بقلم : د.فوزان العبادي
قبل فترة، تحدثنا بإيجابية عن مراكز الخدمات الحكومية، وأشدنا بفكرتها وبمستوى التنظيم وسهولة إنجاز المعاملات فيها، لأنها قدمت نموذجا حضاريا للخدمة العامة التي يستحقها المواطن. لكننا اليوم مضطرون لإعادة النظر في هذا التقييم، ليس لأن الفكرة سيئة، بل لأن تكرار تعطل نظام إدارة الترخيص أصبح يفرغ هذه التجربة من مضمونها.
يدخل المواطن إلى مركز الخدمات، يأخذ دوره، وينتظر، ثم تأتيه الإجابة المعتادة: “النظام معلق شو يعني النظام معلق؟ ومن المسؤول عن تعليقه؟ وكم ساعة أو يوما يحتاج حتى يعود؟ ولماذا لا يوجد نظام بديل يضمن استمرار تقديم الخدمة؟ وهل يعقل أن تتوقف مصالح عشرات المواطنين لأن نظاما إلكترونيا تعطل، دون وجود حل سريع أو جهة تتحمل المسؤولية؟ المواطن لا يعنيه إن كان الخلل في السيرفر أو الشبكة أو الربط الإلكتروني بين المؤسسات، ولا يفترض به أن يفهم التفاصيل التقنية. ما يعنيه أنه اقتطع وقتا من عمله، ودفع أجرة طريق، وحضر لإنجاز معاملة، ثم عاد خالي الوفاض بسبب جملة أصبحت شماعة جاهزة: النظام معلق.
التحول الإلكتروني الحقيقي لا يعني استبدال الورقة بشاشة فقط، بل يعني بناء أنظمة مستقرة، وخطط طوارئ، وبدائل فورية، وفرق فنية قادرة على التدخل السريع. أما أن تتكرر المشكلة وتبقى الإجابة ذاتها، فهذا ليس عطلا عابرا، بل خلل إداري وتقني يستوجب المراجعة والمساءلة. مراكز الخدمات الحكومية فكرة جميلة وتستحق النجاح، وقد مدحناها عندما أحسنت، لكن واجبنا أن ننتقدها عندما تتراجع. لأن المشكلة في وطننا ليست دائما في غياب الأفكار الجميلة، بل في غياب المتابعة التي تضمن استمرارها.
فليش كل حلو بوطننا ما بكمل؟ –
التصنيف: أقلام
-

“النظام معلق”.. الشماعة التي تقتل إنجاز الحكومة الإلكترونية
-

هذه الرؤية تنقصنا .. أرجوكم
بقلم : علاء القرالة
لدينا اليوم رؤية للتحديث السياسي، ورؤية للتحديث الاقتصادي، ورؤية للتحديث الإداري، وكل واحدة منها تضع خارطة طريق للمستقبل، لكنني أعتقد أن هناك رؤية لا تقل أهمية عن كل ما سبق، بل ربما تكون الأساس الذي نبني عليه هذه الرؤى جميعا، وهي رؤية التعليم، فما أهمية هذه الرؤية؟.
ولا أقصد هنا خطة جديدة لتعديل المناهج أو تغيير الكتب المدرسية، وإنما رؤية وطنية شاملة تمتد إلى عام 2035، تضع تصورا واضحا للتعليم الذي نريده لأبنائنا والأجيال المقبلة، وتجيب عن سؤال مهم: ماذا نريد أن يكون أبناؤنا قادرين على فعله عندما يصلون إلى سوق العمل بعد عشر سنوات؟.
العالم الذي سيعيش فيه طفل الصف الأول اليوم لن يكون هو العالم الذي نعرفه الآن، فالذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة هائلة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل الوظائف والمهن، وستظهر تخصصات ومهن جديدة، فيما ستتغير أخرى أو تختفي، وستصبح المهارات الرقمية والتقنية جزءا أساسيا من معظم الأعمال.
لذلك نحن بحاجة إلى رؤية تعليمية تبدأ من الصف الأول الأساسي وتصل إلى نهاية المرحلة الثانوية، تضع خارطة متدرجة للمهارات التي يجب أن يمتلكها الطالب في كل مرحلة عمرية، ولا يحدث عليها أي تغيير بل تطوير فقط وفق المتغيرات، وذلك لأن الطفل يبدأ التفكير المنطقي وحل المشكلات والتعامل الآمن مع التكنولوجيا، ثم ينتقل تدريجيا إلى البرمجة والبيانات والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية، وصولا إلى مرحلة يستطيع فيها اكتشاف قدراته واختيار المسار الذي يتناسب مع احتياجات سوق العمل.
لكننا لا نريد جيلا يجيد استخدام التكنولوجيا فقط، بل نريد جيلا يعرف كيف يفكر ويسأل ويحلل ويبدع ويميز بين المعلومة الصحيحة والمضللة، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم الإجابة خلال ثوان، لكنه لا يستطيع أن يحل مكان عقل الإنسان في تحديد السؤال الصحيح واتخاذ القرار وفهم الأبعاد الأخلاقية والإنسانية.
ومن هنا يجب أن تتغير فلسفة التعليم، فلم يعد كافيا أن يحفظ الطالب المعلومات ثم يذهب إلى الامتحان ليكتبها وينساها، بل نريد طالبا يعرف كيف يتعلم، وكيف يبحث، وكيف يتحقق من المعلومات، وكيف يحول المعرفة إلى فكرة أو مشروع أو حل لمشكلة، والأهم تأهيل المعلم.
كما نحتاج إلى ربط التعليم بسوق العمل بصورة حقيقية، من خلال الشراكة بين المدارس والجامعات والقطاع الخاص، والرصد المستمر للمهن والمهارات التي سيزداد الطلب عليها مستقبلا، بحيث لا يبقى التعليم في مسار والسوق في مسار آخر، فنحن بحاجة أيضا إلى إعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني، ليصبح خيارا جاذبا أمام الطلبة.
خلاصة القول، لقد أدركنا أهمية التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وحان الوقت لندرك أن التحديث الحقيقي لا يمكن أن يكتمل من دون تحديث التعليم؛ فالمستقبل الذي نريده للأردن يبدأ من المدرسة، ومن طفل اليوم الذي سيكون إنسان الغد وصانع مستقبله. -

الأردن بين الجغرافيا السياسية وضغوط الإقليم
بقلم : د. خالد الشقران
لطالما بدت الجغرافيا الأردنية وكأنها قدر سياسي يفرض على المملكة التعامل مع محيط إقليمي شديد التعقيد، فهي تقع في قلب منطقة تتقاطع فيها الصراعات والحسابات الإقليمية والدولية، وتجاور ساحات شهدت خلال العقود الماضية حروباً وتحولات سياسية وأمنية عميقة، غير أن هذه الجغرافيا التي شكلت في مراحل مختلفة مصدر ضغط وتحد، تحولت تدريجياً إلى مصدر قوة استراتيجية، عندما نجح الأردن في تحويل موقعه الجغرافي من عامل يفرض عليه الاستجابة للأحداث إلى أداة تمكنه من التأثير في مساراتها.
يقع الأردن عند نقطة اتصال بين بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية، وفي موقع يربط المشرق العربي بالأسواق الإقليمية والدولية، وهذه الخصوصية جعلته ممراً مهماً للتجارة والنقل والطاقة، لا سيما وأن الدول التي تقع على تقاطع طرق المصالح الكبرى يمكنها، إذا امتلكت القدرة على إدارة موقعها، أن تتحول إلى مراكز اتصال وشراكة ونفوذ.وقد فرضت التحولات التي شهدتها المنطقة على الأردن تطوير مقاربة أمنية وسياسية تقوم على حماية الحدود، ومنع انتقال تداعيات الأزمات المجاورة إلى الداخل، وفي الوقت ذاته الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى، ومع اندلاع الأزمة السورية ثم تصاعد التوترات في العراق والمنطقة، ازدادت قيمة موقع الأردن، خصوصاً في ظل الحاجة إلى دولة مستقرة قادرة على لعب دور أساسي في حماية طرق التجارة ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، أصبح مفهوم “الأمن الوطني الأردني” مرتبطاً بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي، فالحدود الشمالية والشرقية والجنوبية والغربية باتت مرتبطة بشكل مباشر بالتطورات في دول الجوار وبحركة التجارة وبالطاقة والأمن، ولذلك تعامل الأردن مع موقعه باعتباره منظومة متكاملة من المصالح، وحدوداً جغرافية ينبغي حمايتها، وفرصاً اقتصادية وسياسية يمكن استثمارها، ومن هنا برزت أهمية التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي مع دول المنطقة والقوى الدولية، بما يعزز قدرة المملكة على حماية مصالحها وتوسيع هامش حركتها.
وتظهر القيمة الاستراتيجية للجغرافيا الأردنية أيضاً في موقع المملكة ضمن مشاريع الربط الإقليمي، فموقعها يؤهلها لأن تكون حلقة وصل بين أسواق الخليج والعراق وبلاد الشام، كما يمنحها فرصاً في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة، وكلما توسعت مشاريع الربط الاقتصادي، ارتفعت قيمة الاستقرار الأردني، وتحول الموقع الجغرافي إلى رصيد اقتصادي وسياسي يمكن البناء عليه.
لكن قوة الجغرافيا لا تتحقق تلقائياً، إذ إن الموقع نفسه الذي يمنح الأردن فرصاً استراتيجية يجعله عرضة لضغوط متعددة، خصوصاً في ظل استمرار الصراع الفلسطيني والاعتداءات الإسرائيلية والتوترات المتصاعدة في المنطقة، وهنا تظهر حكمة القيادة السياسية ودورها في الحفاظ على استقلال القرار الوطني عبر إدارة دقيقة للتوازنات، وعدم السماح بتحويل الأردن إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين أو فرض مشاريع تتعارض مع مصالحه الوطنية.
وتكتسب القضية الفلسطينية في هذا السياق أهمية خاصة بالنسبة للأردن، باعتبارها قضية عربية مركزية ومرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الوطني الأردني، حيث أن أي محاولة لفرض حلول على حساب الفلسطينيين أو دفعهم نحو التهجير أو تغيير طبيعة الضفة الغربية والقدس ستنعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الإقليمي، وعلى المصالح الأردنية، ولذلك يشكل الموقف الأردني الرافض للتهجير والتوطين والوطن البديل جزءاً من استراتيجية حماية الدولة وموقعها ودورها.
وفي المقابل، عزز الأردن خلال السنوات الماضية صورته كدولة مستقرة وقادرة على العمل مع مختلف الأطراف، وهو ما منح موقعه الجغرافي قيمة سياسية إضافية، فوسط إقليم تتغير فيه التحالفات بسرعة، تصبح الدولة المستقرة شريكاً مطلوباً، وتتحول قدرتها على بناء الجسور إلى عنصر قوة بحد ذاته، وهنا تتكامل الجغرافيا السياسية مع الدبلوماسية، بحيث يصبح الموقع منصة للحوار والتعاون وتنسيق المصالح.
لقد تغيرت معادلة الجغرافيا الأردنية من كونها تحدياً يفرض على المملكة التحوط الدائم إلى فرصة يمكن توظيفها لتعزيز الدور الأردني، حيث استطاع الأردن تطوير طريقة استثمار موقعه خدمة لمصالحه العليا، خاصة وأنه كلما ارتفعت قدرته على حماية حدوده، وتنويع شراكاته، وتطوير اقتصاده، وربط موقعه بمشاريع النقل والطاقة والتجارة، ازدادت قيمة جغرافيته السياسية.
في المحصلة، انتقل الأردن من موقع جغرافي شديد الحساسية إلى دولة أصبح حضورها جزءاً من معادلات الإقليم، عبر قدرتها المتقدمة على التواصل مع محيطها، ما فتح أمامها مساحات أوسع للحركة السياسية والاقتصادية، ورسخ مكانتها كشريك في ملفات الأمن والطاقة والنقل والتجارة، وقد ساعد هذا الموقع المملكة على بناء علاقات متوازنة مع القوى المختلفة، ورفع قدرتها على حماية مصالحها الوطنية والتعامل مع التحولات المتسارعة من موقع فاعل، وهكذا اكتسبت الجغرافيا الأردنية قيمة سياسية واستراتيجية متراكمة، جعلت من استقرار المملكة مصلحة إقليمية، ومن موقعها ورقة قوة عززت حضورها وقدرتها على التأثير في محيطها.
-

المطر بين السنن الكونية والتخطيط الاستراتيجي
بقلم : محمد خالد الزعبي
من نافذة بيتي هنا في أمريكاوالمطر يهطل بغزارة من حولي يفرض هذا المشهد نفسه ليشعل في الذاكرة صدى أسئلة لا تنتهي أسئلة يطرحها الملايين بوجع وحيرة: لماذا تتدفق السماء هنا بلا انقطاع وتكتسي الأرض خضرة ورواء بينما تبقى بلادنا تترقب الغيمة وتحسب حساباً لكل قطرة ماء؟
هذا السؤال، حين يُطرح من منطلق عاطفي بحت يتحول إلى أداة إحباط وتساؤلات مشروعة حول عدالة التوزيع لكن حين نتجاوز السطح إلى العمق، نكتشف أننا أمام معضلة خلط خطيرة بين السنن الكونية الإلهية وبين المفاهيم الإيمانية والغيبيات .
إن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الخطاب الشعبي هو محاكمة الأرصاد الجوية بمنظور المكافأة والعقاب فالله سبحانه وتعالى قرر في محكم تنزيله قاعدة أزلية واضحة بأن عطاء الدنيا من ماء وتهوية وخصب مفتوح للجميع مؤمن وكافر لأن الدنيا في ميزان الخالق لا تساوي جناح بعوضة وحين نربط غزارة المطر في الغرب برضا الله وشحه في بلادنا بغضبه، فإننا نلغي بوعي أو بغير وعي السنن الكونية التي أراد الله لهذا الكون أن يدور بها .
المطر هنا ليس هبة مجانية بلا أسباب، بل هو نتاج منظومة هندسية وجغرافية محكمة تحظى بمحيطين من أصل خمسة محيطات عالمية كوضع طبيعي طوال العام رطوبة مستمرة تبخر دائم، وتيارات هوائية حاملة للبخار تصطدم باليابسة فتتحول فوراً إلى أمطار وإلى جانب حتمية الموقع لم تعتمد الدول المتقدمة على الجغرافيا وحدها بل أنفقت مليارات الدولارات على هندسة المياه وبناء السدود العملاقة وشبكات الحصاد المائي وإدارة السيول ومراكز الأبحاث والدراسات المناخية لتدير قطرة الماء بذكاء اقتصادي وهندسي مرعب .
حين ترتفع أيدينا بالدعاء والصلاة في بلادنا وهو حق أصيل وعبادة عظيمة فإننا نتخلى أحياناً عن الشق الثاني من المعادلة الإلهية المتمثل بالأخذ بالأسباب فالدعاء وحده لا يصنع سحابة ولا ينشئ شبكة تصريف، والتوكل لا يعني تعطيل العقل والتخطيط الاستراتيجي المشكلة الحقيقية في مناطق كثيرة من عالمنا العربي ليست في كمية المطر التي تنزل فحسب بل في إدارتها وحصادها، حيث تهطل أمطار غزيرة في ساعات معدودة فتتحول إلى سيول مدمرة تذهب سدى لعدم وجود البنية التحتية القادرة على تخزينها واستثمارها .
من نافذة غرفتي في أمريكا حيث تبتلع الأرض كل قطرة مطر وتوظفها في دورة حياة ذكية، أدركت أن المطر رزق إلهي لكن إدارته واستثماره وحفظه مسؤولية بشرية خالصة وبدل أن نستهلك طاقاتنا في السؤال المكرر عن سبب هطول المطر لديهم وغيابه عنا، يجب أن يتحول الخطاب إلى سؤال استراتيجي جارح عما فعلناه بكل قطرة ماء أنزلها الله على أراضينا وأين خططنا المستقبلية لإدارة الأمن المائي فالسماء تعطي لمن يفهم لغة الكون والأرض تنبت لمن يحسن عمارتها. -

من 19% بين المهندسين إلى 50% بين أطباء الأسنان… بطالة الكفاءات تكشف عجز التحديث الاقتصادي
بقلم : النائب فراس القبلان
لم تأتِ خطة التحديث الاقتصادي، حتى الآن، بما يشعر به المواطن على أرض الواقع، ولم تقدم حلولًا كافية لاستيعاب عشرات الآلاف من المتعطلين عن العمل، خصوصًا خريجي الجامعات الذين ينتظرون سنوات للحصول على فرصة تليق بمؤهلاتهم.فالقطاع العام، في أفضل الأحوال، لا يستطيع توفير أكثر من ستة إلى سبعة آلاف وظيفة سنويًا، بينما يدخل سوق العمل عشرات الآلاف من الخريجين الجدد كل عام.
وفي المقابل، لا يزال القطاع الخاص عاجزًا عن استيعاب هذه الأعداد، ليس فقط بسبب محدودية الفرص، وإنما أيضًا بسبب تدني الأجور والحوافز وغياب الاستقرار والأمان الوظيفي.
فبعض مؤسسات القطاع الخاص تعرض وظائف برواتب لا تكفي لتغطية تكاليف المواصلات والسكن والاحتياجات الأساسية، ما يدفع الموظف إلى ترك عمله بعد فترة قصيرة.
ولا يجوز أن نلوم الشباب على العزوف عن بعض الوظائف قبل أن نسأل: هل تمنحهم هذه الوظائف دخلًا كريمًا؟ وهل توفر لهم ضمانًا اجتماعيًا وتأمينًا صحيًا وفرصة حقيقية للتطور؟
والمؤشرات في القطاعات الحيوية تدق ناقوس الخطر؛ فنقابة المهندسين تتحدث عن مهندس واحد لكل 41 مواطنًا، وبطالة تصل إلى 19%، ونقابة الصيادلة تحذر من تشبع المهنة وتراجع الأجور، ونقابة المحامين تشير إلى وجود محامٍ لكل 550 مواطنًا وأن سوق العمل لم يعد قادرًا على استيعاب أعداد الخريجين.
والأخطر أن البطالة وصلت إلى القطاع الطبي؛ إذ تشير تقديرات متداولة إلى وجود نحو ثمانية آلاف طبيب عام بلا عمل ، في ظل محدودية فرص التعيين والتدريب والإقامة والاختصاص.
كما تحذر نقابة أطباء الأسنان من أن نسبة البطالة بين أطباء الأسنان قد تصل إلى 50%، رغم ما تحمله الطلبة وأسرهم من سنوات طويلة من الدراسة وتكاليف مالية مرتفعة.
وإذا كانت البطالة تضرب الطب وطب الأسنان والهندسة والصيدلة والمحاماة، وهي من أكثر التخصصات حيوية وأهمية، فكيف هو الحال في بقية التخصصات؟
المشكلة لم تعد مجرد نقص في الوظائف، بل أصبحت نتيجة تراكمات طويلة: غياب الربط بين مخرجات التعليم وحاجات السوق، والاستمرار في قبول أعداد كبيرة في تخصصات مشبعة، وضعف الاستثمار المنتج، وتمركز فرص العمل في العاصمة، وعدم توفير بيئة جاذبة للمشروعات في المحافظات.
نحن لا نريد من خطة التحديث الاقتصادي أرقامًا جميلة على الورق، بل نريد إجابات واضحة:
أين الوظائف التي وُعد بها الشباب؟
ما نصيب المحافظات منها؟
وكم وظيفة دائمة وكريمة تم إيجادها فعلًا، لا وظائف مؤقتة أو منخفضة الأجر؟إن الوظيفة ليست مجرد شاغر، بل يجب أن تكون عملًا لائقًا بأجر عادل وحوافز تحافظ على الموظف وتمنحه الاستقرار والكرامة.
والمطلوب مراجعة جدية لخطة التحديث الاقتصادي، وإعلان نتائجها بلغة الأرقام، ووضع برنامج وطني ملزم لخلق الوظائف، ودعم أجور الشباب، وتنظيم القبول الجامعي وفق احتياجات سوق العمل، والتوسع في التعليم التقني والمهني.
فالبطالة ليست رقمًا في تقرير رسمي؛ إنها تأخير للزواج، وزيادة للفقر، وهجرة للكفاءات، وإحباط لجيل كامل.
وإذا لم تصبح فرص العمل أولوية وطنية حقيقية، فإن كل حديث عن التحديث سيبقى تحديثًا للخطط… لا لحياة الناس.