التصنيف: أقلام

  • النور الهاشمي يضيء سماء اليرموك

    النور الهاشمي يضيء سماء اليرموك

    د. زهير الطاهات

    حين تصبح الزيارة ذاكرةً، والمصافحة رسالةً، والحضور الإنساني وطنًا
    بالأمس، القريب وفي رحاب جامعة اليرموك، لم تكن الزيارة مجرد محطة في برنامجٍ رسمي، بل كانت لحظةً إنسانيةً وهاشميةً استثنائية، أشرقت فيها سموّ الأميرة بسمة المعظّمة بحضورها الدافئ، فغمر المكان شيءٌ من ذلك النور الذي يسبق الكلمات، وتصل رسالته إلى القلب قبل أن تصافح الأيدي.
    سموّها، التي اختارت للإنسان مكانًا متقدمًا في مسيرتها، تجوب ميادين الوطن من جنوبه إلى شماله، حاملةً رسالةً لا تعرف الحدود الجغرافية؛ تذهب إلى حيث الحاجة، وتقترب من حيث الألم، وتزرع في القلوب المتعبة فسحةً من الأمل، وعلى وجوه المحرومين بسمةً تستعيد معها الحياة شيئًا من بهائها.
    وفي مسيرتها الإنسانية، تتسع دوائر العطاء، وتمتد خدمات المراكز والمبادرات إلى شرائح واسعة من أبناء الوطن، ولا سيما النساء والفئات الأكثر احتياجًا، إيمانًا بأن تمكين الإنسان ليس مساعدةً عابرة، بل بناءٌ للقدرة، وفتحٌ لأبواب المشاركة، وإسهامٌ حقيقي في صناعة التنمية.
    وحين حلّت سموّها ضيفةً على اليرموك، بدا المشهد أكبر من زيارةٍ عابرة. كان اللقاء استعادةً لدفء العلاقة بين الهاشميين ومؤسسات الوطن، وتجسيدًا لذاكرةٍ وطنيةٍ تتوارثها الأجيال، عنوانها القرب من الناس، والإنصات إلى قضاياهم، والحرص على أن يبقى الإنسان محورًا في مسيرة الأردن.
    وفي لقائها عطوفة رئيس الجامعة، الذي عبر عن سعادته الكبيره بالزيارة المباركة لسموها ، ليكون الرد الهاشمية المعظمة عبارات الاعتزاز باليرموك والتي تحمل رسالة وطنية تربوية ، وكانت اليرموك، بتاريخها ورمزيتها ودورها العلمي والوطني، تستقبل واحدةً من الوجوه الهاشمية التي ارتبط حضورها في وجدان الأردنيين بالعمل الإنساني وقضايا المجتمع.
    وشعرت بالفخر والاعتزاز والولاء ، القاء مع سموها فكانت لي مع سموّها لحظةٌ ستبقى في الذاكرة.
    حين صافحتني سموّها بحرارةٍ امتزج فيها الوقار بالمحبة، شعرتُ أن بعض اللحظات لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ فالمصافحة كانت أبلغ من خطاب، والنظرة كانت أعمق من عبارة، والابتسامة حملت من المعاني ما تعجز اللغة عن اختزاله.
    صافحتني سموّها بيدها، لكنها صافحت وجداني قبل ذلك بحضورها الإنساني. وفي تلك اللحظة شعرتُ أنني أمام صورةٍ من صور الحنان الهاشمي الذي تعلّمنا أن نراه في القرب من الناس، وفي ملامسة احتياجاتهم، وفي تحويل المسؤولية إلى فعلٍ إنساني يترك أثرًا.
    تحدثتُ إليها حديث القلب؛ حديث الغيمة إلى أرضٍ عطشى، وحديث الإنسان إلى من يجد في حضورها مساحةً من الطمأنينة. ولم تكن اللحظة بالنسبة لي مجرد لقاءٍ مع شخصيةٍ هاشمية، بل كانت اقترابًا من معنىٍ عميقٍ يسكن وجدان الأردنيين: أن الهاشميين حين يقتربون من الناس، تصبح المسافة أقصر، ويصبح الوطن أكثر دفئًا.
    وفي اليرموك، حيث تتعانق المعرفة مع رسالة الوطن، كان حضور سموّ الأميرة بسمة المعظّمة امتدادًا لذلك المعنى؛ فالعلم يبني الإنسان، والعمل الإنساني يحفظ كرامته، والتمكين يمنحه القدرة على صناعة مستقبله، وحين تجتمع هذه القيم يصبح العطاء أكثر من مبادرة، ويتحول إلى رسالة.
    سلامٌ على النور الهاشمي حين يشرق في اليرموك.
    وسلامٌ على بسمةٍ هاشميةٍ تحمل اسمها رسالةً قبل أن تكون اسمًا؛
    بسمةٌ جاءت إلى اليرموك، فابتسمت لها القلوب قبل الوجوه،
    وتركت في المكان دفء حضورها،
    وفي الذاكرة أثرًا لا يغيب،
    وفي الروح يقينًا بأن أجمل ما في الوطن
    أن يبقى الإنسان فيه موضعًا للمحبة،
    وأن تبقى يد العطاء ممدودةً إلى الإنسان أينما كان.

     

  • في يوم المعلم.. أنت النبراس الذي لا ينطفئ

    في يوم المعلم.. أنت النبراس الذي لا ينطفئ

    في يوم المعلم.. أنت النبراس الذي لا ينطفئ

    بقلم الشيخ علي حسن الأحيوات «أبو محسن»

    منذ أن حمل الهاشميون راية هذه الدولة، كان التعليم في وجدان القيادة الهاشمية مشروعاً لبناء الإنسان، وإيماناً بأن نهضة الأوطان لا تبدأ من الحجر، وإنما تبدأ من الإنسان الذي يعرف ويقرأ ويتعلم ويبدع.

    ولم يكن الوصول إلى التعليم في الأردن يوماً حكراً على المدن أو المراكز، بل امتدت يد الدولة إلى القرى والنجوع والبوادي، وكان المعلم يرحل حيثما كان الطالب، ويقطع المسافات، ويقيم بين الناس، بل ويرافق حياة البادية في حلّها وترحالها، حتى يصل العلم إلى أبناء الوطن حيثما كانوا.

    وهنا تظهر عظمة المعلم في تلك المرحلة؛ فقد لم يكن مجرد موظف ينتظر جرساً أو نهاية دوام، بل كان رسول علمٍ يمشي على قدميه، ويحمل رسالة وطن بأكملها.

    ولذلك، فإن ما نراه اليوم من حضور للأردن ومكانة لأبنائه في ميادين العلم والمعرفة والمهن والتخصصات والمواقع المختلفة، إنما هو ثمرة تراكم طويل من الإيمان بالتعليم، ودعم الدولة له، وحرص القيادة الهاشمية على أن يكون العلم حقاً يصل إلى كل أردني وأردنية.

    المعلم… من تحت يديه خرج المجتمع كله

    في يوم المعلم، لا يكفي أن نقول: «شكراً للمعلم».

    فالمعلم أكبر من كلمة شكر، وأعمق من مناسبة عابرة.

    فمن تحت يدي المعلم تخرّج الطبيب الذي عالج الناس، والمهندس الذي بنى، والمحامي الذي دافع، والقاضي الذي حكم، والضابط الذي حمى، والمعلم الذي واصل الرسالة، والباحث الذي أضاف للمعرفة، والموظف الذي خدم وطنه، ورب الأسرة الذي ربّى أبناءه.

    بل إن كثيراً ممن يتبوؤون اليوم مواقع المسؤولية والمناصب، ويحملون أعلى الشهادات، ويشار إليهم بالبنان، كانت بدايتهم الأولى مع معلم وقف أمامهم يوماً، وكتب لهم حرفاً على السبورة، وعلّمهم كيف يقرأون، وكيف يفكرون، وكيف يميزون بين الصواب والخطأ.

    فكيف لنا أن نختصر مكانة المعلم في وظيفة؟

    المعلم ليس موظفاً فقط؛

    المعلم صانع أجيال، وباني عقول، وحارس قيم، وشريك أساسي في صناعة المجتمع.

    المعلم مؤتمن على فلذات أكبادنا

    إننا عندما نرسل أبناءنا إلى المدرسة، فإننا لا نسلّم المعلم كتباً ودفاتر فقط، بل نسلّمه أغلى ما نملك: أبناءنا ومهج أفئدتنا.

    نأتمنه على عقولهم، وأخلاقهم، وشخصياتهم، وننتظر منه أن يساعد الأسرة في بناء إنسان يعرف حق وطنه، ويحترم والديه، ويصون مجتمعه، ويتمسك بقيمه وأخلاقه.

    ومن هنا، فإن المحافظة على قيمة المعلم ومكانته الاجتماعية ليست مجاملة للمعلم، وإنما هي حفاظ على مستقبل المجتمع نفسه.

    فحين نحترم المعلم، فإننا نحترم العلم.

    وحين نرفع من شأن المعلم، فإننا نرفع من شأن المدرسة.

    وحين نحفظ للمعلم كرامته وهيبته، فإننا نحمي مكانة التربي

  • COP31: من الالتزامات المناخية إلى العدالة المناخية والعمل على الأرض

    COP31: من الالتزامات المناخية إلى العدالة المناخية والعمل على الأرض

    بقلم: د. أحمد عبدالقادر الربابعة/ الناشط في مجال التغير المناخي

    لم يعد التغير المناخي قضية مستقبلية يمكن تأجيل التعامل معها، بل أصبح واقعًا نعيشه ونلمس آثاره في تفاصيل حياتنا اليومية؛ من ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول، إلى الضغوط المتزايدة على المياه والزراعة والأمن الغذائي وسبل عيش المجتمعات المحلية.

    ومع اقتراب مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين (COP31)، تتجدد أهمية السؤال الذي يجب أن يكون حاضرًا في النقاش المناخي العالمي: كيف ننتقل من التعهدات إلى التنفيذ، ومن الخطط والسياسات إلى أثر حقيقي يشعر به الناس؟

    بالنسبة لي، لا تكمن أهمية COP31 فقط في حجم القرارات التي ستصدر عنه، وإنما في قدرته على الدفع باتجاه حلول عملية وعادلة، تأخذ بعين الاعتبار اختلاف احتياجات المجتمعات والدول، وخاصة المجتمعات الأكثر هشاشة والأقل قدرة على مواجهة آثار التغير المناخي.

    الشباب ليسوا مجرد مشاركين من خلال تجربتي في العمل مع الشباب، أرى أن الشباب يجب أن يكونوا جزءًا أساسيًا من عملية صناعة القرار المناخي، وليسوا مجرد حضور شبابي في المؤتمرات والفعاليات.

    الشباب اليوم يمتلكون المعرفة والطاقة والأفكار والقدرة على الابتكار، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى مشاركة مؤثرة في السياسات والبرامج والمشاريع المناخية، نحتاج إلى الانتقال من الحديث عن الشباب إلى الحديث مع الشباب ومن خلالهم، وإلى توفير مساحات حقيقية تمكنهم من طرح الحلول والمشاركة في تصميم السياسات ومتابعة تنفيذها،فالشاب الذي يعيش في قرية ويواجه تحديات مرتبطة بالمياه أو الزراعة أو فرص العمل، يمتلك معرفة محلية لا يمكن أن توفرها التقارير وحدها.

    المجتمعات الريفية في قلب المعادلة المناخيةعندما نتحدث عن العمل المناخي، يجب ألا تقتصر رؤيتنا على المدن والمراكز الحضرية، المجتمعات الريفية تقف في الخط الأمامي لمواجهة العديد من آثار التغير المناخي، وخاصة في قطاعات الزراعة والمياه والسياحة والموارد الطبيعية، وفي الوقت نفسه، تمتلك هذه المجتمعات فرصًا كبيرة لتكون جزءًا من الحل، من خلال الزراعة المستدامة، والطاقة المتجددة، وإدارة المياه، والسياحة البيئية، والمشاريع الخضراء، والابتكار المحلي، ومن هنا، فإن الاستثمار في المجتمعات الريفية ليس فقط استثمارًا تنمويًا، بل هو أيضًا جزء من الاستجابة لأزمة المناخ.

    العدالة المناخية ليست شعارًا من أهم القضايا التي يجب أن تبقى حاضرة في النقاشات المرتبطة بـCOP31 هي العدالة المناخية.

    فآثار التغير المناخي لا تقع على الجميع بالدرجة نفسها، كما أن قدرة المجتمعات على التكيف والاستجابة تختلف بشكل كبير، لذلك، فإن الحديث عن المناخ يجب أن يرتبط بالعدالة في الوصول إلى التمويل المناخي، والتكنولوجيا، والمعرفة، وبناء القدرات، والفرص الاقتصادية الخضراء، كما يجب أن تصل المشاريع والبرامج المناخية إلى المجتمعات المحلية، لا أن تبقى محصورة في المؤسسات والمراكز الكبرى.

    من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد الأخضرأعتقد أن التحول المناخي يمثل أيضًا فرصة لإعادة التفكير في مستقبل العمل والاقتصاد، الاقتصاد الأخضر يمكن أن يفتح أبوابًا جديدة أمام الشباب، خصوصًا في مجالات الطاقة النظيفة، والزراعة المستدامة، وإدارة الموارد الطبيعية، والتكنولوجيا الخضراء، وإعادة التدوير، والسياحة البيئية.

    لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب الاستثمار في المهارات الخضراء وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل الجديدة، فلا يمكن أن نتحدث عن انتقال أخضر حقيقي دون أن نضمن أن الشباب يمتلكون المهارات التي تمكنهم من المشاركة في هذا التحول والاستفادة من فرصه.

    ماذا ننتظر من COP31؟

    بالنسبة لي، نحتاج من COP31 إلى أكثر من بيانات ختامية وتعهدات جديدة.

    نحتاج إلى:–

    تعزيز تمويل العمل المناخي ووصوله إلى المجتمعات المحلية.

    إعطاء الشباب دورًا أكبر في صناعة السياسات المناخية.

    دعم المجتمعات الريفية في التكيف مع آثار التغير المناخي.

    تعزيز الاستثمار في المهارات والوظائف الخضراء.

    دعم الابتكار والحلول المحلية التي يقودها الشباب والمجتمع المدني.

    ربط العمل المناخي بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والعدالة.

    وضع آليات واضحة لقياس أثر الالتزامات المناخية ومتابعة تنفيذها.

     في النهاية، لا أعتقد أن نجاح أي مؤتمر مناخي يجب أن يقاس فقط بعدد المشاركين أو قوة البيانات التي تصدر عنه، بل بمدى قدرتنا على رؤية نتائج هذه القرارات في المزرعة، والقرية، والمدرسة، والجامعة، ومكان العمل، وفي حياة الناس اليومية، ويجب أن يكون محطة جديدة للانتقال من التعهد إلى التنفيذ، ومن المشاركة الرمزية إلى التأثير الحقيقي، ومن الحديث عن المستقبل إلى العمل من أجل حاضر أكثر عدا واستدامة.

    والشباب، في رأيي، ليسوا فقط جزءًا من مستقبل العمل المناخي، إنهم جزء أساسي من الحل اليوم

  • حرب تلد أخرى – الأوكرانية و كاليننغراد

    حرب تلد أخرى – الأوكرانية و كاليننغراد

    بقلم : د. حسام العتوم

    لاتبحث روسيا الاتحادية عن الحروب ، و لم تبدأ حربا يوما ما في عمق التاريخ ، و عبرتاريخها المعاصر منه وحتى الان ، لكن الحروب كانت تلاحقها و لازالت إلى يومنا هذا . ولا تتضمن العقيدة السياسية و العسكرية شن حروبا على دول العالم ، خاصة على دول الغرب التي تمثل حلف ( الناتو ) ، و في عام 2000 عرضت روسيا – بوتين على أمريكا – كلينتون دخول حلف ( الناتو) المعادي لها ، بهدف لجم الحرب الباردة ، و سباق التسلح ، و للتفرغ مع دول العالم شرقا و غربا لمواصلة البناء التنموي لما فيه كل الخير للبشرية جمعاء .

    لم تغزو روسيا فرنسا عام 1812 ، و إنما غزاها نابليون بونابارت بهدف وقف التجارة الروسية – البريطانية ، و لمنع اقتراب روسيا من بولندا حسب تقديره ، فهزمته روسيا بعد نصف عام من اجتياحه لها . وفي الحرب العالمية الأولى دخلت روسيا الحرب عام 1914 بعد مهاجمة ألمانيا لها ، و حافظت على توازنها و لم تهزم .وفي الحرب العالمية الثانية 1941 – 1945 هوجمت روسيا و عموم الاتحاد السوفيتي من قبل النازية الألمانية ، و تمكنوا معا من دحرها لعمق برلين ، ومن ثم رفع العلم السوفيتي فوق مبنى الرايخ ( البرلمان ) و إعلان النصر بعد فاتورة من الشهداء بلغت نحو 28 مليون نسمة .

    وفي حرب أفغانستان عام 1979 تصدت روسيا قائدة الاتحاد السوفيتي ، و بصورة مشتركة لحلف الناتو ، و لكي لا يرسو هناك وسط سعير الحرب الباردة وسباق التسلح ، و رغم مغادرة المكان عام 1989 إلا أنها و السوفييت حققوا ما أرادوا ، و شكلوا جدارا مانعا لزحف الغرب شرقا . وفي حربي الشيشان 1994 و 1999 تصدت روسيا للاختراق الغربي لسيادتها ، و نجحت . و لم تبدأ الحرب مع أوكرانيا كما تشيع ماكنة إعلام ( كييف ) و عموم ماكنات إعلام الغرب ، لكنها أي روسيا راقبت التحول السياسي الذي انتهجه نظام كييف مع اندلاع الثورات البرتقالية ، و قدوم نظامي بيترو باراشينكا و فلاديمير زيلينسكي ، و غرقهما التدريجي في الوحل الغربي ، و في مستنقعات حلف ( الناتو ) ، وعبر افشال اتفاقية ( مينسك ) 2015 ، ثم حوار أنقرة و افشاله ، وثم حوار اسطنبول و افشاله ، و كل ذلك بأيدي غربية . ولم تقبل روسيا توسع الناتو أن يتوسع شرقا تجاه حدودها ، وواصلت التصدي له ،و تتحداه إن أخطأ و تجرأ الهجوم و الحصار.

    و روسيا التي حركت عمليتها العسكرية الدفاعية ، التحريرية عام 2022 بقرار جماعي رئاسي ، أعيان و نواب ، و بتوقيع وشحه الرئيس فلاديمير بوتين ، وهدفت الحرب لأنهاء الحرب التي امتدت بداية داخل أوكرانيا من جهة الغرب تجاه الشرق و الجنوب ، و حصدت أرواح الأوكران و الروس معا ، و بطريقة عبثية مجنونة . و لم تحرك روسيا عمليتها العسكرية أولا ، لكنها حركت صناديق الأقتراع في القرم و الدونباس بنتيجة لصالح الأنضمام لروسيا و دخول الدستور الروسي ، و رفض التعامل مع نظام كييف ، ومع النظام الغربي المحرض على الحرب برمته . و روسيا الان منتصرة على الأرض و فوق الطاولة الرملية العسكرية ، و هي تقترب من تحرير كامل الدونباس بعد تحريرها للقرم ، و عينها على خاركوف ، و أوديسا حتى نهر الدنيبر، و بحجم يتجاوز ال 20% من الأراضي الأوكرانية ، و قد تحدق نظرها صوب العاصمة كييف ، و لا يوجد ما يمنعها ، أو يوقف حراكها ، فكل أوكرانيا في التاريخ المعاصر هي روسيا خاصة العاصمة ( كييف) التي كانت تسمى بكييفسكا روس ، أي كييف الروسية . ولقد قالها الرئيس بوتين نحن في روسيا و الأوكران شعب واحد ، بمعنى أوكرانيا لنا .

    نعم لن تهزم روسيا أبدا ، و سوف تنتصر لامحالة ، و تاريخها المعاصر و القديم يعج بالانتصارات ، وهي صاحبة حق ، و لم تكن يوما صاحبة باطل . و الروس و الأوكران إخوة و جيران المطاف ، و يعيشون حياة سلافية واحدة ، لكن الغرب يريد لهم أن ينقسموا و يتفرقوا ، و ينشروا العداء و سطهم ، و حلف الناتو المعادي لهم كذلك . لكن هيهات ، فالحلم الغربي سيفشل . و الان حرب أوكرانيا لم تنتهي بعد ، و بدأ الغرب يتحرش بمقاطعة ( كاليننغراد ) التي أصبحت في الحرب العالمية الثانية جزءا لا يتجزأ من روسيا الاتحادية العظيمة بعد انتصار السوفييت ، تماما كما جزر الكوريل اليابانية التي غدت و إلى الأبد روسية بعد مهاجمة اليابان للاتحاد السوفيتي نهاية الحرب الثانية . و بالمناسبة لقد أصبحت اليابان صديقة لأمريكا و تناست قصف أمريكا لها بالسلاح النووي ، و تماحك روسيا التي سمحت لها باستخدام أراضي الكوريل لأغراض سياحية و تجارية ، و ترفض توقيع السلام معها حتى اللحظة .

    فلماذا كاليننغراد الأن ؟ و لماذا لا يرغب الغرب استيعاب نتائج الحرب العالمية الثانية التي يطلق عليها الروس و عموم السوفييت لقب الوطنية العظمى ، التي لم يبدأوها ، و انتصروا فيها ، و مؤتمر بوتسدام نهاية الحرب بحضور الاتحاد السوفيتي ، والولايات المتحدة الأمريكية ، و المملكة المتحدة ، و شخصيات قيادية في مقدمتهم جوزيف ستالين ، و ميخائيل مولوتوف ، و أنطوني إيدن ، و إرنست يفين ثبت النصر السوفيتي التي تبني عليه روسيا كافة انتصاراتها إلى الأمام . و يبدو أن الغرب لا يفهم غير لغة الترسانة النووية العملاقة التي تمتلكها روسيا و تتبوأ فيها المرتبة الأولى عالميا ، و بوجودها لا تخشى حراك الغرب غير المشروع . ولقد هددت روسيا – بوتين ، و لافروف بإمكانية استخدام النووي العسكري حالة حصار الغرب ليكاننيغراد ، و بدأ الغرب يتراجع عن تصريحاته و مناوراته العسكرية . فهل وصلت الرسالة الروسية للغرب ؟ أملنا كبير بذلك .

    وفي المقابل ، يصر الغرب الذي كان واحدا ومثل الولايات المتحدة الأمريكية في عهد جو بايدن و بدايات عهد دونالد ترامب ، و المملكة المتحدة ( بريطانيا ) في زمن رئيس الوزراء باريس جونسون ، ثم انشطرت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب عنه و توجهت لحوار موسكو من جهة و بيع السلاح للاتحاد الاوروبي من جهة أخرى لتصدير المسيرات ( الدرون ) للعاصمة الأوكرانية ( كييف ) ، و الصواريخ قريبة المدى بهدف ازعاج روسيا ، و تحريض الشعوب الروسية على نظامها السياسي ، و فشلت ، و تعمل روسيا على افشال مساعي الغرب و ( كييف ) العدائية عبر المضادات العسكرية المتطورة ، و المجهزة بتقنيات حديثة متطورة ، و عبر نجاحاتها العسكرية على الأرض و في ميادين القتال . وتعتبر روسيا الحرب الأوكرانية من طرفها عملية خاصة تسعى لأنهاء الحرب في الوقت القريب المناسب ، وتعلن بأن الحرب المضادة الدفاعية مع الغرب في حالة شنها حربا عليها ستكون قصيرة ، بمعنى نووية رادعة ساحقة ، عندها و كما صرح الرئيس بوتين مؤخرا لن تجد روسيا من تحاور لتوقيع السلام بعد التفاوض . وفي الختام هنا أدعو أطراف الصراع فهم روسيا و دراسة تاريخها و تفهمها للقانون الدولي ، و سلام ضعيف خير من حرب مدمرة للحضارات و البشرية أمر مطلوب ، و روسيا ذات الوقت تمد يدها لمصافحة الغرب إن رغب بذلك .

  • صدمة المحروقات.. تعالوا نتخيل

    صدمة المحروقات.. تعالوا نتخيل

    بقلم : علاء القرالة
    تعالوا نتخيل أن الحكومة لم تقم بدعم المحروقات، ولم تتدرج في عمليات رفع الأسعار تجاوبا مع ارتفاع الأسعار عالميا، وأنها تركت الأسعار تنعكس على السوق المحلية كما هي، دون أي تدخل أو محاولة لامتصاص جزء من الارتفاعات، فماذا كان سيحدث؟ وكم كان المواطن سيدفع مقابل البنزين والسولار والكاز والغاز؟
    لنأخذ البنزين أوكتان 90 مثالا، فسعره الحالي يبلغ نحو دينار وخمسة قروش للتر، في حين أن السعر الواقعي، وفق الكلف الحالية، يقارب دينارا وثمانية قروش، أي أن الفارق يصل إلى نحو ثلاثة قروش في كل لتر.
    قد تبدو الثلاثة قروش قليلة، لكن عندما نتحدث عن استهلاك المملكة لنحو 4.3 مليون لتر يوميا، فإن الصورة تختلف تماما، إذ يعني ذلك أن الحكومة تتحمل نحو 129 ألف دينار يوميا، أي ما يقارب أربعة ملايين دينار شهريا، حتى يبقى السعر عند مستواه الحالي ولا يتحمل المواطن كامل الكلفة.
    أما السولار، فهنا الحديث مختلف تماما، لأن السولار لا يرتبط فقط بالمركبات، وإنما يدخل في النقل والشحن والإنتاج والزراعة والصناعة، وبالتالي فإن ارتفاع سعره لا يتوقف عند محطة الوقود، بل ينتقل إلى كل شيء تقريبا، فالسولار يباع حاليا بنحو 90 قرشا للتر، بينما يصل سعره الحقيقي إلى نحو دينار وثلاثة عشر قرشا، أي بفارق 23 قرشا للتر، وبنحو 4.6 دينار لكل تنكة سعة 20 لترا.
    ومع استهلاك المملكة نحو خمسة ملايين لتر يوميا، فإن الفارق يصل إلى نحو مليون و150 ألف دينار يوميا، أي ما يقارب 34.5 مليون دينار شهريا، وهنا فقط يمكن أن ندرك حجم الكلفة التي كان من الممكن أن تنتقل مباشرة إلى المواطن لو لم يكن هناك تدخل حكومي.
    والقصة لا تتوقف عند البنزين والسولار، فمادة الكاز تحديدا تمثل قصة أخرى، خصوصا أننا مقبلون على فصل الشتاء حيث يرتفع الطلب عليها وتزداد حاجة الأسر إليها،فالكاز يباع حاليا بنحو 55 قرشا للتر، بينما يصل سعره الحقيقي إلى نحو 95 قرشا، أي أن الفارق يبلغ 40 قرشا في كل لتر، وهو فارق كبير بالنسبة لأسرة تعتمد على الكاز في التدفئة.
    اما الغاز، وهنا ربما يكون الفرق الأكثر وضوحاً للمواطن، فأسطوانة الغاز المنزلي تباع حاليا بسبعة دنانير، بينما يبلغ سعرها الحقيقي نحو 12.5 دينار، أي أن الفارق يصل إلى نحو 5.5 دنانير في الأسطوانة الواحدة، ومع استهلاك المملكة لنحو 70 الف أسطوانة يوميا، أي ان الدعم يصل الى أكثر من 11مليون دينار شهريا دعم لها، وهذا الرقم مرشح للارتفاع خلال فصل الشتاء .
    خلاصة القول، لنتخيل فقط ماذا كان سيحدث لو تركت الأسعار العالمية تنعكس علينا بالكامل، دون دعم أو تدرج، فربما كان المواطن سيدفع أكثر بكثير مقابل تنقلاته، وربما كانت كلفة نقل البضائع سترتفع، وربما انعكس ذلك على أسعار السلع والخدمات، وربما أصبحت فاتورة التدفئة والغاز أكثر ثقلا على الأسر.

  • لماذا لا تثق مؤسساتنا بمنتجاتنا؟

    لماذا لا تثق مؤسساتنا بمنتجاتنا؟

    بقلم : مكرم الطراونة
    ثمة مفارقة يصعب فهمها في بلد يتحدث كثيرا عن دعم الصناعة الوطنية، وتشجيع الاستثمار، وتوفير فرص العمل لأبنائه، كما يطول الحديث عن خطط زيادة الصادرات، وتعزيز الاعتماد على الذات.
    في زياراتنا لمؤسسات حكومية أو شركات في القطاع الخاص، تقدم مياه أو عصائر لشركات غير أردنية، بعضها عربي وأخرى أجنبية، مع أن الأسواق الأردنية مليئة بمنتجات محلية من الأصناف نفسها، وبجودة منافسة.
    المفارقة الأكبر، حين يكون هذا السلوك صادرا عن مؤسسات يفترض أنها معنية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بدعم الاقتصاد الوطني، فمن غير المنطقي أن ندعو المواطن إلى شراء المنتج الأردني، بينما لا يظهر الالتزام نفسه في مشتريات المؤسسات والشركات.
    دعم الصناعة الوطنية لا يمكن أن يكون شعارا نرفعه في المؤتمرات وحملات الترويج، فالامتحان الحقيقي يظهر في فواتير الشراء، ليكشف الازدواجية التي نمارسها بحق الصناعة المحلية.
    عملية الشراء هي قرار اقتصادي، وحين تشتري مؤسسة منتجا أردنيا، فإن المال يذهب لصاحب المصنع، والعمال الذين يتقاضون رواتبهم، والموردين وشركات النقل والتوزيع، إضافة لقطاعات التغليف والتسويق والخدمات، واستثمارات يمكن أن تتوسع كلما نما الطلب. الدينار الذي ينفق على المنتج المحلي يمتلك فرصة أكبر لإعادة تدويره داخل الاقتصاد الوطني.
    ينبغي عدم الاستهانة بالمشتريات المؤسسية، لكن الأمر يصبح مختلفا إذا جمعنا مشتريات الوزارات والدوائر والمؤسسات العامة والجامعات والبنوك وشركات الاتصالات والفنادق والشركات الكبرى والمؤسسات الأهلية طوال عام كامل. حينها سنكون أمام سوق كبيرة وقوة شرائية هائلة.
    الخسارة تمتد إلى صورة المنتج الوطني في أذهان الناس، فحين نجد العلامة الأجنبية في المؤسسات والشركات، فإن ذلك يبعث رسالة ضمنية مفادها أن هذه العلامة هي الأكثر جودة أو مكانة أو جدارة، لنصنع بأيدينا ثقافة استهلاكية تربط الجودة بالأجنبي، وتضع المنتج المحلي بمرتبة أدنى قبل تجربته أصلا، ما يشكل ظلما كبيرا للصناعة الوطنية.
    لا يعني ذلك أن نشتري المنتج المحلي لمجرد أنه محلي، فالصناعة الوطنية لا تحتاج إلى مجاملة، ولا ينبغي أن نطالب المستهلك بشراء سلعة رديئة أو مرتفعة السعر تحت عنوان الوطنية. مثل هذا التفكير يسيء إلى الصناعة أكثر مما يخدمها، لأنه يحمي الضعف ويقلل دوافع التطوير. المطلوب أنه عندما يتوافر منتج أردني بالجودة والمواصفات المطلوبة وبسعر منافس، فينبغي أن تكون له الأولوية.
    هذه قاعدة اقتصادية يمكن أن تتحول إلى سياسة مؤسسية واضحة، بأن تبدأ المؤسسات الحكومية والشركات الكبرى بمراجعة سياسات مشترياتها. كما يمكن وضع مؤشرات سنوية لنسبة المشتريات المحلية، خصوصا في القطاعات التي يمتلك الأردن فيها قاعدة إنتاجية جيدة، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والكيماوية والبلاستيكية والورقية والأثاث والملابس وغيرها.
    القطاع الخاص معني بالأمر بالقدر نفسه، فالمسؤولية الاجتماعية للشركات لا تنحصر بالتبرعات والمنح ورعاية الأنشطة. الشركة التي تخصص جزءا أكبر من مشترياتها لموردين ومنتجين محليين تمارس شكلا أكثر استدامة من المسؤولية الاجتماعية، لأنها تساهم في رفع الطلب وخلق فرص العمل، ودعم شركات أخرى تعمل داخل الاقتصاد.
    لا نطالب بإغلاق السوق أمام المنتجات الأجنبية، فالمنافسة ضرورية، والانفتاح الاقتصادي حقيقة لا يمكن التراجع عنها. ما ينبغي نقده هو تلك القناعة المستترة التي تجعل بعضنا يشعر بأن تقديم علامة أجنبية أمام ضيوفه أكثر وجاهة، وأن المنتج المحلي يصلح للاستهلاك الشخصي.
    هذه الثقافة هي التي ينبغي تغييرها، لأننا لا نستطيع أن نطالب بمصانع أقوى، وتشغيل أكبر، واستثمارات أكثر، ثم نوجه جزءا من قدرتنا الشرائية إلى الخارج عندما يكون أمامنا البديل الوطني المناسب.

  • نهاية الكاش.. هل بدأت فعلاً؟

    نهاية الكاش.. هل بدأت فعلاً؟

    بقلم : علاء القرالة
    بين ليلة وضحاها، تغيرت تفاصيل طقوسنا المالية اليومية، فالأردنيون اليوم ينجزون تعاملاتهم، يشترون قهوتهم، يدفعون فواتيرهم، ويحولون أموالهم بحركة إصبع واحدة على شاشة الهاتف، ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن فكة أو فتح سحاب المحفظة، فما تغير؟.
    هذه ليس لقطة من فيلم خيال علمي، بل هي الواقع الرقمي الجديد الذي يفرضه الاقتصاد الأردني بصمت وثبات، فأحدث بيانات البنك المركزي تنسف كل الصور النمطية القديمة، بتسجيلها لأكثر من 700 مليون حركة دفع إلكتروني دارت من خلالها رؤوس أموال لامست حاجز الـ 50 مليار دينار، فرسالة تقول إن الاقتصاد الأردني يعيد تشكيل بنيته التحتية من الجذور.
    لسنوات طويلة، عانينا من أثقال “اقتصاد الكاش”؛ تلك البيروقراطية المقيتة، والكلف التشغيلية، وضياع الوقت في طوابير الانتظار، وحين أرادت الدولة أن تنتقل من مربع الأماني إلى ساحة الفعل، نجحت منظومة وطنية متكاملة تتصدرها ثورة “CliQ”، ومحافظ الهاتف النقال، والربط الذكي مع تطبيق “سند”، في إحداث هزة أرضية ناعمة في سلوك المواطن والشارع التجاري.
    وهنا تحديدا، لا بد من التوقف عند الدور الذي قامت به مؤسساتنا الوطنية، وفي مقدمتها البنك المركزي، الذي قاد خلال “السنوات الماضية” مسارا نحو بناء منظومة”دفع رقمية”متكاملة أثبتت قدرتها على الانتقال من مرحلة الفكرة والتخطيط لمرحلة الاستخدام اليومي والنتائج الملموسة.
    نحن أمام تحول لم يعد تقنيا فقط، بل تحول في الثقافة الاقتصادية وسلوك المواطن والشركات والدوائر الحكومية على حد سواء، فالـ50مليار دينار هي انعكاس لاتساع استخدام التكنولوجيا في الحياة الاقتصادية اليومية، ودليل على أن المواطن الأردني لم يعد يتعامل مع الدفع الرقمي باعتباره خيارا، بل أصبح في كثير من الحالات جزءا من تفاصيل حياته اليومية.
    الأهم من ذلك كله، أن هذه البنية التحتية الرقمية المتطورة باتت تشكل أرضية مهمة لنمو قطاع التكنولوجيا المالية “FinTech”، وتفتح الباب أمام الاستثمارات والمشاريع الريادية والابتكارات التي يمكن أن تجعل من الأردن مركزاً أكثر حضوراً في هذا القطاع على مستوى المنطقة.
    خلاصة القول، الاقتصاد الأردني لا يكتفي بالصمود أمام التحديات فقط، بل تحرك بخطوات ملموسة، نحو المستقبل الرقمي، وما هذه الأرقام الا شاهد على أن عجلة التحديث الاقتصادي في الأردن التي تجاوزت بالفعل مرحلة الحديث عن المستقبل، بدأت تنتج نتائج يلمسها المواطن والمؤسسة والسوق في حياتهم اليومية.

  • الموازنة الحرجة… حين يشتري الدين وقتا لا حلولا

    الموازنة الحرجة… حين يشتري الدين وقتا لا حلولا

    بقلم : محمد متعب فريحات
    لم تعد أرقام المالية العامة مجرد جداول تمر على القارئ ثم تنتهي، فخلف كل رقم قصة عن حاضر الاقتصاد وما يمكن أن ينتظره في السنوات المقبلة. وحين تظهر بيانات الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 أن الحكومة أطفأت 2.151 مليار دينار من ديونها حتى نهاية تموز، في الوقت الذي اقترضت فيه 3.925 مليار دينار من خلال إصدار سندات وأذونات خزينة، فإن المشهد يستحق قراءة أبعد من عبارة استبدال دين بدين. فالمسألة تتعلق بإدارة الاستحقاقات والسيولة من جهة، وبقدرة الاقتصاد على الخروج تدريجيا من دائرة الحاجة المستمرة إلى الاقتراض من جهة أخرى.

    إعادة التمويل في حد ذاتها ليست ممارسة استثنائية، بل أداة مالية تستخدمها الدول لإدارة اجال ديونها وتخفيف ضغوط الاستحقاقات، وقد يكون اللجوء إليها منطقيا عندما يسمح التمويل الجديد بآجال أفضل أو كلفة أقل. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمشروعية الأداة، وإنما بمدى قدرتها على أن تكون جزءا من مسار طويل الأجل يخفض الحاجة إلى الاقتراض، لا مجرد وسيلة متكررة لتأجيل الاستحقاقات. فكل دين له كلفة، وكل كلفة تعني موارد عامة تذهب إلى خدمة التزامات سابقة، وقد بلغت الفوائد المترتبة على إصدارات السندات وأذونات الخزينة نحو 876 مليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام. وهنا تبرز كلفة الفرصة البديلة، أي ماذا كان يمكن أن تفعل الدولة بهذه الموارد لو لم تذهب إلى خدمة الدين.

    ولا تقف المسألة عند الموازنة، فهناك أثر قد يلامس السوق مباشرة، وهو ما يعرف اقتصاديا بأثر المزاحمة. فعندما تتوسع الحكومة في إصدار أدوات الدين، تصبح هذه الأدوات جزءا أكبر من سوق التمويل المحلية، وقد تراها المؤسسات المالية خيارا استثماريا منخفض المخاطر نسبيا. وإذا اتسعت هذه القناة على حساب تمويل القطاع الخاص، فقد تواجه بعض الشركات، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، صعوبة أكبر في الحصول على التمويل أو تتحمل كلفة أعلى له، وهو ما قد يحد من قدرتها على التوسع والاستثمار وخلق فرص العمل.

    ومن هنا يتجسد السؤال الأهم، إلى أين تذهب الأموال التي نقترضها، فإذا كان الاقتراض يستخدم لإدارة الاحتياجات التمويلية والاستحقاقات من دون أن يضيف إلى القدرة الإنتاجية للاقتصاد، فإن أثره يبقى محدودا في معالجة أصل المشكلة. أما إذا وجه التمويل إلى مشاريع ترفع الإنتاجية وتزيد القيمة المضافة في قطاعات مثل المياه والطاقة والبنية التحتية والصناعة والنقل، فإن الاقتراض يمكن أن يتحول إلى أداة لبناء قدرة اقتصادية جديدة. والفرق بين الحالتين جوهري، لأن الاقتصاد الذي يقترض ليزيد إنتاجه وإيراداته يختلف عن اقتصاد يستخدم الاقتراض بصورة متكررة لتأجيل الاستحقاقات.

    كما أن المستثمر لا ينظر إلى حجم الدين منفردا، بل يراقب مساره وكلفة خدمته واجاله وقدرة الدولة على إدارته، إلى جانب قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو يوسع قاعدة الإيرادات. ولذلك فإن وضوح السياسة المالية واستقرارها، إلى جانب نمو اقتصادي حقيقي يقوده الاستثمار والإنتاج والتصدير، عناصر أساسية في بناء الثقة بالاقتصاد. ومن هنا لا ينبغي اختزال القضية في سؤال ما إذا كان الاقتراض ضروريا أم لا، بل في تفاصيل أكثر دقة تتناول حجم الاقتراض، ودواعيه، وكلفته، وأجله، ووجهته، والعائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع منه.

    والحل لا يكمن في إدارة الدين وحدها، بل في تقليل الأسباب التي تجعل الحاجة إلى الاقتراض مستمرة. وهذا يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم القطاعات القادرة على التصدير، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز التحصيل الضريبي بصورة عادلة، ومكافحة التهرب الضريبي، واستقطاب استثمارات ذات قيمة مضافة حقيقية. كما أن رؤية التحديث الاقتصادي تحتاج إلى أن تظهر نتائجها في النشاط الفعلي، من مصانع وشركات تتوسع، وصادرات ترتفع، واستثمارات تتولد عنها فرص عمل، واقتصاد تزداد قدرته على إنتاج دخله وتمويل احتياجاته.

    في المحصلة، يبقى إطفاء الديون وإعادة تمويل الاستحقاقات أدوات مشروعة في إدارة المالية العامة، وقد تكون ضرورية في أوقات معينة، لكنها لا تشكل وحدها حلا نهائيا لمشكلة المديونية. فإطفاء دين لا يعني انتهاء المشكلة، كما أن الاقتراض الجديد لا يعني بالضرورة وقوع أزمة. المعيار الأهم هو الاتجاه العام للمالية العامة، وما إذا كان الاقتراض جزءا من إدارة محسوبة تقود إلى اقتصاد أكثر إنتاجا وقدرة على توليد الإيرادات، أم يتحول مع الوقت إلى حل متكرر لتأجيل الاستحقاقات.

    وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر أهمية على طاولة القرار، ماذا صنعنا بما اقترضناه، فالدين يمكن أن يكون جسرا إلى اقتصاد أقوى إذا وجه إلى الاستثمار والإنتاج ورفع القدرة على توليد الدخل، لكنه يصبح أكثر عبئا عندما يظل دوره محصورا في شراء الوقت. والأردن يحتاج إلى أن يستثمر هذا الوقت في بناء اقتصاد يستطيع أن يمول مستقبله بموارده، بحيث يبقى الاقتراض أداة محدودة ومدروسة ضمن سياسة مالية واضحة، لا حلا دائما لكل استحقاق جديد.

  • خلف الورقة الصفراء حياة

    خلف الورقة الصفراء حياة

    بقلم :رمزي الغزوي
    لكل فصل دهشته الخاصة للشتاء حميميته التي تدخل بيوتنا مع أول طرقة مطر على زجاج نافذة، وللربيع ضحكة الدحنون وخجل الأقحوان ونعس السوسن، وللصيف لياليه الطويلة المعلقة بقمر ساهر وحكايات تطول. أما الخريف فيأتي كأنه يحمل من إخوته الثلاثة شيئا، ثم يخلطها جميعا في مزاجه الغريب، ويمنح الأرض وجها لا يشبه إلا نفسه.
    دخل الخريف علينا ، وفي أطراف ثوبه شيء من صيف لم يجمع حقائبه كاملة بعد. ما تزال الشمس تتدلل نهارا، وما تزال الليالي تحتفظ ببعض دفئها، لكن نسمة خفيفة تكفي كي تقول إن شيئا ما تبدل في سر العالم. الكروم تثقل بعناقيدها، والتين يختزن آخر حلاوته، والسماء تبدأ تمرينها الطويل على الغيم.
    وفي الخريف شتاء صغير يزورنا من دون موعد. غيمة عابرة، ورشة مطر مباغتة، ورائحة تراب تصعد من الأرض كأنها ذاكرة قديمة فتحت بابها فجأة. ولعل رائحة المطر الأول من الأشياء القليلة التي لا تحتاج إلى شرح؛ نشمها فنعرفها، كأن أجسادنا تحفظها منذ طفولة الأرض.
    وفيه شيء من الربيع أيضا. عصافير الفجر تستعيد ضجيجها الجميل قبل أن يثقل الشتاء أجنحتها، وورد الغريب يختار هذا الوقت تحديدا كي يعلن ألوانه، كأنه يريد أن يقول إن للزهور أكثر من تقويم، وإن الحياة لا تسأل الفصول دائما متى يحق لها أن تزهر.
    لكن أجمل دروس الخريف تلك الورقة الصفراء التي تنفصل عن غصنها وتتهادى نحو الأرض. ننظر إليها فنحسب أن حكايتها انتهت، فيما تكون الشجرة قد بدأت في المكان نفسه إعداد برعم جديد. لا موت كاملا في الطبيعة؛ هناك تبدل في الهيئة، وانتقال من صورة إلى أخرى، ودورة تعرف الأرض أسرارها أكثر منا.
    لهذا لا أحزن كثيرا أمام شجرة تتخفف من أوراقها. أراها تتعلم فن التخلي كي تستطيع أن تبدأ مرة أخرى. وربما نحن أيضا نحتاج إلى خريف صغير في أرواحنا، نسقط فيه ما أثقلنا، ونترك للريح ما لم يعد يصلح لحياتنا، ونفسح مكانا لبرعم لم يولد بعد.
    أهلا بالخريف. أهلا بقطعان غيامه الهائمة، وبمطره الناعم حين يعانق أرضا عطشى، وبالورق الأصفر حين يذكرنا، في لحظة سقوطه، أن النهاية بداية جديدة والصفار طريق لخضار يبهج.

  • الخطر الإسرائيلي كما يراه الملك

    الخطر الإسرائيلي كما يراه الملك

    بقلم : سميح المعايطة
    لا ينتظر جلالة الملك موسم الأمم المتحدة السنوي ليقول للعالم ما يجب أن يقال حول القضية الفلسطينيةوخطر السياسات الإسرائيلية في فلسطين والمنطقة، فدائما هذا الملف على رأس أجندة الملك في كل تحرك له في العالم.
    وأمس اختصر الملك وصف إسرائيل بأنها “دولة بلا رادع”، أي أنها تقوم بكل ما تريد دون ردع من المجتمع الدولي أو القانون الدولي والدول الكبرى، في ظل وضع عربي وفلسطيني يعلمه الجميع.
    لكن إسرائيل وسياساتها العدوانية كانت في خطاب الملك أمس في تشخيص جديد لأخطارها على الأردن، أولها الخطر القادم من سياساتها العدوانية في فلسطين وكل ما تفعله في الضفة الغربية والقدس، وهو خطر كبير؛ لأنه ضمن سياق فكري وسياسي توسعي هدفه تصفية القضية الفلسطينية، وسلب الفلسطيني أرضه وهويته، وأن يدفع الثمن طرف ثالث، أول عناصره الأردن، عبر التهجير والتوطين.
    والجديد تلك الرسالة الأردنية التي أطلقها الملك بحزم حول الخطر القادم من حدودنا الشمالية، نتيجة موجة العدوان الإسرائيلي على سوريا، والعمل الذي لم يتوقف ضد الأرض السورية لصناعة واقع جديد عبر العدوان العسكري وعبر محاولة تقسيم سوريا وفصل جزء منها على حدودنا الشمالية في السويداء، وكل هذا يصنع خطرا على أمننا الوطني على حدودنا، إضافة إلى تهديده لأمننا المائي والمصادر التي تأتي من الجنوب السوري.
    للمرة الأولى يتحدث الملك في هذا الملف بوضوح وحزم ورسالة واضحة، ويؤكد أن الأردن لن يشيح بوجهه عن هذه الأخطار، وأنه سيحمي حدوده ومصالحه.
    العدوانية الإسرائيلية أردنيا تتعدد مصادرها: غربا من الضفة الغربية، وشمالا نتيجة عدوان إسرائيل على سوريا ومخططات التقسيم ورسم واقع جغرافي في سوريا بدبابات الاحتلال الصهيوني.