التصنيف: أقلام

  • اللواء أحمد حسني .. وجوده صمام أمان مستقبلي للأردن

    اللواء أحمد حسني .. وجوده صمام أمان مستقبلي للأردن

    د. حمزة الشيخ حسين يكتب ..

    مع أنني لا أحبذ التعليق على جنرالات الدولة الذين يقومون بزيارات أو يحضرون مناسبات رسمية أو اجتماعية في البلاد، إلا أن موقفاً استوقفني، وأعتقد أنه يستحق التوقف عنده.

    كان اللواء أحمد حسني، مدير دائرة المخابرات العامة، حاضراً في إحدى المناسبات، وعندما تحدث أحد الحضور، قام بالتعقيب على حديثه بكل دقة ووضوح، وقال: «اسمح لي أخوي الكبير أن أقول: نحن لم نرث حب الأردن، بل رضعناه رضاعة».

    ثم أكمل حديثه بشكل مرتجل، ولم يتجاوز حديثه دقيقتين، لكنه اختزل في تلك الدقائق سردية كبيرة.

    لم يكن أمامه ورق مطبوع، ولم يكن قد حفظ كلماته عشرات المرات قبل أن يقف أمام الناس، كما يفعل بعض الذين يطوفون بعرض البلاد وطولها وهم يتحدثون عن الأردن، بينما تكون الأوراق بين أيديهم جاهزة، أو تكون الكلمات محفوظة عن ظهر قلب.

    كان حديثاً ارتجالياً جاء رداً على كلمة أحد الحضور، ومع ذلك أظهر قدرة ذهنية عالية، وسرعة في التقاط الفكرة، والقدرة على التعبير عنها في وقتها وبكلمات قليلة.

    وهنا توقفت.

    فمثل هذه المواقف الصغيرة تكشف أحياناً ما لا تكشفه الخطب الطويلة.

    وتحمل الناس على التفكر في القدرات التي يتمتع بها الرجل، وفي المؤسسة التي يقودها، وفي طبيعة العمل الذي تقوم به دائرة المخابرات العامة الأردنية، والتي أصبحت، بما تقوم به من عمل احترافي وسبق وقائي، خط الدفاع الأول عن أمن البلاد واستقرارها.

    والأردن اليوم بحاجة إلى أمثال هؤلاء الرجال.

    انظروا إلى من يتحدث، وإلى من كان على رأس عمله، وإلى من قاد البلاد نحو الضائقة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها اليوم، بسبب انعدام الفطنة وسوء التقدير، ثم اسألوا أنفسكم: ما هو المنطق الذي كان يحكم تلك القرارات؟

    فالأردنيون لم يعودوا ينظرون إلى المسؤول من خلال موقعه فقط، وإنما أصبحوا قادرين على التمييز بين من يمتلك الفطنة والذكاء لخدمة البلاد، وبين من يجيد مجرى الكلام والتصريحات، ويجعل جل همه أن ينال مقعداً أو كرسياً في جامعة أو مركز علمي أو ثقافي، حتى يبقى في الواجهات الإعلامية أطول فترة ممكنة.

    وهؤلاء كثر للأسف.

    بعضهم فرض نفسه على المسؤولين من خلال شبكة العلاقات العامة التي تجمعه بهم، وبات وجوده في الواجهة أمراً شبه دائم، ليس بالضرورة لأن لديه ما يضيفه للوطن، وإنما لأنه يعرف كيف يحافظ على حضوره.

    والشعب الأردني أصبح ناقماً على هذا المشهد، وعلى كل من ساهم في تحويل الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية إلى مساحة مغلقة تتكرر فيها الأسماء نفسها، وتفتح فيها الأبواب لمن يمتلك العلاقات أكثر مما تفتح لمن يمتلك الكفاءة.

    لهذا أقولها بوضوح:

    كم يحتاج الأردن اليوم إلى رجال دولة حقيقيين.

    رجال لا يبحثون عن الواجهة، بل تعمل الواجهة من أجلهم.

    رجال لا يحتاجون إلى أوراق طويلة حتى يثبتوا حضورهم.

    رجال إذا تحدثوا، أنصت الناس؛ وإذا صمتوا، عرف الناس أن وراء الصمت قراءةً لما يجري.

    ومن هنا، فإن وجود رجل مثل الباشا أحمد حسني في موقعه اليوم ليس مجرد وجود مسؤول أمني، وإنما يمثل، في تقديري، صمام أمان مستقبلياً للأردن، في ظل إقليم مضطرب وتحديات تتغير كل يوم.

    الأردن يتغنى إلى الأبد بذكرى الشهيد وصفي التل، وهذا حقه، لأن وصفي أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية الأردنية.

    لكن الأردن اليوم بحاجة أيضاً إلى الرجال الأحياء.

    بحاجة إلى رجال وجودهم يحيي الأرض بعد موتها، ويبث الحياة من جديد في جسد الشعب الأردني، ويعيد للناس شيئاً من الثقة بأن الدولة ما زالت قادرة على إنتاج رجال يعرفون معنى المسؤولية، ويضعون الأردن قبل أنفسهم.

    فالدول لا تحميها الكلمات وحدها، ولا الذكريات وحدها، ولا المناصب وحدها.

    الدول يحميها رجال يؤمنون بها، ويعرفون أن حب الوطن ليس ما نقوله أمام الناس، وإنما ما نحمله في داخلنا ونفعله عندما لا يرانا أحد.

    وهذا تحديداً ما استوقفني في تلك الدقائق القليلة التي تحدث فيها اللواء أحمد حسني.

    «نحن لم نرث حب الأردن… بل رضعناه رضاعة».

    كلمات قليلة، لكنها في زمن كثرت فيه الكلمات، كانت كافية لتقول الكثير.

  • ولي العهد في المغطس .. الأردن يستعد لكتابة فصل جديد من روايته العالمية

    ولي العهد في المغطس .. الأردن يستعد لكتابة فصل جديد من روايته العالمية

    بقلم : د. مارسيل جوينات
    ليست زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى موقع عمّاد السيد المسيح (المغطس ) مجرد زيارة لموقع ديني ذي مكانة تاريخية وروحية؛ فالتوقيت، وطبيعة التوجيهات، والسياق الوطني الأوسع للتحضير لعام 2030، جميعها تجعل من الزيارة محطة في مسار أردني يتجاوز فكرة الاحتفال إلى إعادة تعريف وظيفة المكان في المستقبل.

    فالمغطس يقف اليوم أمام لحظة تاريخية جديدة. وإذا كان الموقع قد احتفظ بمكانته بوصفه مكان ارتبط بمعمودية السيد المسيح، فإن التحدي الأردني لم يعد إثبات أهمية الموقع، بل كيفية تحويل هذه الأهمية التاريخية والروحية إلى حضور عالمي مستدام، وإلى تجربة متكاملة للحاج والزائر، وإلى قيمة مضافة للسياحة والاقتصاد والثقافة، وإلى مساحة تعكس صورة الأردن بوصفه بلد للحوار والاعتدال والعيش المشترك.

    ومن هنا تكتسب زيارة ولي العهد دلالتها، التوجيه بتحسين تجربة الحجاج المسيحيين والزوار، والتأكيد على التخطيط المبكر لاحتفالات الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، والتوسع في الترويج للموقع بالتنسيق بين وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة والشركاء، يضع ثلاثة عناوين مترابطة أمام الدولة: الخدمة، والاستعداد، والترويج.

    وهذه ليست عناوين إجرائية منفصلة؛ إنها مكونات لرؤية واحدة. فالحاج الذي يصل إلى المغطس لا يبحث فقط عن مكان يزوره، وإنما عن تجربة روحية وإنسانية متكاملة. ولذلك فإن تطوير الموقع يجب أن يبدأ من احترام قدسيته وهويته، لكنه لا ينتهي عندهما. المطلوب أن يجد الزائر منظومة متكاملة من المعلومات والخدمات والبنية التحتية والنقل والإرشاد والضيافة والمرافق، وأن يشعر بأن المكان يُدار بعقلية الموقع العالمي، لا بعقلية الموقع المحلي.

    وهنا تكمن أهمية التوجيه الملكي واهتمام ولي العهد: الانتقال من إدارة الموقع إلى إدارة التجربة. فالأردن أمام مناسبة نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في ألفي عام.

    لكن قيمة 2030 لا ينبغي أن تقاس بعدد الوفود التي ستصل، أو بعدد الفعاليات التي ستقام، أو بعدد الأيام التي ستستمر فيها الاحتفالات. القيمة الحقيقية تكمن في السؤال الذي يجب أن يسبق المناسبة: ماذا سيبقى بعد 2030؟ وهنا تصبح الاحتفالية وسيلة وليست غاية.

    لقد وضعت الدولة بالفعل إطار يتجاوز الاحتفال التقليدي؛ إذ شكلت لجنة وطنية رفيعة المستوى برئاسة رئيس الوزراء لتكون المرجعية الوطنية في التخطيط للفعاليات والسياسات والمخاطبات الدولية، كما يجري العمل على تطوير منتج الحج المسيحي والترويج للمغطس والمواقع الدينية الأخرى. وهذا يعني أن الأردن يتعامل مع 2030 باعتبارها مشروع لبناء المستقبل منطلق من الذاكرة.

    كما ان الاستثمار في المكان.. والاستثمار في الرواية، الأكثر أهمية فالتحضير بدأ يأخذ شكل تنموي ملموس،
    فقد اعلن عن حزمة مشاريع تبلغ نحو 120 مليون دولار في الأراضي المجاورة لموقع المعمودية ، تشمل متحف معمودية السيد المسيح، وقرية متكاملة للحجاج والزوار، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء ممر أخضر، على مساحة تقارب 1400 دونم. ومن المخطط أن تبدأ الأعمال الإنشائية الرئيسة في عام 2027، مع استهداف استكمال المشروعين الرئيسين في الربع الأول من 2029، أي قبل حلول موعد الاحتفالات.

    هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كلها. القصة الأهم هي أن الأردن القصة الأهم هي أن الأردن يحاول بناء منظومة حول المكان. وهذا التحول هو جوهر التفكير السياحي الحديث. وبذلك ينتقل المغطس من مفهوم “الموقع”إلى مفهوم “الوجهة”.

    وهناك بعد آخر لا يقل أهمية عن السياحة والاقتصاد.
    فالدول لا تقدم نفسها للعالم من خلال الجغرافيا وحدها، وإنما من خلال الروايات التي تنتجها عن ذاتها وعن تاريخها ودورها.

    وموقع المعمودية يمنح الأردن فرصة لصياغة رواية حضارية مختلفة، رواية أرض شهدت حدث محوري في التاريخ المسيحي، واحتضنت المسيحية منذ بداياتها، وتعيش اليوم انموذج من التعدد الديني والثقافي.

    لذلك فإن 2030 يمكن أن تكون لحظة لإعادة تقديم الأردن للعالم من خلال رواية المكان والإنسان والسلام. وهنا تتجاوز أهمية المناسبة حدود السياحة الدينية؛ إذ تصبح جزء من القوة الناعمة الأردنية.

    فموقع معمودية السيد المسيح يستطيع أن يقول للعالم إن الأردن ليس فقط بلد يستقبل الحجاج، بل بلد يمتلك إرث ديني حي ويؤمن بالحوار، ويحمي التنوع، ويجعل من الاختلاف مصدر للقوة لا سبب للصراع.

    الاحتفال الذي يجب أن يبدأ قبل 2030، يبدأ بإعداد سردية عالمية للمناسبة، وبناء شراكات مع الكنائس والمؤسسات الدينية في مختلف أنحاء العالم، وإطلاق حملة ترويج دولية، وربط موقع معمودية السيد المسيح بشبكة المواقع الدينية والتاريخية في الأردن، وتطوير برامج للحج المسيحي، وتأهيل الأدلاء والعاملين في السياحة، والاستفادة من الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي لإيصال قصة الموقع إلى الأجيال الجديدة.

    وهنا يمكن أن يصبح الأردن أكثر طموح ، لماذا لا تتحول 2030 إلى منصة عالمية للحوار بين الأديان والثقافات؟
    ولماذا لا تتزامن الاحتفالات مع مؤتمرات دولية، وملتقيات للسلام، وبرامج جامعية، ومعارض فنية وثقافية، وإنتاج أفلام وثائقية عالمية، ومشروعات بحثية حول التاريخ المسيحي في الأردن، ومسارات سياحية تربط موقع المعمودية بمادبا وجبل نيبو وعجلون والسلط وجرش وغيرها من المواقع التي تختزن طبقات متعددة من التاريخ؟

    بهذا المعنى يصبح الاحتفال حراك ثقافي وحضاري واقتصادي وليس برنامج احتفالي موسمي. ان ما يجري حول موقع المعمودية يلتقي فيه التاريخ بالدين والسياحة والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية والقوة الناعمة.

    والأردن يمتلك في هذه اللحظة عناصر نادرة، موقع ذا قيمة دينية عالمية، قيادة سياسية ترى في المناسبة فرصة وطنية، شراكة مع الكنائس، مشاريع تطويرية بدأت تتحول إلى واقع، وإطار مؤسسي للتحضير للاحتفال. ويبقى التحدي في تحويل هذه العناصر إلى رؤية واحدة متماسكة.

    وهنا يمكن فهم زيارة ولي العهد باعتبارها رسالة بأن المغطس ليس ملف سياحي هامشي، وإنما جزء من صورة الأردن المستقبلية. فالأردن لا يستعد فقط لاستقبال العالم في 2030؛ بل يستطيع أن يستعد لإعادة تعريف نفسه أمام العالم.

    وإذا نجح في ذلك، فإن ضفاف نهر الأردن لن تكون في 2030 مجرد مكان لاستعادة ذكرى عمرها ألفا عام، بل مساحة لصناعة ذاكرة جديدة للمستقبل؛ ذاكرة تقول إن الأماكن المقدسة يمكن أن تكون جسور بين البشر، وإن التاريخ يمكن أن يتحول إلى تنمية، وإن الإيمان يمكن أن يكون لغة للحوار، وإن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملك من موارد، وإنما بما تستطيع أن تقدمه للعالم من معنى ورسالة ورواية.

    وهنا تحديدًا تكمن القيمة الأعمق لموقع معمودية السيد المسيح ” المغطس”، أن يتحول من مكان يحمل ذاكرة الماضي إلى مشروع يصنع حضور الأردن في المستقبل.

  • عبد الرؤوف الروابدة في الجامعة الأردنية… خبرة الدولة في خدمة الجامعة الأم

    عبد الرؤوف الروابدة في الجامعة الأردنية… خبرة الدولة في خدمة الجامعة الأم

    بقلم : د. آدم توفيق العماوي/ الجامعة الأردنية

    يحمل صدور الإرادة الملكية السامية بتعيين دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة رئيسا لمجلس أمناء الجامعة الأردنية دلالة خاصة، تجمع بين مكانة الجامعة الأم، بوصفها واحدة من أهم المؤسسات الوطنية والأكاديمية في الأردن، وبين خبرة شخصية وطنية ارتبط اسمها بعقود طويلة من العمل والمسؤولية وخدمة الدولة ومؤسساتها.

     فالجامعة الأردنية، بتاريخها الممتد ودورها في التعليم والبحث العلمي وبناء الكفاءات والقيادات، مؤسسة وطنية راسخة، تواصل مسيرتها مستندة إلى إرثها ومنجزها، وإلى ما تجتمع حولها من خبرات وكفاءات قادرة على الإسهام في استشراف مستقبلها وتعزيز مكانتها.

     ومن هنا تأتي أهمية اختيار دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة لرئاسة مجلس أمنائها. فالحديث عن الروابدة لا يحتاج إلى تعداد للمناصب التي شغلها، بقدر ما يحتاج إلى التوقف عند ما صنعته تلك المسيرة من خبرة عميقة في الدولة ومؤسساتها، وحكمة في التعامل مع المسؤولية، وحنكة في قراءة المشهد وصناعة القرار، وشخصية عرفها الأردنيون بالصراحة والوضوح وقوة الحضور.

     ولعل لقب «البلدوزر»، الذي أطلقه عليه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، يلخص جانبا من هذه الشخصية، بما يحمله من دلالة على الحزم والقدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية. وهو لقب يعبر عن مسيرة طويلة لرجل دولة عرف بالموقف والجرأة في اتخاذ القرار والعمل في خدمة الدولة ومؤسساتها، وحظي بثقة جلالته وتقديره في محطات متعددة من مسيرته الوطنية.

     ويضيف إلى دلالة هذا الاختيار أن الروابدة ليس بعيدا عن البيئة الأكاديمية أو عن الجامعة الأردنية نفسها، فقد كانت له فيها تجربة أكاديمية ومؤسسية سابقة. واليوم يعود إليها بعد عقود من الخبرة الوطنية، من موقع مختلف ومسؤولية جديدة، حاملا معه رصيدا واسعا من المعرفة بالدولة ومؤسساتها، ليضع هذه الخبرة في خدمة جامعة يعرف مكانتها ورسالتها.

     وهنا تبرز أهمية المرحلة المقبلة. فمجلس الأمناء ليس إطارا بروتوكوليا، بل أحد أركان الحوكمة الجامعية، ودوره يمتد إلى التوجه الاستراتيجي ومستقبل الجامعة واستدامتها وتنافسيتها. وفي وقت يشهد فيه التعليم العالي تحولات متسارعة في البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتنافسية الدولية، تصبح الخبرة والحكمة والقدرة على استشراف المستقبل عناصر أساسية في قيادة المؤسسات الأكاديمية الكبرى.

     ويأتي هذا الاختيار في إطار ثقة ملكية سامية نعتز بها، في ظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المعظم، وما يحظى به التعليم وبناء الإنسان الأردني من رعاية واهتمام، إيمانا بدور الجامعات في صناعة المعرفة وإعداد الكفاءات والإسهام في مستقبل الدولة.

     إن اجتماع مؤسسة وطنية عريقة بحجم الجامعة الأردنية، ومجلس أمناء يضم نخبة من الخبرات والكفاءات برئاسة دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، مع إدارة جامعية يقودها معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات بما عرف عنه من رؤية أكاديمية وطموح في تطوير الجامعة وتعزيز حضورها ومكانتها، يشكل معادلة مؤسسية تبعث على التفاؤل. فالجامعة حققت خلال السنوات الماضية خطوات مهمة في مسيرتها الأكاديمية والبحثية وحضورها الدولي، والمرحلة المقبلة تفتح المجال للبناء على هذا المنجز من خلال تكامل واضح بين مجلس الأمناء وإدارة الجامعة، يجمع خبرة الدولة والرؤية الاستراتيجية مع الخبرة الأكاديمية والإدارة التنفيذية، ويوجهها جميعا نحو مصلحة الجامعة ومستقبلها.

     ولعل قوة هذه المرحلة تكمن في هذا التكامل؛ فمجلس أمناء برئاسة الروابدة، وإدارة جامعية بقيادة عبيدات، يجتمعان في مسؤولية مشتركة تجاه مؤسسة وطنية أكبر من الجميع، هي الجامعة الأردنية.

     ومن هنا، فالتهنئة بهذه المناسبة لا تتجه إلى شخص أو موقع وحده، بل إلى الجامعة الأردنية وأسرتها ومجلس أمنائها، وإلى دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة بالمسؤولية الجديدة، مع الثقة بأن خبرته وحكمته ستكونان إضافة مهمة في خدمة الجامعة ورسالتها.

     مبارك للجامعة الأردنية ولمجلس أمنائها هذه الثقة الملكية السامية، وخالص التمنيات لدولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة وأعضاء المجلس، ولإدارة الجامعة برئاسة معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، بالتوفيق في حمل المسؤولية ومواصلة مسيرة الجامعة الأم وتقدمها، بما يليق بتاريخها ومكانتها ودورها في خدمة الأردن.

  • ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية …. حين تثمر الدبلوماسية في عواصم القرار

    ما وراء الحدث من لندن بعيون أردنية …. حين تثمر الدبلوماسية في عواصم القرار

    بقلم : حلمي الحراحشة

    من لندن، حيث أتابع المشهد السياسي البريطاني عن قرب، تبدو التحركات البريطانية والأوروبية الأخيرة تجاه إسرائيل أكثر من مجرد قرارات فرضتها تطورات الأيام الأخيرة. خلف هذه المواقف مسار سياسي طويل، تراكمت خلاله الرسائل والمواقف، وتغيرت معه حسابات عدد من العواصم المؤثرة.

     وبعد حديث مع عدد من السياسيين والمهتمين بهذا الملف، خرجت بانطباع واضح بأن التحرك الدبلوماسي الذي قاده جلالة الملك عبدالله الثاني خلال السنوات الماضية كان له دور مهم في تهيئة الأرضية السياسية التي نرى بعض نتائجها اليوم.

     وفي حديث خاص مع أحد السياسيين البريطانيين الذين أتابع معهم هذه الملفات عن قرب، كان لافتاً قوله إن التحركات الملكية على مدى السنوات الماضية كان لها دور كبير في الدفع بهذا الاتجاه، خصوصاً أن جلالة الملك لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً موسمياً، بل أبقاها حاضرة في لقاءاته مع قادة العالم وفي مختلف القمم والمؤتمرات والمحافل الدولية.

     وهذه الشهادة من داخل المشهد السياسي البريطاني تستحق التوقف عندها؛ ليس لأنها مجاملة سياسية، وإنما لأنها تعكس أهمية العمل التراكمي في صناعة المواقف الدولية.

     وقال لي السياسي البريطاني في سياق حديثنا إن أسبوعاً واحداً في السياسة البريطانية قد يكون وقتاً طويلاً، بسبب كثافة القرارات والأحداث والتطورات التي يمكن أن تغير المشهد بسرعة.

     لكن سرعة القرار لا تعني أن القناعة التي تقف خلفه ولدت في أسبوع.

     وهنا تحديداً تكمن أهمية التحرك الملكي.

     فعلى مدى سنوات، ظل جلالة الملك عبدالله الثاني يضع أمام المجتمع الدولي حقيقة واضحة: لا يمكن بناء أمن مستدام في المنطقة من دون حل القضية الفلسطينية، ولا يمكن الوصول إلى سلام حقيقي من دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين.

     وفي المحافل الدولية، لم يكتفِ جلالته بتشخيص المشكلة، بل حذر بصورة متواصلة من تداعيات الاستيطان والإجراءات الأحادية الجانب ومحاولات فرض أمر واقع جديد، مؤكداً أن تجاهل حقوق الفلسطينيين سيقود إلى مزيد من التوتر، وأن استمرار هذا النهج يهدد فرص السلام والاستقرار للجميع.

     وكانت قوة هذا الموقف في استمراريته؛ فالرسالة الملكية لم تتبدل بتبدل الحكومات أو تغير أولويات العواصم، ولم تكن مرتبطة بحدث واحد أو ظرف سياسي عابر. وهذا تحديداً ما يجعل من السهل اليوم تتبع خيط واضح بين التحذيرات التي أطلقت في السنوات الماضية وما نشهده من تحولات في بعض المواقف الدولية.

     ومن المهم هنا التوقف عند مسألة قد لا تحظى بالاهتمام الكافي: أهمية التوثيق والأرشفة السياسية لهذا المسار.

     فالتاريخ السياسي لا يُكتب فقط من خلال ما يحدث اليوم، وإنما من خلال تسلسل المواقف والوثائق والخطابات واللقاءات التي سبقت الحدث. وفي هذا السياق، تبرز اللجنة الملكية لشؤون القدس بوصفها جهة معنية بمتابعة وتوثيق وأرشفة جانب مهم من هذا الجهد المتصل بالقدس والقضية الفلسطينية وتطوراتها.

     وهذا التوثيق يتجاوز مسألة حفظ الذاكرة؛ فهو يتيح للأجيال والباحثين أن يعودوا إلى الوقائع كما حدثت، وأن يقارنوا بين ما كان الأردن يحذر منه بالأمس وما أصبح العالم يواجهه اليوم.

     وفي زمن تتغير فيه الأخبار خلال ساعات، تصبح الأرشفة السياسية أداة لفهم التاريخ، وليست مجرد حفظ له.

     واليوم، عندما نرى بريطانيا ودولاً أوروبية تتجه إلى مواقف أكثر حزماً، فإن قراءة المشهد من زاوية اللحظة وحدها لا تكفي. فالسياسة الدولية لا تتحرك عادة بسبب تصريح واحد أو اجتماع واحد، وإنما نتيجة تراكم طويل من القناعات والضغوط والتطورات وتبدل الحسابات.

     ولا يعني ذلك أن كل قرار أوروبي صدر اليوم هو نتيجة مباشرة للتحرك الأردني، فلكل دولة حساباتها ومصالحها واعتباراتها. لكن من الصعب تجاهل أن الأردن كان طوال سنوات من الأصوات الأكثر وضوحاً في التحذير من النتائج التي وصل إليها المشهد اليوم.

     وهذا هو جوهر الدبلوماسية الملكية: العمل قبل أن يصبح الحدث أزمة، وشرح المخاطر قبل أن تصبح واقعاً، وبناء القناعات قبل أن تتحول إلى قرارات.

     ومن لندن، أرى أن أهمية ما يحدث اليوم لا تكمن فقط في الإجراءات التي اتخذتها بريطانيا وبعض الدول الأوروبية، وإنما في التحول الذي تعكسه هذه الإجراءات في طريقة التعامل مع القضية الفلسطينية والسياسات الإسرائيلية.

     ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية داخل إسرائيل، تزداد حساسية المرحلة، لأن الرسائل القادمة من الحلفاء الغربيين لم تعد تقتصر على البيانات السياسية، وإنما بدأت تأخذ أشكالاً عملية يمكن أن تدخل في حسابات صانع القرار الإسرائيلي.

     وهنا تعود بنا الصورة إلى بدايتها: ما يبدو قراراً سريعاً اليوم قد يكون ثمرة سنوات من العمل الهادئ، والاتصالات، والتحذير، والإقناع.

     لقد أبقى جلالة الملك عبدالله الثاني الأردن حاضراً في عواصم القرار، مدافعاً عن السلام العادل، وعن حل الدولتين، وعن القدس، وعن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

     ومن لندن، وبعيون أردنية، أرى أن أفضل قراءة لما يجري اليوم هي ألا ننظر إلى الحدث منفرداً، بل إلى ما وراءه: إلى سنوات من الدبلوماسية، وإلى مواقف موثقة، وإلى رؤية ملكية سبقت كثيراً من التطورات التي نراها الآن.

     فالدبلوماسية قد تتأخر ثمارها، لكنها عندما تقوم على الثبات والرؤية وطول النفس، فإنها تستطيع أن تصل في النهاية إلى عواصم القرار.

  • عشرون عاماً من الريادة المؤسسية: جلالة الملك يجدد رؤية التحديث ويطلق مرحلة جديدة من التطوير

    عشرون عاماً من الريادة المؤسسية: جلالة الملك يجدد رؤية التحديث ويطلق مرحلة جديدة من التطوير

    بقلم : خليل قطيشات

    ​في محطة استثنائية تعكس الإرادة الهاشمية الراسخة في ترسيخ نهج الكفاءة والابتكار، رعى صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين الحفل الوطني الفعّال الذي أقيم بمناسبة مرور عقدين من الزمان على التأسيس، معلناً الانطلاقة الرسمية للدورة الجديدة من الجوائز الممتدة بين عامي ألفين وستة وعشرين وألفين وثمانية وعشرين.

    ​وشهدت الاحتفالية لفتة ملكية سامية تمثلت في تكريم نخبة من القيادات والرواد الذين أرسوا اللبنات الأولى للمسيرة وساهموا في هندسة نجاحاتها المتعاقبة؛ إذ شمل التكريم المسؤولين السابقين والإدارات التنفيذية التي تعاقبت على الإشراف والقيادة، وفاءً لجهودهم المعطاءة وتكليلاً لدورهم في ترسيخ قواعد النهج المؤسسي الأردني.

    ​وفي سياق الكلمات التأطيرية للحدث، سلطت القائمون على إدارة الجائزة الضوء على حجم الإنجازات المتراكمة خلال عقدين، مؤكدين أن المنظومة تتجه اليوم نحو مرحلة أكثر عمقاً وأثراً عبر تحديث المعايير وتطوير أدوات القياس وتقييم الأداء. وترتكز الدورة الجديدة على الارتقاء بمعايير الكفاءة وبناء القدرات، بما ينعكس مباشرة على تجويد صناعة القرار وتطوير قدرات الكوادر البشرية.

    ​ولم تقتصر الرؤية المحدثة على الأطر الإدارية التقليدية، بل وسعت مستهدفاتها لتشمل شراكة استراتيجية أوسع نطاقاً مع القطاع الخاص والجامعات والمؤسسات التعليمية، بهدف رفد سوق العمل بكفاءات شابة مجهزة بمهارات المستقبل. كما تعتمد الدورة المقبلة معايير مرنة تقيس مدى قدرة المؤسسات على التكيف مع المتغيرات، واستجابتها السريعة لتطلعات المواطنين من خلال رفع جودة الخدمات وتحسين تجربتهم عبر كافة القنوات التقليدية والرقمية.

    ​وقد شهد الحفل حضوراً رفيع المستوى تقدمه كبار رجال الدولة الأردنية وقيادات القطاعين المدني والعسكري، في تأكيد واضح على الالتزام الثابت برؤية التحديث الشاملة، وجعل التطوير المستدام ركيزة أساسية لرسم ملامح المستقبل.

  • مهندس الواقع الخفي كيف يدير العقل الباطن تفاصيل حياتنا من خلف الكواليس

    مهندس الواقع الخفي كيف يدير العقل الباطن تفاصيل حياتنا من خلف الكواليس

    بقلم  : خليل قطيشات

    ​يقف الإنسان في منتصف هذا العالم متوهماً أنه السيد المطاع لقراراته، وأن كل خطوة يخطوها هي وليدة لحظة حاسمة من التفكير المنطقي والوعي الخالص. غير أن الحقيقة العلمية والإنسانية تكشف عن مشهد مختلف تماماً، حيث يقبع في أعماق البنية النفسية للسيادة البشرية محرك هائل لا يهدأ ولا ينام، يعمل بدقة متناهية ليصيغ تفاصيل حياتنا اليومية وسلوكياتنا الممتدة. إن العقل الباطن ليس مجرد مفهوم فكري أو مصطلح في كتب النفس، بل هو القوة الناظمة التي تدير العمليات المعقدة للوجود البشري، والمستودع الأبدي لكل تجربة وفكرة وشعور مر بنا منذ الصغر.

    ​تتجلى العظمة الحقيقية لهذا النظام الداخلي في تلك القدرة الفائقة على الاستمرار والعمل دون أدنى تدخل من الوعي اليومي الشاخص. بينما ينشغل العقل الظاهر بتحليل المواقف اللحظية واتخاذ القرارات السريعة، يتكفل هذا العملاق الخفي بإدارة أجهزة الجسد الحيوية بتناغم مذهل، من تنظيم ينبض به القلب إلى أنفاس تتلاحق دون أملال، متجاوزاً الحدود الفسيولوجية ليصبح البنك المركزي للذاكرة الإنسانية. كل صورة شهدتها العين، وكل كلمة نطق بها لسان أو استقرت في مسامعنا، يتم أرشفتاها وتصنيفها في هذا الخزان العميق، لتتحول مع مرور الوقت إلى بوصلة خفية توجه انفعالاتنا، وتبني قناعاتنا، وترسم طبيعة استجاباتنا للمخاطر والفرص على حد سواء.

    ​من خلال هذه الأرشيفة الضخمة، يصيغ العقل الباطن طبيعة العادات والمهارات التي تميز السلوك البشري. فعندما يحاول الفرد تعلم مهارة جديدة كالكتابة أو قيادة السيارة، يستهلك العقل الواعي طاقة جبارة للتركيز في كل التفاصيل الصغيرة، إلا أن تكرار الفعل يدفع بهذه المهارة تدريجياً نحو أروقة اللاواعي، لتستقر هناك كبرنامج تلقائي يعمل بكل يسر وسلاسة. وفي الوقت ذاته، يخوض هذا المحرك الداخلي رحلة دؤوبة في حل المشكلات الشائكة، حيث يواصل ربط الخيوط وتفكيك الألغاز في الخفاء، حتى يفاجئ صاحبه بشرارة من الإلهام أو حل إبداعي ينبت فجأة في لحظات الاسترخاء أو عند الاستيقاظ من النوم.

    ​إن إدراك الطبيعة الاستثنائية للعقل الباطن يفتح الباب أمام تشكيل واقع جديد قائم على الفهم والاستثمار الواعي لهذه الطاقة. فهو لا يفرق بين الواقع والتخيل، بل يستجيب للرسائل والأفكار المتكررة باعتبارها حقائق مطلقة يتوجب تجسيدها في أرض الواقع. ومن هنا تصبح الكلمات التي نحدث بها أنفسنا، والبيئة الفكرية التي نحيط بها عقولنا، بمثابة التعليمات التشغيلية التي تسير خياراتنا المستقبلية. إن هذا المدى النفسي ليس غريباً عنا، بل هو الصديق الأصدق والشريك الخفي الذي إن أحسنا تغذيته بالرؤى الإيجابية والإصرار، تحول من مجرد مخزن للذكريات إلى جسر متين يعبر بنا نحو تحقيق أقصى طاقاتنا البشرية.

  • من فوضى الإقليم إلى اقتصاد الفرص .. بطالة الشباب أولوية

    من فوضى الإقليم إلى اقتصاد الفرص .. بطالة الشباب أولوية

    بقلم : د. روان سليمان الحياري
    في إقليم تعاد صياغة خرائطه السياسية والاقتصادية تحت وقع الحروب والصراعات، قد يبدو طبيعياً أن تنشغل الدول بإدارة الأزمات وانتظار عودة الاستقرار. لكن الخطر الأكبر ليس فقط ما تسببه الفوضى من خسائر، بل ما قد يفوت من فرص بانتظار أن يهدأ الإقليم.
    أما العالم فلا ينتظر! سلاسل توريد يعاد تشكيلها، ومسارات التجارة والطاقة تتغير، والموانئ والطرق والسكك الحديدية تتحول إلى أدوات نفوذ، فيما تعيد رؤوس الأموال والشركات الكبرى تموضعها على أساس الاستقرار والاستدامة والقدرة على الوصول إلى الأسواق.
    وهنا ينبغي ألا يقتصر السؤال على: كيف نحمي اقتصادنا من تداعيات الإقليم؟ بل كيف نستثمر التحولات التي ينتجها؟
    الأردن يمتلك جيوبوليتك مهم، ويمتلك قطاعات لها حضور تنافسي في الكثير من القطاعات منها: الأدوية والفوسفات والأسمدة والصناعات على اختلافها والخدمات والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات الصناعية المهمه التي لم تأخذ فرصتها الحقيقية بعد. لكن الموقع وحده لا يكفي، فمرور التجارة (تجارة العبور/ الترانزيت) ليست هدفاً بحد ذاته. لان الاستثمار الحقيقي يكمن في اقتصاد القيمة لا اقتصاد العبور؛ أي توطين الحركة التجارية والاستثماريه الإقليمية وتحويلها إلى استثمار وإنتاج وصادرات وفرص عمل للشباب.
    وهنا تبقى بطالة الشباب في صلب الأولويات الوطنية، مهما ارتفعت أهمية الملفات السياسية والأمنية. فالقيمة الحقيقية للنمو انتاجها إلى فرص اشتثماريه ووظائف عمل، فجذب الاستثمار يجب أن يبنى عليه نقل المعرفة وبناء قطاعات جديدة والتركيز على تعزيز البناء على قطاعات القيمة المضافة الاردنية، وخلق غيرها
    نحتاج لهذا الانتقال من الاستجابة بإدارة الاستثمار إلى المبادرة بهندسة الفرص الاستثمارية نحو شراكات استراتيجية أوسع، بملفات استثماريه متخصصة جاهزة تطرح فرصة محددة، سوق واضح، كلفة وحوافز، قوى عاملة مؤهلة، قدرة على التصدير، تشريعات داعمة، وعائد متوقع، خبرة وكفاءات أردنية، وربط مبكر بفرص إعادة الإعمار والبنى التحتية والطاقة والخدمات.
    في هذا كله، يبقى رأس المال البشري الأردني، وجودة المنتج الأردني الميزة التنافسية الأهم، في عالم يبحث عن موردين موثوقين، كما ان الجودة والالتزام ميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن السعر، فالبطالة بين صفوف الشباب الأردني، يجب ألا يُنظر إليها باعتبارها ملف بطالة فقط، بل باعتبارها جزء من محركات الاستثمار للأردن، بمعادلة واضحة، يكون فيها البناء هو الاستراتيجية، والشراكات وسيلتها، والاستثمار محركها، والجودة بوابتها إلى الأسواق، وخلق فرص عمل حقيقية لتشغيل الشباب هو معيار نجاحها.
    فالجغرافية قدر، أما استثمارها خيار، فلا نريد أن يكون الأردن الغالي ممراً تعبره الفرص، بل اقتصاداً تستقر فيه، شبابه عمادها.

  • جريمة الاستيلاء على أموال الغير عن طريق الروابط الوهمية

    جريمة الاستيلاء على أموال الغير عن طريق الروابط الوهمية

    بقلم : المحامي الدكتور بدر الزيود
    أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الإلكترونية الحديثة بيئة خصبة لارتكاب أنماط مستحدثة من الجرائم، ومن أبرزها الاستيلاء على أموال الغير عن طريق الروابط الوهمية. وتتمثل هذه الجريمة في إرسال رابط إلكتروني يبدو ظاهريًا تابعًا لبنك أو مؤسسة مالية أو شركة تجارية أو منصة إلكترونية معروفة، بقصد خداع المجني عليه وحمله على إدخال بياناته المصرفية أو بيانات بطاقته الإلكترونية، ثم استغلالها للاستيلاء على أمواله.
    وتقوم هذه الجريمة على عنصر جوهري يتمثل في استخدام وسيلة احتيالية من شأنها تضليل المجني عليه، كإنشاء صفحة إلكترونية تحاكي الصفحات الرسمية، أو إرسال رسالة تتضمن ادعاءً بوجود تحديث للحساب أو جائزة أو معاملة مالية، ثم استغلال البيانات التي يحصل عليها الجاني في تنفيذ عمليات تحويل أو سحب مالي دون علم صاحبها أو موافقته.
    وقد عالج المشرّع الأردني هذه الأفعال في قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023؛ إذ نصت المادة (8) على تجريم الحصول، دون تصريح، على البيانات المتعلقة بوسائل الدفع الإلكتروني أو المعاملات المالية والمصرفية الإلكترونية، كما شددت العقوبة إذا أدى استخدام تلك البيانات إلى الاستيلاء على مال مملوك للغير.
    كما نصت المادة (10) من القانون ذاته على معاقبة كل من يستولي، بغير حق، على مال منقول أو غير منقول بالاستعانة بأي طريقة احتيالية، أو باتخاذ اسم كاذب، أو انتحال صفة غير صحيحة عن طريق الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات، بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التي تتراوح بين خمسة آلاف وخمسة وعشرين ألف دينار، كما يعاقب على الشروع بالعقوبة ذاتها.
    ولا تقتصر خطورة هذه الجريمة على الخسائر المالية التي تلحق بالمجني عليه، بل تمتد إلى تقويض الثقة في المعاملات الإلكترونية وتهديد أمن البيانات المصرفية والشخصية. ومن ثم، فإن مواجهتها تتطلب تعزيز الوعي الرقمي، وتجنب فتح الروابط مجهولة المصدر، والامتناع عن إدخال البيانات المصرفية أو كلمات المرور عبر الروابط الواردة في الرسائل أو المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
    وخلاصة القول، فإن الاستيلاء على أموال الغير باستخدام الروابط الوهمية يُعد صورة خطيرة من صور الاحتيال الإلكتروني. وقد أحاط المشرّع الأردني هذه الأفعال بالتجريم وفرض عليها عقوبات مشددة، بما يسهم في حماية الأموال والمعاملات الإلكترونية وتعزيز الثقة في البيئة الرقمية.

  • مسيرة ملكة … حكاية تميز صنعتها جلالة الملكة رانيا العبدالله

    مسيرة ملكة … حكاية تميز صنعتها جلالة الملكة رانيا العبدالله

    بقلم : النائب رانيا أبورمان
    في عيد ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله المعظمة، لا نحتفي فقط بيوم ميلاد ملكة، بل نقف أمام مسيرة ملكة صنعت من حضورها رسالة، ومن مكانتها مسؤولية، ومن تميزها أثراً امتد إلى الإنسان والوطن والعالم.
    مسيرةٌ لم تكن عابرة، بل كانت حافلة بالعطاء، والإنسانية، والإيمان العميق بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان.
    جلالة الملكة رانيا العبدالله، المرأة الأردنية التي حملت صورة وطنها إلى العالم بكل فخر واقتدار، فكانت نموذجاً للرقي والثقافة والوعي، وصوتاً مؤمناً بالتعليم، وداعماً للشباب، ومناصراً للطفولة والمرأة والإنسان.
    ما يميز جلالتها ليس حضورها العالمي فحسب، بل تلك القدرة الاستثنائية على الجمع بين المكانة وقربها من الناس، وبين التميز والبساطة، وبين المسؤولية والإنسانية.
    كانت ولا تزال مثالاً للمرأة التي تؤمن بأن النجاح الحقيقي هو الأثر الذي نتركه، وأن التميز لا يكتمل إلا عندما يتحول إلى عطاء، وأن الموقع الحقيقي للإنسان هو في قلوب الناس وما يقدمه لهم.
    وفي يوم ميلاد جلالتها، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك إلى ملكةٍ كانت دائماً مميزة في حضورها، عظيمة في رسالتها، قريبة في إنسانيتها، وفخراً للأردن في كل المحافل.
    كل عام وجلالتكِ بألف خير، وكل عام ومسيرتكِ عنوانٌ للتميز والعطاء، وحكايةُ نجاحٍ نفخر بها، ورسالةُ أملٍ تلهم الأجيال.
    حفظ الله جلالة الملكة رانيا العبدالله، وأدام عليها الصحة والعافية، وحفظ الأردن الغالي وقيادته الهاشمية الحكيمة

     

  • حين يصبح الماضي مؤهلاً للمستقبل

    حين يصبح الماضي مؤهلاً للمستقبل

    بقلم : النائب اية الله الفريحات
    ليس لافتًا أن يُعيَّن رئيس وزراء أو وزير سابق رئيسًا لمجلس أمناء جامعة؛ اللافت أن يتكرر النمط حتى يبدو وكأنه قاعدة في صناعة الاختيار.
    فالمسألة هنا ليست أسماءً، بل سؤالًا عن هندسة النخبة: هل تستدعي الحكومة من أثبتوا حضورهم في الماضي، أم تبحث عمّن يستطيعون إضافة شيء إلى المستقبل؟
    الخبرة السياسية رصيد لا يُستهان به، لكنها ليست عملة صالحة لكل سوق. فإدارة الحكومة شيء، وإدارة المعرفة شيء آخر؛ والجامعة ليست وزارة مؤجلة، ومجلس أمنائها ليس رصيفًا أخيرًا للمناصب التي انتهى زمنها التنفيذي.
    ثمة فارق دقيق بين أن تستثمر الحكومة في خبرات رجالاتها السابقين، وبين أن تجعل المنصب السابق جواز عبور إلى منصب لاحق. في الحالة الأولى تُستثمر الخبرة؛ وفي الثانية يُعاد إنتاج الامتياز.
    والجامعة، تحديدًا، ينبغي أن تكون أكثر مؤسسات الدولة تحررًا من منطق الألقاب. فهي لا تحتاج بالضرورة إلى من يحمل صفة «معالي»، بقدر ما تحتاج إلى من يحمل فكرة، وخبرة نوعية، وقدرة على فتح أفق جديد.
    المفارقة أن الخطاب الحكومي يتحدث عن اقتصاد المعرفة والابتكار والجامعة التنافسية، بينما قد تظل آلية الاختيار أسيرة اقتصاد المكانة: من كان في أعلى هرم السلطة يُستدعى مرة أخرى إلى أعلى هرم المؤسسة.
    وهنا تُهدر قيمة نادرة: كفاءات لم تدخل نادي المناصب، لكنها دخلت نادي الإنجاز؛ أكاديميون وباحثون وخبراء واقتصاديون وتقنيون، لا تمنحهم الألقاب وزنهم، لأن وزنهم الحقيقي فيما يعرفون وما أنجزوا وما يستطيعون أن يصنعوه.
    ليست القضية إذن في استبدال السياسي بالأكاديمي، ولا في إقصاء أصحاب الخبرة العامة؛ بل في أن يصبح الاستحقاق الوظيفي هو الأصل، والاسم اللامع مجرد تفصيل.
    فالحكومة الواثقة من خياراتها لا تسأل: من الذي يمكن إعادة استخدامه؟
    بل تسأل: من الذي لم نستخدمه بعد، وقد يكون أقدر على صناعة ما لم نصنعه؟
    تلك ليست مسألة تعيينات؛ إنها مسألة ثقافة حكم.
    فحين تستدعي الحكومة الماضي إلى مواقع المستقبل، قد تحافظ على الوجوه ذاتها؛ أما حين تستدعي الكفاءة حيثما كانت، فإنها تبدأ بصناعة نخبة جديدة.
    والفرق بين الأمرين هو الفرق بين إدارة ما كان، وصناعة ما سيكون.