد للحوار والاعتدال والعيش المشترك.

    ومن هنا تكتسب زيارة ولي العهد دلالتها، التوجيه بتحسين تجربة الحجاج المسيحيين والزوار، والتأكيد على التخطيط المبكر لاحتفالات الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، والتوسع في الترويج للموقع بالتنسيق بين وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة والشركاء، يضع ثلاثة عناوين مترابطة أمام الدولة: الخدمة، والاستعداد، والترويج.

    وهذه ليست عناوين إجرائية منفصلة؛ إنها مكونات لرؤية واحدة. فالحاج الذي يصل إلى المغطس لا يبحث فقط عن مكان يزوره، وإنما عن تجربة روحية وإنسانية متكاملة. ولذلك فإن تطوير الموقع يجب أن يبدأ من احترام قدسيته وهويته، لكنه لا ينتهي عندهما. المطلوب أن يجد الزائر منظومة متكاملة من المعلومات والخدمات والبنية التحتية والنقل والإرشاد والضيافة والمرافق، وأن يشعر بأن المكان يُدار بعقلية الموقع العالمي، لا بعقلية الموقع المحلي.

    وهنا تكمن أهمية التوجيه الملكي واهتمام ولي العهد: الانتقال من إدارة الموقع إلى إدارة التجربة. فالأردن أمام مناسبة نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في ألفي عام.

    لكن قيمة 2030 لا ينبغي أن تقاس بعدد الوفود التي ستصل، أو بعدد الفعاليات التي ستقام، أو بعدد الأيام التي ستستمر فيها الاحتفالات. القيمة الحقيقية تكمن في السؤال الذي يجب أن يسبق المناسبة: ماذا سيبقى بعد 2030؟ وهنا تصبح الاحتفالية وسيلة وليست غاية.

    لقد وضعت الدولة بالفعل إطار يتجاوز الاحتفال التقليدي؛ إذ شكلت لجنة وطنية رفيعة المستوى برئاسة رئيس الوزراء لتكون المرجعية الوطنية في التخطيط للفعاليات والسياسات والمخاطبات الدولية، كما يجري العمل على تطوير منتج الحج المسيحي والترويج للمغطس والمواقع الدينية الأخرى. وهذا يعني أن الأردن يتعامل مع 2030 باعتبارها مشروع لبناء المستقبل منطلق من الذاكرة.

    كما ان الاستثمار في المكان.. والاستثمار في الرواية، الأكثر أهمية فالتحضير بدأ يأخذ شكل تنموي ملموس،
    فقد اعلن عن حزمة مشاريع تبلغ نحو 120 مليون دولار في الأراضي المجاورة لموقع المعمودية ، تشمل متحف معمودية السيد المسيح، وقرية متكاملة للحجاج والزوار، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء ممر أخضر، على مساحة تقارب 1400 دونم. ومن المخطط أن تبدأ الأعمال الإنشائية الرئيسة في عام 2027، مع استهداف استكمال المشروعين الرئيسين في الربع الأول من 2029، أي قبل حلول موعد الاحتفالات.

    هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كلها. القصة الأهم هي أن الأردن القصة الأهم هي أن الأردن يحاول بناء منظومة حول المكان. وهذا التحول هو جوهر التفكير السياحي الحديث. وبذلك ينتقل المغطس من مفهوم “الموقع”إلى مفهوم “الوجهة”.

    وهناك بعد آخر لا يقل أهمية عن السياحة والاقتصاد.
    فالدول لا تقدم نفسها للعالم من خلال الجغرافيا وحدها، وإنما من خلال الروايات التي تنتجها عن ذاتها وعن تاريخها ودورها.

    وموقع المعمودية يمنح الأردن فرصة لصياغة رواية حضارية مختلفة، رواية أرض شهدت حدث محوري في التاريخ المسيحي، واحتضنت المسيحية منذ بداياتها، وتعيش اليوم انموذج من التعدد الديني والثقافي.

    لذلك فإن 2030 يمكن أن تكون لحظة لإعادة تقديم الأردن للعالم من خلال رواية المكان والإنسان والسلام. وهنا تتجاوز أهمية المناسبة حدود السياحة الدينية؛ إذ تصبح جزء من القوة الناعمة الأردنية.

    فموقع معمودية السيد المسيح يستطيع أن يقول للعالم إن الأردن ليس فقط بلد يستقبل الحجاج، بل بلد يمتلك إرث ديني حي ويؤمن بالحوار، ويحمي التنوع، ويجعل من الاختلاف مصدر للقوة لا سبب للصراع.

    الاحتفال الذي يجب أن يبدأ قبل 2030، يبدأ بإعداد سردية عالمية للمناسبة، وبناء شراكات مع الكنائس والمؤسسات الدينية في مختلف أنحاء العالم، وإطلاق حملة ترويج دولية، وربط موقع معمودية السيد المسيح بشبكة المواقع الدينية والتاريخية في الأردن، وتطوير برامج للحج المسيحي، وتأهيل الأدلاء والعاملين في السياحة، والاستفادة من الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي لإيصال قصة الموقع إلى الأجيال الجديدة.

    وهنا يمكن أن يصبح الأردن أكثر طموح ، لماذا لا تتحول 2030 إلى منصة عالمية للحوار بين الأديان والثقافات؟
    ولماذا لا تتزامن الاحتفالات مع مؤتمرات دولية، وملتقيات للسلام، وبرامج جامعية، ومعارض فنية وثقافية، وإنتاج أفلام وثائقية عالمية، ومشروعات بحثية حول التاريخ المسيحي في الأردن، ومسارات سياحية تربط موقع المعمودية بمادبا وجبل نيبو وعجلون والسلط وجرش وغيرها من المواقع التي تختزن طبقات متعددة من التاريخ؟

    بهذا المعنى يصبح الاحتفال حراك ثقافي وحضاري واقتصادي وليس برنامج احتفالي موسمي. ان ما يجري حول موقع المعمودية يلتقي فيه التاريخ بالدين والسياحة والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية والقوة الناعمة.

    والأردن يمتلك في هذه اللحظة عناصر نادرة، موقع ذا قيمة دينية عالمية، قيادة سياسية ترى في المناسبة فرصة وطنية، شراكة مع الكنائس، مشاريع تطويرية بدأت تتحول إلى واقع، وإطار مؤسسي للتحضير للاحتفال. ويبقى التحدي في تحويل هذه العناصر إلى رؤية واحدة متماسكة.

    وهنا يمكن فهم زيارة ولي العهد باعتبارها رسالة بأن المغطس ليس ملف سياحي هامشي، وإنما جزء من صورة الأردن المستقبلية. فالأردن لا يستعد فقط لاستقبال العالم في 2030؛ بل يستطيع أن يستعد لإعادة تعريف نفسه أمام العالم.

    وإذا نجح في ذلك، فإن ضفاف نهر الأردن لن تكون في 2030 مجرد مكان لاستعادة ذكرى عمرها ألفا عام، بل مساحة لصناعة ذاكرة جديدة للمستقبل؛ ذاكرة تقول إن الأماكن المقدسة يمكن أن تكون جسور بين البشر، وإن التاريخ يمكن أن يتحول إلى تنمية، وإن الإيمان يمكن أن يكون لغة للحوار، وإن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملك من موارد، وإنما بما تستطيع أن تقدمه للعالم من معنى ورسالة ورواية.

    وهنا تحديدًا تكمن القيمة الأعمق لموقع معمودية السيد المسيح ” المغطس”، أن يتحول من مكان يحمل ذاكرة الماضي إلى مشروع يصنع حضور الأردن في المستقبل.

  • عبد الرؤوف الروابدة في الجامعة الأردنية… خبرة الدولة في خدمة الجامعة الأم

    عبد الرؤوف الروابدة في الجامعة الأردنية… خبرة الدولة في خدمة الجامعة الأم

    بقلم : د. آدم توفيق العماوي/ الجامعة الأردنية

    يحمل صدور الإرادة الملكية السامية بتعيين دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة رئيسا لمجلس أمناء الجامعة الأردنية دلالة خاصة، تجمع بين مكانة الجامعة الأم، بوصفها واحدة من أهم المؤسسات الوطنية والأكاديمية في الأردن، وبين خبرة شخصية وطنية ارتبط اسمها بعقود طويلة من العمل والمسؤولية وخدمة الدولة ومؤسساتها.

     فالجامعة الأردنية، بتاريخها الممتد ودورها في التعليم والبحث العلمي وبناء الكفاءات والقيادات، مؤسسة وطنية راسخة، تواصل مسيرتها مستندة إلى إرثها ومنجزها، وإلى ما تجتمع حولها من خبرات وكفاءات قادرة على الإسهام في استشراف مستقبلها وتعزيز مكانتها.

     ومن هنا تأتي أهمية اختيار دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة لرئاسة مجلس أمنائها. فالحديث عن الروابدة لا يحتاج إلى تعداد للمناصب التي شغلها، بقدر ما يحتاج إلى التوقف عند ما صنعته تلك المسيرة من خبرة عميقة في الدولة ومؤسساتها، وحكمة في التعامل مع المسؤولية، وحنكة في قراءة المشهد وصناعة القرار، وشخصية عرفها الأردنيون بالصراحة والوضوح وقوة الحضور.

     ولعل لقب «البلدوزر»، الذي أطلقه عليه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، يلخص جانبا من هذه الشخصية، بما يحمله من دلالة على الحزم والقدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية. وهو لقب يعبر عن مسيرة طويلة لرجل دولة عرف بالموقف والجرأة في اتخاذ القرار والعمل في خدمة الدولة ومؤسساتها، وحظي بثقة جلالته وتقديره في محطات متعددة من مسيرته الوطنية.

     ويضيف إلى دلالة هذا الاختيار أن الروابدة ليس بعيدا عن البيئة الأكاديمية أو عن الجامعة الأردنية نفسها، فقد كانت له فيها تجربة أكاديمية ومؤسسية سابقة. واليوم يعود إليها بعد عقود من الخبرة الوطنية، من موقع مختلف ومسؤولية جديدة، حاملا معه رصيدا واسعا من المعرفة بالدولة ومؤسساتها، ليضع هذه الخبرة في خدمة جامعة يعرف مكانتها ورسالتها.

     وهنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة. فمجلس الأمناء ليس إطارا بروتوكوليا، بل أحد أركان الحوكمة الجامعية، ودوره يمتد إلى التوجه الاستراتيجي ومستقبل الجامعة واستدامتها وتنافسيتها. وفي وقت يشهد فيه التعليم العالي تحولات متسارعة في البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتنافسية الدولية، تصبح الخبرة والحكمة والقدرة على استشراف المستقبل عناصر أساسية في قيادة المؤسسات الأكاديمية الكبرى.

     ويأتي هذا الاختيار في إطار ثقة ملكية سامية نعتز بها، في ظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المعظم، وما يحظى به التعليم وبناء الإنسان الأردني من رعاية واهتمام، إيمانا بدور الجامعات في صناعة المعرفة وإعداد الكفاءات والإسهام في مستقبل الدولة.

     إن اجتماع مؤسسة وطنية عريقة بحجم الجامعة الأردنية، ومجلس أمناء يضم نخبة من الخبرات والكفاءات برئاسة دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، مع إدارة جامعية يقودها معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات بما عرف عنه من رؤية أكاديمية وطموح في تطوير الجامعة وتعزيز حضورها ومكانتها، يشكل معادلة مؤسسية تبعث على التفاؤل. فالجامعة حققت خلال السنوات الماضية خطوات مهمة في مسيرتها الأكاديمية والبحثية وحضورها الدولي، والمرحلة المقبلة تفتح المجال للبناء على هذا المنجز من خلال تكامل واضح بين مجلس الأمناء وإدارة الجامعة، يجمع خبرة الدولة والرؤية الاستراتيجية مع الخبرة الأكاديمية والإدارة التنفيذية، ويوجهها جميعا نحو مصلحة الجامعة ومستقبلها.

     ولعل قوة هذه المرحلة تكمن في هذا التكامل؛ فمجلس أمناء برئاسة الروابدة، وإدارة جامعية بقيادة عبيدات، يجتمعان في مسؤولية مشتركة تجاه مؤسسة وطنية أكبر من الجميع، هي الجامعة الأردنية.

     ومن هنا، فالتهنئة بهذه المناسبة لا تتجه إلى شخص أو موقع وحده، بل إلى الجامعة الأردنية وأسرتها ومجلس أمنائها، وإلى دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة بالمسؤولية الجديدة، مع الثقة بأن خبرته وحكمته ستكونان إضافة مهمة في خدمة الجامعة ورسالتها.

     مبارك للجامعة الأردنية ولمجلس أمنائها هذه الثقة الملكية السامية، وخالص التمنيات لدولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة وأعضاء المجلس، ولإدارة الجامعة برئاسة معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، بالتوفيق في حمل المسؤولية ومواصلة مسيرة الجامعة الأم وتقدمها، بما يليق بتاريخها ومكانتها ودورها في خدمة الأردن.

  • ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية …. حين تثمر الدبلوماسية في عواصم القرار

    ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية …. حين تثمر الدبلوماسية في عواصم القرار

    بقلم : حلمي الحراحشة

    من لندن، حيث أتابع المشهد السياسي البريطاني عن قرب، تبدو التحركات البريطانية والأوروبية الأخيرة تجاه إسرائيل أكثر من مجرد قرارات فرضتها تطورات الأيام الأخيرة. خلف هذه المواقف مسار سياسي طويل، تراكمت خلاله الرسائل والمواقف، وتغيرت معه حسابات عدد من العواصم المؤثرة.

     وبعد حديث مع عدد من السياسيين والمهتمين بهذا الملف، خرجت بانطباع واضح بأن التحرك الدبلوماسي الذي قاده جلالة الملك عبدالله الثاني خلال السنوات الماضية كان له دور مهم في تهيئة الأرضية السياسية التي نرى بعض نتائجها اليوم.

     وفي حديث خاص مع أحد السياسيين البريطانيين الذين أتابع معهم هذه الملفات عن قرب، كان لافتاً قوله إن التحركات الملكية على مدى السنوات الماضية كان لها دور كبير في الدفع بهذا الاتجاه، خصوصاً أن جلالة الملك لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً موسمياً، بل أبقاها حاضرة في لقاءاته مع قادة العالم وفي مختلف القمم والمؤتمرات والمحافل الدولية.

     وهذه الشهادة من داخل المشهد السياسي البريطاني تستحق التوقف عندها؛ ليس لأنها مجاملة سياسية، وإنما لأنها تعكس أهمية العمل التراكمي في صناعة المواقف الدولية.

     وقال لي السياسي البريطاني في سياق حديثنا إن أسبوعاً واحداً في السياسة البريطانية قد يكون وقتاً طويلاً، بسبب كثافة القرارات والأحداث والتطورات التي يمكن أن تغير المشهد بسرعة.

     لكن سرعة القرار لا تعني أن القناعة التي تقف خلفه ولدت في أسبوع.

     وهنا تحديداً تكمن أهمية التحرك الملكي.

     فعلى مدى سنوات، ظل جلالة الملك عبدالله الثاني يضع أمام المجتمع الدولي حقيقة واضحة: لا يمكن بناء أمن مستدام في المنطقة من دون حل القضية الفلسطينية، ولا يمكن الوصول إلى سلام حقيقي من دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين.

     وفي المحافل الدولية، لم يكتفِ جلالته بتشخيص المشكلة، بل حذر بصورة متواصلة من تداعيات الاستيطان والإجراءات الأحادية الجانب ومحاولات فرض أمر واقع جديد، مؤكداً أن تجاهل حقوق الفلسطينيين سيقود إلى مزيد من التوتر، وأن استمرار هذا النهج يهدد فرص السلام والاستقرار للجميع.

     وكانت قوة هذا الموقف في استمراريته؛ فالرسالة الملكية لم تتبدل بتبدل الحكومات أو تغير أولويات العواصم، ولم تكن مرتبطة بحدث واحد أو ظرف سياسي عابر. وهذا تحديداً ما يجعل من السهل اليوم تتبع خيط واضح بين التحذيرات التي أطلقت في السنوات الماضية وما نشهده من تحولات في بعض المواقف الدولية.

     ومن المهم هنا التوقف عند مسألة قد لا تحظى بالاهتمام الكافي: أهمية التوثيق والأرشفة السياسية لهذا المسار.

     فالتاريخ السياسي لا يُكتب فقط من خلال ما يحدث اليوم، وإنما من خلال تسلسل المواقف والوثائق والخطابات واللقاءات التي سبقت الحدث. وفي هذا السياق، تبرز اللجنة الملكية لشؤون القدس بوصفها جهة معنية بمتابعة وتوثيق وأرشفة جانب مهم من هذا الجهد المتصل بالقدس والقضية الفلسطينية وتطوراتها.

     وهذا التوثيق يتجاوز مسألة حفظ الذاكرة؛ فهو يتيح للأجيال والباحثين أن يعودوا إلى الوقائع كما حدثت، وأن يقارنوا بين ما كان الأردن يحذر منه بالأمس وما أصبح العالم يواجهه اليوم.

     وفي زمن تتغير فيه الأخبار خلال ساعات، تصبح الأرشفة السياسية أداة لفهم التاريخ، وليست مجرد حفظ له.

     واليوم، عندما نرى بريطانيا ودولاً أوروبية تتجه إلى مواقف أكثر حزماً، فإن قراءة المشهد من زاوية اللحظة وحدها لا تكفي. فالسياسة الدولية لا تتحرك عادة بسبب تصريح واحد أو اجتماع واحد، وإنما نتيجة تراكم طويل من القناعات والضغوط والتطورات وتبدل الحسابات.

     ولا يعني ذلك أن كل قرار أوروبي صدر اليوم هو نتيجة مباشرة للتحرك الأردني، فلكل دولة حساباتها ومصالحها واعتباراتها. لكن من الصعب تجاهل أن الأردن كان طوال سنوات من الأصوات الأكثر وضوحاً في التحذير من النتائج التي وصل إليها المشهد اليوم.

     وهذا هو جوهر الدبلوماسية الملكية: العمل قبل أن يصبح الحدث أزمة، وشرح المخاطر قبل أن تصبح واقعاً، وبناء القناعات قبل أن تتحول إلى قرارات.

     ومن لندن، أرى أن أهمية ما يحدث اليوم لا تكمن فقط في الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا وبعض الدول الأوروبية، وإنما في التحول الذي تعكسه هذه الإجراءات في طريقة التعامل مع القضية الفلسطينية والسياسات الإسرائيلية.

     ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية داخل إسرائيل، تزداد حساسية المرحلة، لأن الرسائل القادمة من الحلفاء الغربيين لم تعد تقتصر على البيانات السياسية، وإنما بدأت تأخذ أشكالاً عملية يمكن أن تدخل في حسابات صانع القرار الإسرائيلي.

     وهنا تعود بنا الصورة إلى بدايتها: ما يبدو قراراً سريعاً اليوم قد يكون ثمرة سنوات من العمل الهادئ، والاتصالات، والتحذير، والإقناع.

     لقد أبقى جلالة الملك عبدالله الثاني الأردن حاضراً في عواصم القرار، مدافعاً عن السلام العادل، وعن حل الدولتين، وعن القدس، وعن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

     ومن لندن، وبعيون أردنية، أرى أن أفضل قراءة لما يجري اليوم هي ألا ننظر إلى الحدث منفرداً، بل إلى ما وراءه: إلى سنوات من الدبلوماسية، وإلى مواقف موثقة، وإلى رؤية ملكية سبقت كثيراً من التطورات التي نراها الآن.

     فالدبلوماسية قد تتأخر ثمارها، لكنها عندما تقوم على الثبات والرؤية وطول النفس، فإنها تستطيع أن تصل في النهاية إلى عواصم القرار.