التصنيف: أقلام

  • باي ذنب قتل هذا الوجه البريء ؟!!!

    باي ذنب قتل هذا الوجه البريء ؟!!!

    بقلم: د. نضال شديفات

    كان حلمه أن يدخل الأجهزة الأمنية وأن يلبس الزي الذي يعني له الوطن كله.
    و كان وجهه يضيء براءة وكان أبوه وأمه فرحان بدخوله جهاز الأمن فرحة العمر.
    كيف يفرج عن إرهابي بعد ان تكرر هذا الفعل وخسرنا عددا من الشهداء في فترة وجيزة؟!!
    ماذا نقول لأبيه الذي كان يفخر به أمام الناس؟
    وماذا نستطيع ان نقول لأمه التي كانت تنتظر عودته كل مساء؟
    ماذا نقول لمن نشر الصورة بلا رحمة و لنتخيل كل واحد منا حال اهله و لنتخيل الأم وهي ترى صورة ابنها على شاشة الهاتف بدون مقدمات من باحث عن لايك او شهرة زائفة من متابعين!!!!!!؟؟؟
    نعم لحقوق الإنسان في التعبير ولكن اليس رجل الأمن هذا إنسانا أيضا وأليس له الحق في الحياة و لأمه الحق أن تفرح بعودته سالما كما تفرح كل أم.
    مع كل هذا الوجع مطلوب محاسبة كل من يحرض على رجال الأمن وكل من يصفهم بأوصاف عدائية لأن الدم أمانة والعدل مسؤولية ولأن السكوت عن التحريض يفتح بابا جديدا للدمع كما حصل في حمود….
    يا نواب الأمة لا تتوسطوا لمدمن ولا محشش ولا متطرف ولا تطلبو العفو لمن قست قلوبهم كالحجارة ويا من بيدهم القرار لا تفرجوا عمن سفك الدم فتكونوا شركاء في بيت حزن جديد….
    فهذا الشاب كان حلما لأسرته وأمانا لبلده فلا تطفئوا الحلم مرة أخرى.
    رحم الله الشهيد واعزي اهله وكل محبيه لا بل اعزي كل شريف في بلدي حزن على هذا الوجه البريء

  • تجار الشعارات وغشاشو الزيت

    تجار الشعارات وغشاشو الزيت

    بقلم : رمزي الغزوي 
    نتذكر في سيد المواسم بعض مخاتلات باعة الزيت الذين كانوا يسمون في زمن بعيد بالخَطارين، لأنهم يسافرون أو يخطرون به من بلدة إلى أخرى. بعضهم كان يغش زيته وهو يرتجف يتوجس خلف الكلمات وظلال الوقوع في الحرام. ولأن ضمائرهم كانت نصف حية؛ فقد كانوا يجنحون إلى المواربة والتلاعب بالألفاظ، والتورية المنمّقة لتسويق بضاعتهم. بعضهم يطلي رقبته بزيت زيتون لا تشوبه شائبة قبل أن يغادر بيته، وأحيانا يكحّلون به عيونهم، أو يمسحون أطفالهم بطبقة رقيقة منه. ملاعين حرسي.
    كلنا يعرف أن طاقة الفرج تنفتح على رحابتها عند البيع إذا أتيح للغشاش أن يحلف يمينا على صدق قوله ونقاء زيته وجودته. وهنا سنسمع أيمانا غليظة رنانة طنانة مموسقة ومدبجة ببحة الخشوع، وسنسمع شعط الطلاقات البائنة للزوجات البعيدات، وأنت لا تدري أنه طلق زوجته ثلاث مرات حتى الآن، والنهار لم ينتصف بعد.
    البعض منهم لم يصلوا لدرجة «الكوشكة» الكاملة والتصلب في عصعوص الضمير، وما تزال بقية خضراء في جوانيتهم، هؤلاء يعمدون أن تكون أيمانهم هادئة لتبدو صادقة. لا سيما حين يقول على رقبتي زيت بلدي، أو على عيوني زيت بلدي، وإذا ظل المشتري متخوفا موسوسا، فهنا يرفع الغشاش عقيرته بما يشبه الدعاء المبحوح «على أولادي زيت بلدي».
    بالطبع فاليمين لا تكون إلا على نية سامعها، لا على فهلوة حالفها، ولكن لربما سنقول إن عجاج الطريق ربما يغطي الرقبة فيجعل يمينهم مختلة التوازن، أو أن ولداً من الأولاد قد نقعته أمه في لقن الغسيل ريثما ينال حماما ساخنا يخرج جلده السابع ويبطل يمين أبيه.
    ما علينا. كل ما سبق، كان أيام البساطة والناس ذوي الضمائر لم تتحجر بعد، وقبل ظهور أساليب التسويق المنمقة الجاذبة على مواقع التواصل الاجتماعي التي يقع فيها الناس البسطاء الذين يعتقدون أن الآخرين صادقون مثلهم. ومع ذلك نحن لا نهاب أؤلئك الحرامية المغموسين باللصوصية الرخيصة، كما نهاب المطليين بشعارات تتلألأ كزيت أصيل.
    هؤلاء هم مقتلنا على مر الدهور، ومنهم علينا أن نخاف ونتوجس ونتحسس ونحترص، وأن نضع أيادينا على دفوف قلوبنا. أما غشاشو الزيت التافهون؛ فعلى الحكومة أن تجد حلا معهم وهي قادرة على ذلك، وعلى كل الأحوال على المواطن أن يكون حذرا من قبل ومن بعد، من سطوة الشعارات وغش الزيتات.
  • ​دلالات خطاب العرش السامي وعمق الوعي الوطني

    ​دلالات خطاب العرش السامي وعمق الوعي الوطني

    بقلم : جميل البرماوي

    لم يكن خطاب العرش السامي، الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم -حفظه الله- في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد محطة دستورية عابرة، بل جاء وثيقة استراتيجية متكاملة وخارطة طريق وطنية محكمة، حملت في ثناياها رسائل عميقة المعاني للداخل والخارج. ​فالخطاب، برغم إيجازه، جاء قاطعاً في مضامينه، ناطقاً بالحق بروح العزم والثبات، مستنداً إلى إيمان جلالته المطلق بقوة الدولة الأردنية، ومؤسساتها الراسخة، وصلابة نسيجها الوطني. ​لقد تجلت في كلمات القائد الأب روح الإنسانية والمسؤولية التاريخية، مؤكداً للأمة أن الأردن سيبقى الرقم الأصعب وعنواناً للثبات والاستقرار في منطقة تعصف بها التحولات والأزمات. ​وقد استهل جلالته خطابه باستذكار الشهداء الذين قضوا إثر الاعتداء الإرهابي الجبان الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، ليؤكد بحزم أن الأردن عصي على المعتدي، وأن منعة الوطن تستند إلى تماسك شعبه، ووعي أبنائه، ويقظة قواته المسلحة وأجهزته الأمنية الباسلة. ​لقد خاطب جلالة الملك عقل الأمة ووجدانها، مرتكزاً على مبدأ سيادي راسخ مفاده أن “الأمة مصدر السلطات”، وهو المبدأ الذي يمنح الجبهة الداخلية منعتها ضد أي اختراق. وفي هذا السياق، وضع جلالته السلطة التشريعية “الأعيان والنواب” أمام مسؤولياتها التاريخية باعتبارها ركناً أساسياً في الحياة الديمقراطية، وصوتاً حقيقياً للوطن، ورقيباً فاعلاً وناجزاً على الأداء الحكومي، لضمان مأسسة النهج الديمقراطي وترسيخ دولة المؤسسات والقانون. ​إلى جانب ذلك، بقيت الثوابت الوطنية والقومية حاضرة بقوة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والقدس الشريف، والوصاية الهاشمية التاريخية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، فضلاً عن حماية أمن الأردن واستقراره، والتمسك بالعروبة وحقوق الشعوب العادلة. ​وحمل الخطاب الملكي رسائل ردع سياسية وقانونية حاسمة لكل من تستهويه أوهام التلاعب بالحقائق أو الرهان على زعزعة استقرار الإقليم؛ فمن ظن أن طغيان الواقع يمنح الشرعية أو أن الزمن يمحو الحقائق التاريخية فهو واهم. وهنا يتجلى الرهان الملكي الأبدي على وعي المواطن الأردني؛ هذا الوعي الذي يشكل درع الوطن الأحصن حين تلتبس الطرق، وحكمته المعهودة حين تعلو الانفعالات، وإخلاصه المنقطع النظير حين تشتد الخطوب وتدلهم المحن. وفي مسار التحديث الشامل الذي تقوده الدولة بخطى واثقة وثابتة، عكست الرؤية الملكية بُعداً اقتصادياً استراتيجياً يرتكز على تعزيز منعة الاقتصاد الوطني، والتسريع في إنجاز المشاريع الكبرى الطموحة، وربط الخطط الحكومية بمؤشرات أثر واضحة تعزز جاذبية الاستثمار وتنعكس إيجاباً على مستوى معيشة المواطن، بالتوازي مع تكريس أولوية الأمن الوطني بأبعاده كافة، وفي طليعتها الأمن المائي وسيادة القانون. ​أما إقليمياً ودولياً، فقد أرسى الخطاب معادلة الدبلوماسية الاستراتيجية الصلبة، مؤكداً أن الأردن. – الذي طالما تصدر المدافعين عن قضايا أمته – لن يشيح بنظره عن أي تهديد يمس أمنه وحدوده. فالأردن، كما أراده قائده، يقف بكل صرامة وصلابة ليكون سداً منيعاً في وجه كل معتدٍ أثيم، ومهاباً في وجه كل متغافل عن تاريخه العريق ومواقفه القومية الشريفة. ​إن هذا الحمى العربي الهاشمي سيظل يكتب فصولاً متجددة من المجد والإنجاز، عنوانها الأبدي أن “الإنسان الأردني” هو أغلى ما تملك هذه الدولة، وأن مسيرة البناء والعطاء لا تراجع فيها مهما اشتدت التحديات وعظمت الصعاب. ​ويبقى السؤال الأهم: كيف لنا، مؤسسات وأفراداً، أن نحول التوجيه الملكي إلى خطة عمل حقيقية تحفظ للدولة والمجتمع قوته ومنعته أمام ما يجابهه من تحديات وتهديدات جسام؟.

  • خطاب العرش السامي… رؤية ملكية ترسّخ ثوابت الدولة وترسم ملامح المستقبل

    خطاب العرش السامي… رؤية ملكية ترسّخ ثوابت الدولة وترسم ملامح المستقبل

    بقلم: الأستاذ الدكتور حابس الزبون
    رئيس جامعة جدارا

    في اللحظات المفصلية من تاريخ الأوطان، لا تُقاس أهمية الخطابات السياسية بما تتضمنه من مواقف وتوجيهات فحسب، بل بما تحمله من رؤى استراتيجية قادرة على قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية وفق مقتضيات المرحلة. ومن هذا المنطلق، جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، ليشكل وثيقة وطنية عميقة في مضامينها، واضحة في رسائلها، حاسمة في مواقفها، تستند إلى ثوابت الدولة الأردنية، وتستشرف آفاق المستقبل بثقة ومسؤولية.

    ولعل القراءة المتأنية لهذا الخطاب تكشف عن رؤية ملكية متكاملة لمفهوم الدولة الحديثة؛ دولة لا تكتفي بحماية حدودها وصون سيادتها، بل تعمل على تعزيز مناعتها الداخلية، وترسيخ سيادة القانون، وتطوير مؤسساتها، وتوظيف مواردها، وتمكين الإنسان باعتباره الغاية الأساسية للتنمية ومحركها الحقيقي.

    لقد كان الخطاب، في جوهره، تأكيدًا على أن قوة الأردن لا تنبع من قدرته على مواجهة التحديات وحدها، وإنما من قدرته على تحويل تلك التحديات إلى فرص لتعزيز وحدته الوطنية، وترسيخ استقراره، ومواصلة مسيرته نحو التحديث والإنجاز.

    الأمن الوطني… حين يصبح التماسك المجتمعي خط الدفاع الأول

    استهل جلالة الملك خطابه باستحضار تضحيات شهداء الوطن الذين ارتقوا دفاعًا عن أمن الأردن واستقراره، في رسالة حملت أبعادًا إنسانية ووطنية عميقة، وأكدت أن دماء الشهداء ليست مجرد تضحيات تُستذكر في المناسبات، وإنما أمانة وطنية تفرض على الجميع مسؤولية صون الدولة وحماية منجزاتها.

    وحين أكد جلالته أن الأردن سيبقى عصيًا على كل معتدٍ غاشم، فإن هذه الرسالة لم تكن تعبيرًا عن موقف أمني حازم فحسب، بل إعلانًا عن فلسفة راسخة في إدارة الدولة، قوامها أن أمن الوطن ووحدته لا يقبلان المساومة أو التهاون.

    وقد استوقفتني في هذا السياق عبارة جلالته: «فقوة الأردن في شعب إن اشتدت الخطوب، ازداد تماسكًا وبصيرة وحكمة».

    إنها عبارة تختزل أحد أهم أسرار صمود الدولة الأردنية؛ فالقوة الحقيقية للأوطان لا تقاس فقط بإمكاناتها العسكرية والأمنية، على أهميتها، وإنما كذلك بوعي شعوبها، وصلابة نسيجها الاجتماعي، وثقتها بمؤسساتها، وقدرتها على تجاوز المحن دون أن تفقد توازنها أو بوصلتها الوطنية.

    ومن وجهة نظري، فإن هذه الرسالة تكتسب أهمية مضاعفة في عصر تتسارع فيه المعلومات وتتداخل فيه الحقائق بالشائعات، وتتحول فيه المنصات الرقمية أحيانًا إلى ساحات للاستقطاب والتضليل. وهنا تتعاظم مسؤولية المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية في بناء الوعي الوطني، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ قيم المواطنة المسؤولة.

    فالأمن الوطني في مفهومه المعاصر لم يعد مسؤولية الأجهزة المختصة وحدها، بل أصبح منظومة متكاملة تبدأ من وعي الفرد، وتمر بتماسك الأسرة والمجتمع، وتستند إلى مؤسسات فاعلة قادرة على حماية الدولة ومصالحها العليا.

    القضية الفلسطينية… ثبات المبادئ في مواجهة محاولات فرض الواقع

    وفي البعد الإقليمي، أعاد جلالة الملك التأكيد على الموقف الأردني التاريخي والثابت تجاه القضية الفلسطينية، بوصفها قضية حق وعدالة، وركيزة أساسية في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي.

    فحين يؤكد جلالته أنه لا سبيل للأمن والاستقرار في المنطقة دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، فإنه يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة سياسية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها؛ وهي أن السلام المستدام لا تصنعه موازين القوة وحدها، وإنما تؤسسه العدالة والحقوق المشروعة واحترام القانون الدولي.

    وقد حملت عبارات جلالته المتتابعة «فمن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية.. واهم»، و«ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم»، و«ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه.. أيضًا واهم»، دلالات سياسية بالغة القوة.

    فهذه العبارات لا تكتفي برفض العدوان والانتهاكات، بل تؤكد أن المبادئ الأردنية ليست مواقف ظرفية تتغير بتغير الظروف، وإنما ثوابت متجذرة في هوية الدولة ونهج قيادتها الهاشمية.

    وأرى أن الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقف تكمن في قدرته على الجمع بين الواقعية السياسية والثبات الأخلاقي؛ فالأردن يدرك تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية، لكنه لا يسمح لهذه التعقيدات بأن تتحول إلى مبرر للتنازل عن الحقوق أو القبول بفرض الوقائع بالقوة.

    وهذا النهج يمنح الدبلوماسية الأردنية خصوصيتها ومصداقيتها، ويؤكد أن الدفاع عن القضية الفلسطينية ليس منفصلًا عن حماية الأمن الوطني الأردني، بل يرتبط به ارتباطًا وثيقًا في إطار رؤية شاملة لاستقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.

    التحديث السياسي… من ممارسة الاختلاف إلى صناعة الإنجاز

    ومن المحاور الجوهرية التي تستحق الوقوف عندها، حديث جلالة الملك عن مجلس الأمة ودوره في الحياة السياسية، إذ أكد أن المجلس يمثل ركنًا أساسيًا في البناء السياسي للدولة، وأن مسؤوليته تتجاوز التشريع إلى الرقابة وحماية المصلحة العامة وترسيخ الممارسة الديمقراطية المسؤولة.

    وقد جاءت عبارة جلالته «إن اختلافكم في الرأي قوة، طالما كانت مصلحة الأردن هي الغاية»، لتقدم تصورًا ناضجًا لمفهوم التعددية السياسية.

    فالاختلاف في الرأي ليس تهديدًا للوحدة الوطنية، بل قد يكون مصدرًا لإثراء القرار العام وتصويب السياسات، شريطة أن يبقى محكومًا بالمسؤولية الوطنية واحترام المؤسسات وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

    ومن هنا، فإن التحديث السياسي لا ينبغي أن يُختزل في تطوير التشريعات أو إعادة تشكيل الأطر التنظيمية وحدها، وإنما يجب أن يمتد إلى تحديث الثقافة السياسية ذاتها، والارتقاء بمستوى الخطاب العام، وتعزيز قيم الحوار والمساءلة واحترام الرأي الآخر.

    ولعل من أعمق الرسائل التي تضمنها الخطاب تأكيد جلالته أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن مجلس الأمة من قوانين فحسب، بل إلى ما يصدر عنه من سلوك وخطاب.

    وهذه إشارة مهمة إلى أن الثقة بالمؤسسات لا تُبنى بالنصوص القانونية وحدها، وإنما بالممارسة اليومية، وبالقدوة التي يقدمها المسؤول، وبمدى التزامه بأخلاقيات العمل العام.

    وأعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من قياس نجاح المؤسسات بعدد القرارات والتشريعات إلى قياس أثرها الحقيقي في حياة المواطنين، وقدرتها على الاستجابة للتحديات، وتحويل الاختلاف السياسي إلى قوة دافعة للإصلاح والإنجاز.

    التحديث الاقتصادي… المواطن هو المعيار الحقيقي للنجاح

    في الشأن الاقتصادي، حمل خطاب العرش رسالة واضحة مفادها أن الأردن ماضٍ في مشروع التحديث الاقتصادي، وأن المرحلة تتطلب تسريع العمل في المشاريع الكبرى، وتعزيز الإنتاجية، وتوسيع الفرص، وترسيخ الدور الاقتصادي المحوري للمملكة في محيطها الإقليمي.

    غير أن الدلالة الأعمق لهذا المحور تتجلى في تأكيد جلالة الملك أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.

    إن هذه الرؤية تقدم معيارًا بالغ الأهمية للحكم على نجاح السياسات الاقتصادية؛ فالتنمية ليست مجرد مؤشرات للنمو أو أرقام للاستثمار، وإنما تحسن ملموس في نوعية الحياة، واتساع في فرص العمل، وارتقاء في الخدمات، وتعزيز لقدرة الإنسان على بناء مستقبله بكرامة وثقة.

    ومن وجهة نظري، فإن نجاح التحديث الاقتصادي يرتبط بقدرتنا على الانتقال من الاقتصاد الذي يعتمد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا والمهارات المتقدمة.

    وهنا يبرز الدور الاستراتيجي للجامعات الأردنية باعتبارها شريكًا أصيلًا في التنمية، لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات الأكاديمية.

    فالجامعة الحديثة مطالبة بإعادة النظر بصورة مستمرة في برامجها وتخصصاتها، وتعزيز التعليم التطبيقي والتقني، وتوسيع شراكاتها مع القطاعات الإنتاجية، وتحويل البحث العلمي إلى حلول عملية للتحديات الاقتصادية والمجتمعية.

    وفي جامعة جدارا، ننظر إلى هذه التوجيهات الملكية بوصفها إطارًا وطنيًا يعزز مسؤوليتنا في تطوير التعليم، وربط مخرجاته بمتطلبات سوق العمل، وتنمية مهارات الطلبة، وتعزيز ثقافة الريادة والابتكار، إيمانًا منا بأن الاستثمار الحقيقي في مستقبل الأردن يبدأ من الاستثمار في الإنسان الأردني.

    الأمن المائي… أولوية سيادية تتجاوز الحسابات التقليدية

    ولعل من أكثر مضامين الخطاب أهمية من الناحية الاستراتيجية، ذلك التأكيد الملكي اللافت على قضية المياه، حين كرر جلالته: «المياه، المياه، المياه!».

    إن هذا التكرار المكثف يحمل رسالة سياسية وتنموية واضحة؛ فالأمن المائي لم يعد مجرد ملف خدمي أو تحدٍّ بيئي، بل أصبح قضية سيادية ترتبط مباشرة بالأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وحقوق الأجيال القادمة.

    وحين يقول جلالته «أمننا المائي أولوية وطنية، ولن نسمح بأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف»، فإننا أمام رؤية استباقية تدرك أن التحديات المستقبلية للدول لن تقتصر على الصراعات التقليدية، بل ستمتد إلى الموارد الطبيعية والغذاء والطاقة والمياه.

    وأرى أن هذه الرسالة تستوجب تحولًا في طريقة التعامل مع الملف المائي، من إدارة الندرة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للأمن المائي، تقوم على التخطيط طويل المدى، وتطوير البنية التحتية، وتوظيف التكنولوجيا، وتعزيز كفاءة الاستهلاك، ودعم البحث العلمي في مجالات التحلية وإعادة الاستخدام والاستدامة البيئية.

    كما أن هذا التوجه يضع الجامعات ومراكز البحث العلمي أمام مسؤولية وطنية مضاعفة، تتمثل في إنتاج المعرفة التطبيقية وتقديم الحلول المبتكرة التي تسهم في حماية الموارد المائية وتعزيز استدامتها.

    فالأمن المائي، في جوهره، هو أمن للأجيال المقبلة، واستثمار في قدرة الدولة على حماية استقلالها التنموي وقرارها الوطني.

    سيادة القانون… أساس الدولة العادلة والمؤسسات القوية

    وفي رسالة حازمة لا تحتمل التأويل، أكد جلالة الملك أن الوظيفة العامة ليست تشريفًا يرفع صاحبها عن العمل وخدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، أيًا كان.

    وقد اختزل جلالته جوهر دولة القانون في عبارة شديدة الوضوح: «القانون لا يعرف اسمًا، ولا منصبًا، ولا نفوذًا».

    إن هذه العبارة، في تقديري، تمثل إحدى الركائز الفكرية والأخلاقية للخطاب بأكمله؛ لأنها تؤكد أن قوة الدولة لا تنبع من سلطتها وحدها، وإنما من عدالة مؤسساتها، ومساواة مواطنيها أمام القانون، وقدرتها على إخضاع الجميع للمساءلة دون استثناء.

    فالمناصب العامة ليست امتيازات شخصية، وإنما مسؤوليات وطنية تستمد مشروعيتها من خدمة الناس وصون حقوقهم وتحقيق المصلحة العامة.

    ولا يمكن لأي مشروع تحديث سياسي أو اقتصادي أو إداري أن يحقق أهدافه ما لم يستند إلى منظومة مؤسسية تحكمها النزاهة والشفافية والكفاءة وسيادة القانون.

    ومن هنا، فإن رسالة جلالة الملك تتجاوز التحذير من إساءة استخدام السلطة إلى إعادة التأكيد على فلسفة الحكم الرشيد، التي تجعل المسؤولية مقرونة بالمحاسبة، والسلطة مرتبطة بالواجب، والإنجاز معيارًا لتقييم الأداء.

    الجامعات الأردنية… شريك في بناء الوعي وصناعة المستقبل

    إن القراءة الشاملة لخطاب العرش تضع مؤسسات التعليم العالي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن للجامعات أن تترجم هذه الرؤية الملكية إلى ممارسات أكاديمية وبحثية ومجتمعية ملموسة؟

    وفي اعتقادي، فإن الإجابة تبدأ من إعادة التأكيد على أن رسالة الجامعة لا تنحصر في نقل المعرفة، بل تمتد إلى بناء الشخصية الوطنية الواعية، وإعداد الإنسان القادر على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية والمشاركة الفاعلة في التنمية.

    فالوعي الذي راهن عليه جلالة الملك يبدأ من المدرسة ويتعمق في الجامعة، والتحديث الاقتصادي الذي دعا إلى تسريع إنجازه يحتاج إلى كفاءات علمية ومهنية مؤهلة، وسيادة القانون التي أكدها جلالته تستوجب ترسيخ ثقافة النزاهة والمواطنة واحترام المؤسسات.

    كما أن التحديات الوطنية، وفي مقدمتها الأمن المائي والاستدامة والاقتصاد الرقمي، تفرض على الجامعات توجيه جزء أكبر من جهودها البحثية نحو الأولويات الوطنية، وتعزيز التعاون مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وتحويل المعرفة إلى قيمة تنموية واقتصادية.

    ومن هذا المنطلق، نؤمن في جامعة جدارا بأن مسؤوليتنا الأكاديمية والوطنية تقتضي أن نكون جزءًا فاعلًا من مشروع التحديث الشامل، من خلال تعليم نوعي، وبحث علمي تطبيقي، وشراكات منتجة، ومبادرات مجتمعية تسهم في بناء الإنسان وتعزيز قدرته على المنافسة والإنجاز.

    فالجامعات التي تنجح في أداء رسالتها الوطنية ليست تلك التي تكتفي بتخريج أعداد من الطلبة، بل تلك التي تخرّج عقولًا قادرة على صناعة الحلول، وقيادات تمتلك الوعي، وكفاءات تسهم في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية ومجتمع أكثر تماسكًا.

    من الرؤية الملكية إلى المسؤولية الوطنية المشتركة

    إن ما يميز خطاب العرش السامي أنه لم يقدم القضايا الوطنية بوصفها ملفات منفصلة، بل وضعها ضمن منظومة متكاملة تتفاعل فيها عناصر الأمن والسياسة والاقتصاد والعدالة والتنمية.

    فلا أمن مستدامًا دون مجتمع متماسك، ولا تحديث اقتصاديًا حقيقيًا دون مؤسسات كفؤة، ولا ثقة عامة دون سيادة القانون، ولا مستقبل تنمويًا آمنًا دون حماية الموارد الوطنية والاستثمار في الإنسان.

    وهنا تكمن، برأيي، الرسالة الأهم في الخطاب: أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة الاكتفاء بالتشخيص أو إعلان النوايا، وإنما مرحلة مضاعفة العمل، وتسريع الإنجاز، وتعزيز المساءلة، وتحويل الرؤى إلى نتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.

    إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إدراك أهمية هذه الأولويات، بل في بناء القدرة المؤسسية على تنفيذها، ووضع معايير واضحة لقياس أثرها، وترسيخ ثقافة وطنية تجعل الإنجاز والمسؤولية والعمل الجاد قيمًا حاكمة للأداء العام.

    الأردن الذي يصنع مستقبله بثبات

    لقد أعاد خطاب العرش السامي التأكيد على حقيقة راسخة في وجدان الأردنيين، مفادها أن هذا الوطن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، لم يكن يومًا أسيرًا للتحديات، بل استطاع عبر تاريخه أن يحوّل المحن إلى محطات لتعزيز صموده وتماسكه ومواصلة بنائه.

    وما بين الوفاء للشهداء، والثبات على المواقف القومية، وترسيخ دولة القانون، وتسريع التحديث الاقتصادي، وحماية الأمن المائي، تتجلى رؤية ملكية تستند إلى وعي عميق بمتطلبات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

    ولعل العبارة التي اختتم بها جلالة الملك خطابه، حين خاطب الأردنيين بقوله «أيها الأردنيون.. شعبي وسندي»، تختزل طبيعة العلاقة التاريخية بين القيادة الهاشمية والشعب الأردني؛ علاقة تقوم على الثقة المتبادلة، والانتماء الصادق، والشعور المشترك بالمسؤولية تجاه الوطن.

    إننا أمام خطاب لا يكتفي برسم ملامح المرحلة، بل يدعونا جميعًا، كلٌّ من موقعه، إلى إعادة تعريف مسؤوليتنا الوطنية، وإدراك أن بناء الأردن الأقوى والأكثر ازدهارًا لا يتحقق بالتمنيات، وإنما بالعمل والعلم والإخلاص والإنجاز.

    فالأردن الذي راهن جلالة الملك على وعي أبنائه وحكمتهم، يستحق منا أن نكون على قدر هذا الرهان؛ في مؤسساتنا وجامعاتنا ومواقع مسؤوليتنا، وأن نجعل من كل تحدٍّ فرصة للبناء، ومن كل إنجاز خطوة نحو مستقبل يليق بهذا الوطن وقيادته وشعبه.

    وسيظل الأردن، بإذن الله، بقيادته الهاشمية وشعبه الوفي ومؤسساته الراسخة، نموذجًا في الثبات والاعتدال، وعنوانًا للعزة والكرامة، ووطنًا يصنع مستقبله بإرادة أبنائه، ويحمي منجزاته بوعيهم وانتمائهم.

    حمى الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.

  • من التحذير إلى الفعل: قراءة في خطاب الملك ومستقبل الأمن الإقليمي

    من التحذير إلى الفعل: قراءة في خطاب الملك ومستقبل الأمن الإقليمي

    بقلم الأستاذ الدكتور حابس الزبون
    رئيس جامعة جدارا

    حين يقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة محذّرًا من أن «ما نهمله اليوم، غالبًا ما يشكّل مستقبلنا»، فإنه لا يقدّم وصفًا بلاغيًا لحال العالم، بل يضع يده على أصل المأزق الذي تعيشه منطقتنا: أزماتٌ عُرفت أسبابها منذ عقود، وتكررت التحذيرات من عواقبها، لكن الإرادة الدولية اكتفت بإدارة نتائجها بدلًا من معالجة جذورها.

    هذه هي الفكرة المركزية في الخطاب الملكي. فالعالم لا يفتقر إلى المعلومات عمّا يحدث في فلسطين، ولا إلى الأدوات التي يمكنه استخدامها لوقف الانتهاكات، وإنما يفتقر إلى الاتساق بين ما يعلنه من مبادئ وما يتخذه من قرارات. وحين تُترك هذه الفجوة لتتسع، يصبح التقاعس الدولي عنصرًا مؤثرًا في الأزمة، لا مجرد موقف على هامشها.

    أمن الأردن يبدأ من قراءة ما يتشكّل حوله

    وضع جلالة الملك أمن الأردن في سياقه الإقليمي الحقيقي. فما يجري في غزة والضفة الغربية، وما تشهده سوريا من توغلات وفرض وقائع جديدة، لا يمكن عزله عن مستقبل الاستقرار في المملكة. لذلك جاءت عبارته قاطعة: «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».

    تحمل هذه العبارة معنى يتجاوز حماية الحدود بالمعنى التقليدي. فالأمن المائي يمس حياة المواطنين، وقدرة الاقتصاد على النمو، وفرص الأجيال المقبلة. وأمن الحدود يرتبط باستقرار الجوار، وبمواجهة تهريب المخدرات والإرهاب، وبمنع انتقال الأزمات إلى الداخل الأردني. ومن ثمّ، فإن النظر إلى هذه الملفات كلٍّ على حدة يضعف القدرة على فهمها؛ لأنها في الواقع تتفاعل وتراكم آثارها على الدولة والمجتمع.

    ومن هنا تبرز أهمية التحذير الملكي بشأن جنوب سوريا. فالتوغلات وفرض الحقائق على الأرض، ولا سيما حين تمس مصادر مائية حيوية، تستدعي موقفًا دوليًا يحفظ سيادة سوريا ويمنع اتساع دائرة الخطر. وقد أعلن جلالة الملك الموقف الأردني بوضوح لا يقبل الالتباس: «سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا».

    القضية الفلسطينية: أصل الأزمة لا ملفها المؤجل

    في قراءته للمشهد الفلسطيني، رفض جلالة الملك الفصل بين غزة والضفة الغربية. فالدمار في غزة، وتسارع الاستيطان والاستيلاء على الأراضي والتهجير في الضفة، يلتقيان في نتيجة واحدة: تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وهذه قراءة تفسّر لماذا لا يكفي وقف العنف في موقع واحد إذا استمر تغيير الواقع على الأرض في موقع آخر.

    لقد اعتاد المجتمع الدولي التعامل مع كل انتهاك بوصفه حادثًا منفصلًا أو إجراءً مؤقتًا. لكن تراكم الإجراءات المؤقتة يصنع واقعًا دائمًا، ثم يأتي من يطالب بالتعامل مع ذلك الواقع باعتباره نقطة انطلاق لأي تفاوض مقبل. هنا تكمن خطورة التأجيل: فهو لا يجمّد الأزمة، بل يغيّر شروط حلّها لمصلحة الطرف القادر على فرض الوقائع بالقوة.

    ولا يمكن أن ينشأ سلام عادل من مسار تُترك فيه حقوق الفلسطينيين للتآكل أثناء الحديث عن الحلول. فالسلام يحتاج إلى أفق سياسي واضح، وإلى حماية المدنيين، وإلى وقف الإجراءات التي تصادر الأرض وتقوّض الحق في تقرير المصير. كما يحتاج إلى الاعتراف بأن أمن الشعوب جميعها لا يُبنى بحرمان شعب من أمنه وحريته.

    التقاعس الدولي وأزمة الثقة بالقانون

    طرح جلالة الملك سؤالًا يتجاوز فلسطين إلى مستقبل النظام الدولي نفسه: ماذا تبقى من قيمة القانون الدولي إذا أمكن تجاهل انتهاكاته لعقود؟ إن جوهر هذا السؤال هو الثقة. فالدول والشعوب لا تقيس قوة القانون بما يرد في نصوصه، بل بمدى تطبيقه عندما يصبح تطبيقه مكلفًا سياسيًا.

    ولذلك، فإن ازدواجية التعامل مع الأزمات تُلحق ضررًا يتجاوز الحدث الراهن. فهي تضعف مصداقية المؤسسات الدولية، وتغذّي الشعور بأن العدالة انتقائية، وتترك المجال لمنطق القوة كي يحل محل القواعد المشتركة. وإذا كان المجتمع الدولي يمتلك أدوات للعقوبات والضغط والعزل الدبلوماسي ويستخدمها في قضايا أخرى، فإن الاكتفاء بالبيانات عند التعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية لا يمكن أن يُقدَّم باعتباره عجزًا عن الفعل.

    إن استعادة الثقة تبدأ بقرار واضح: أن تكون حماية المدنيين، ورفض التهجير، واحترام سيادة الدول، وتطبيق القانون الدولي معايير ثابتة، لا مواقف تتبدل بتبدل هوية الطرف الذي ينتهكها.

    كيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلّها؟

    يفتح الخطاب الملكي الباب أمام مسار عمل يقوم على خطوات متلازمة، بحيث لا تُستخدم الاستجابة العاجلة ذريعة لتأجيل الحل السياسي، ولا يُطرح الحل السياسي وسيلة لتجاهل معاناة الناس الآن.

    أولًا، حماية المدنيين وضمان وصول الإغاثة. ينبغي أن تكون حماية الناس في غزة وسائر مناطق النزاع التزامًا عمليًا تقاس نتائجه على الأرض، بما يشمل وصول المساعدات، وحماية المرافق الطبية، ودعم المؤسسات الإنسانية وفي مقدمتها الأونروا. فليس مقبولًا أن يُطلب من الناس انتظار تسوية طويلة بينما تتفاقم حاجاتهم يومًا بعد يوم.

    ثانيًا، وقف فرض الوقائع التي تُفشل الحل السياسي. أي جهد دولي جاد يحتاج إلى موقف فاعل من التوسع الاستيطاني، والاستيلاء على الأراضي، والتهجير، والعنف ضد المدنيين في الضفة الغربية. فلا يمكن التفاوض على مستقبل الدولة الفلسطينية بينما تُنتزع المقومات التي تسمح بقيامها.

    ثالثًا، إحياء مسار سياسي ذي غاية محددة وآلية متابعة. لا تكفي الدعوة العامة إلى السلام؛ بل يلزم مسار تُعرَّف فيه الغاية بوضوح، وتُحدَّد له خطوات قابلة للمتابعة، وتُربط مخرجاته باحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني. ويمكن البناء في هذا السياق على مبادرة السلام العربية بوصفها دليلًا قائمًا على أن باب السلام طُرح منذ زمن، وأن المشكلة ليست غياب تصور له.

    رابعًا، تحمّل المجتمع الدولي مسؤولية المساءلة. إن القرارات التي لا يصاحبها تنفيذ تفقد أثرها، بل قد تزيد شعور المنتهك بأن الوقت يعمل لمصلحته. ولهذا لا بد من استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة بصورة متسقة، وتقييم أثرها على وقف الانتهاكات، بدل الاكتفاء بتكرار المواقف ذاتها بعد كل تصعيد.

    خامسًا، حماية استقرار سوريا وسيادتها. يحتاج أمن الجنوب السوري إلى اهتمام دولي مستدام يمنع التوغلات وفرض الوقائع الجديدة، ويحمي الموارد المائية من أن تصبح مصدر تهديد إضافي. فهذا الملف يتصل مباشرة بأمن المنطقة، وبالمصالح الوطنية الأردنية التي أعلنها جلالة الملك بجلاء.

    هذه المسارات لا تغني إحداها عن الأخرى. فالإغاثة بلا أفق سياسي تُبقي الناس داخل الأزمة، والسياسة بلا حماية للمدنيين تفقد معناها، والمساءلة بلا إرادة تنفيذ تظل وعدًا مؤجلًا.

    حماية المستقبل مسؤولية تبدأ اليوم

    بيّن جلالة الملك أن الأردن يمضي في مسارين معًا: الاستجابة للأزمات الطارئة وبناء المستقبل. وهذه ليست صيغة للتوفيق بين أولويات متنافسة، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. فتعزيز القدرات الدفاعية ومواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات يحميان حاضر الدولة، فيما يدعم الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد قدرة المجتمع على الصمود في السنوات المقبلة.

    ومن موقع الجامعات، تبرز مسؤولية موازية: إعداد جيل قادر على قراءة التحولات الإقليمية بعقل نقدي، وفهم صلة الأمن بالمياه والاقتصاد والقانون الدولي، والإسهام بالبحث والمعرفة في بناء حلول عملية. فالدولة التي تستشرف المخاطر وتطوّر أدواتها العلمية والمؤسسية تكون أقدر على حماية قرارها ومصالح شعبها.

    لقد أعاد الخطاب الملكي ترتيب الأسئلة التي ينبغي للعالم أن يواجهها. السؤال ليس كم مرة يمكن احتواء التصعيد، بل كم فرصة تُفقد كلما تأخر الحل. وليس إلى متى يستطيع الأردن التحذير من الخطر، بل متى يصغي المجتمع الدولي إلى تحذير تسنده الوقائع.

    سيظل الأردن، بقيادته الهاشمية، ثابتًا في الدفاع عن أمنه وحدوده ومياهه، وفي دعم صمود الشعب الفلسطيني وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومنفتحًا على كل جهد صادق لتحقيق السلام. غير أن مستقبل المنطقة يتطلب من العالم أن يغادر موقع المراقب. فما يُترك اليوم بلا حل لن يبقى في مكانه؛ بل سيكبر، وستدفع ثمنه شعوبٌ لم تعد تملك ترف انتظار انتباه العالم.

  • خطاب العرش السامي.. ثوابت الدولة الأردنية وأولويات المرحلة المقبلة

    خطاب العرش السامي.. ثوابت الدولة الأردنية وأولويات المرحلة المقبلة

     

    بقلم الأستاذ أحمد العنانزه
    جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني، حاملاً رسائل وطنية وسياسية عميقة، عكست ثوابت الدولة الأردنية وأولويات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها حماية أمن الوطن واستقراره، وصون وحدته الوطنية، وترسيخ حرية التعبير، وتعزيز سيادة القانون، وتسريع مسارات التحديث والتنمية، ووضع المواطن في صميم القرار الوطني.

    إن تأكيد جلالة الملك ضرورة التصدي للإرهاب، في ضوء أحداث الكرك الأخيرة، يجسد الموقف الأردني الحازم في حماية أمن المملكة واستقرارها، ويؤكد أن وحدة الأردنيين وتماسكهم يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والإرهاب، وأن قوة الأردن الحقيقية تكمن في تلاحم قيادته وشعبه ومؤسساته.

    كما حمل الخطاب الملكي رسالة واضحة بشأن حرية التعبير والتداول في الشأن العام، باعتبارهما حقاً دستورياً وممارسة وطنية مسؤولة، وأن اختلاف الرأي لا يشكل مصدر ضعف، بل يمثل مصدر قوة عندما تكون مصلحة الوطن هي البوصلة والغاية. وإن سعة صدر جلالة الملك للرأي والرأي الآخر تؤكد أهمية ترسيخ ثقافة الحوار وتقبل النقد المسؤول، باعتباره أداة للإصلاح وتصويب الأداء وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة.

    وفي السياق ذاته، جاءت الرسائل الملكية الموجهة إلى مجلس الأمة لتؤكد أهمية دوره التشريعي والرقابي، ومسؤوليته الوطنية في الارتقاء بالعمل السياسي والخطاب العام، إلى جانب التأكيد على أن سيادة القانون مبدأ لا يقبل التجزئة، وأن الوظيفة العامة مسؤولية وأمانة، ولا يجوز أن تكون وسيلة للإساءة أو تحقيق المصالح الشخصية أو الإفلات من المساءلة.

    وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي، شدد الخطاب على ضرورة تسريع تنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها مشاريع الأمن المائي، باعتبارها أولوية استراتيجية تمس الأمن الوطني وحقوق الأجيال القادمة. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بحجم الخطط والمشاريع وحدها، وإنما بمدى انعكاسها المباشر على حياة المواطنين، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز جودة الحياة.

    أما على صعيد الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، فقد أكد الخطاب مجدداً ثبات الموقف الأردني الرافض للأطماع التوسعية الإسرائيلية، والتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، باعتبار أن تحقيق السلام العادل والشامل يشكل أساساً للأمن والاستقرار في المنطقة.

    إن خطاب العرش السامي لم يكن مجرد خطاب افتتاحي للدورة العادية لمجلس الأمة، بل حمل رؤية وطنية واضحة لدولة قوية بأمنها، عادلة بقانونها، واسعة بحرياتها، فاعلة بمؤسساتها، ومنحازة إلى مواطنيها.

    وتبقى المسؤولية الوطنية اليوم أمام جميع مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمعية أن تترجم التوجيهات الملكية إلى سياسات وقرارات وإنجازات ملموسة على أرض الواقع، بما يعزز مسيرة الإصلاح، ويحفظ كرامة المواطن، ويصون مستقبل الأردن.

    حفظ الله الأردن، قيادةً وشعباً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار في ظل جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.

    #خطاب_العرش_السامي #الأردن

  • الأردني والسوري… أخوّة لا تهزّهم الفتن ولا تفرقهم المؤامرات

    الأردني والسوري… أخوّة لا تهزّهم الفتن ولا تفرقهم المؤامرات

    كتب : الدكتور عمر خويله 

    المملكة الأردنية الهاشمية ليست دولة عابرة في تاريخ المنطقة، بل وطن عصيّ على الفتن، قويّ بمنعته، راسخ بقيادته الحكيمة، شامخ بشعبه الواعي الأصيل، الذي حمل على الدوام رسالة العروبة والإنسانية، وفتح أبوابه وبيوته وقلوب اهله لأشقائه العرب والمسلمين، وتقاسم معهم رغيف الخبز ولقمة العيش ومرارة الظروف.

    سوريا ليست مجرد دولة جارة، بل هي أرض الحضارة والثقافة والتاريخ، وموطن شعب عريق رقيق المشاعر، لم تنل منه المحن، ولم تطفئ الحروب جذوة أصالته، وظل عبر التاريخ قادرا على النهوض والتجدد مهما اشتدت العواصف.

    الأردن وسوريا ليسا مجرد بلدين تجمعهما الحدود والجغرافيا، بل شعب واحد امتداد لشعب، وتاريخ يتداخل مع تاريخ، وروابط اجتماعية وثقافية ودينية وأخلاقية ضاربة في جذور الأرض والوجدان. هذه العلاقة أكبر من أن يهزها طاغية، وأعمق من أن تمزقها فتنة، وأقوى من أن تنال منها كلمات مسيئة تصدر عن أصحاب الأجندات المشبوهة.

    لقد تابعنا في الآونة الأخيرة، وفي أعقاب الأحداث الأخيرة في سوريا، محاولات بائسة لإشعال نار الفتنة بين الشعبين، وصدرت إساءات لا تمثل إلا أصحابها، ولا تعكس أخلاق الشعب السوري الأصيل. والمؤلم أن بعض من يقفون خلف هذه الإساءات عاشوا بين ظهرانينا في الأردن، وعرفوا معنى أن يكون للأخوة وطن يحتضنهم حين تضيق بهم الأوطان.

    عندما اشتدت المحنة السورية وأغلقت أبواب كثيرة في وجه العائلات المنكوبة، فتح الأردن أبوابه واحتضن الزوجات والأطفال، وشارك أشقاءه لقمة العيش وحبات الدواء، ولم يسألهم عن انتماء أو موقف سياسي او دين ، بل تعامل معهم بوصفهم إخوة وأشقاء، فكان لهم سندا وعونا وملاذا آمنا في أيام الشدة. كان الأردنيون أنصارا حين كان أشقاؤهم السوريون في محنة اللجوء، وهذه مواقف لا تمحوها ذاكرة الزمن ولا تنكرها إلا النفوس التي فقدت أصالتها واخلاقها.

    ونحن على يقين بأن السوري الأصيل لا يسيء إلى من أحسن إليه، ولا يرمي حجرا في بئر شرب منه يوما، ولا ينكر معروفا قدمه له أخ أو شقيق. أما أصوات التحريض والإساءة، أيا كانت الجهات التي تقف خلفها، فلا يجوز أن نسمح لها بأن تختطف صورة شعب كامل أو تسمم علاقة تاريخية بين بلدين وشعبين تعايشا وتصاهرا وجمعتهم المحبه والطهر.

    إن مواجهة الفتنة لا تكون بفتنة مضادة، ولا بالانجرار إلى لغة الإساءة والكراهية، بل بالوعي والحكمة والتمسك بالأخوة، وترك الحسابات السياسية وأصحاب المصالح الضيقة جانبا. فالأوطان أكبر من منشور مسيء، والشعوب أعمق من تعليق عابر، والتاريخ لا تصنعه حسابات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

    ولقد كان الرد الأردني على حملات الإساءة مثالا يستحق التقدير؛ فقد غلب الوعي على الغضب، والأخلاق على الاستفزاز، والمحبة على الكراهية. وكانت الرسالة الأردنية الحكوميه والشعبيه واضحة وبسيطة وعميقة في معناها:
    هذول إخواننا… وسوريا بلدنا، والأردن وسوريا أهل ودم وتاريخ واحد.
    وهنا تكمن قوة الأردن الحقيقية؛ في وعي شعبه، وثبات مواقفه، وقدرته على إطفاء الفتن قبل أن تتحول إلى نار تحرق الجميع.

    رسالتي إلى أهلنا في سوريا: لا تسمحوا لأصحاب الفتن أن يسرقوا منكم أخا، ولا تجعلوا إساءة فرد سببا في جرح علاقة شعبين. فالأردن سيبقى للأشقاء سندا، وسوريا ستبقى في وجدان الأردنيين وطنا عزيزا وشعبا شقيقا.

    قد تتغير الأنظمة وتتبدل الحكومات وتذهب الطغاة، لكن الأخوة بين الشعوب تبقى.
    الأردن وسوريا حكاية أخوة لا تنتهي، ورابط لا تقطعه الفتن، وتاريخ لا تمحوه حملات التحريض.

    حفظ الله الأردن وسوريا، وحمى شعبينا من كل سوء، وأدام بيننا المحبة والسلام.

  • طلبة الجامعات الخاصة وحرمانهم من منح وقروض صندوق دعم الطالب!!!

    طلبة الجامعات الخاصة وحرمانهم من منح وقروض صندوق دعم الطالب!!!

    الدكتور نضال شديفات

    لماذا لا تعطى فرصة القروض والمنح لطلبة الجامعات الخاصة؟
    أليس أهاليهم من الأردنيين وربما بعضهم ظروفهم أصعب من ظروف طلبة الجامعات الحكومية ولماذا يقتصر الدعم على طلبة الجامعات الرسمية بينما يحرم طالب الجامعة الخاصة رغم أنه أردني وربما دخله أقل وحاجته أكبر؟!!
    صندوق دعم الطالب لا يمول من مصدر واحد بل تتعدد موارده فهو ممول من الموازنة العامة ومن عوائد بيع أرقام المركبات المميزة بالمزاد العلني وقد رفعت الحكومة مخصصاته من عشرين مليون دينار إلى ثلاثين ثم إلى أربعين مليون دينار بفضل هذه العوائد.
    وإذا كان الأردنيون جميعا يساهمون في هذه الموارد من خلال الضرائب والرسوم وعوائد بيع الأرقام المميزة
    اليست الجامعات الخاصة مؤسسات أردنية وطنية أيضا وتوفر أيضا منحا متعددة لابناء المجتمع المحلي وفي تخصصات كثيرة رسومها توازي او اقل من الجامعات الحكومية وهذا يدركه أولياء الأمور الذين توفرت لديهم مقاعد في جامعات حكومية بعيدة عن مكان سكنهم فاختاروا قرب الجامعات الخاصة….
    فالعدالة تقتضي أن يكون الأردنيون متساوين وتوسيع مظلة القروض والمنح لتشمل الجامعات الخاصة بما يحقق المساواة ويخفف الأعباء ويصون كرامة الطلبة الذين لا ذنب لهم علما ان صندوق دعم الطالب الجامعي حقق في الجامعات الرسمية إنجازاً وطنياً لافتاً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2004 – 2025 إذ بلغ إجمالي عدد الطلبة المستفيدين من القروض والمنح الجامعية خلال هذه الفترة 747430 طالباً وطالبة فيما بلغت التكلفة المالية الإجمالية لهذا الدعم 687 مليونا و 458263 دينارا في مؤشر على استمرار مملكتنا الحبيبة بدعم أبنائها الطلبة وتمكينهم من إكمال مسيرتهم التعليمية في الجامعات الرسمية على مدى أكثر من عقدين من الزمن...

  • حين تُزهر المعرفة في حضرة الوفاء

    حين تُزهر المعرفة في حضرة الوفاء

    حين تُزهر المعرفة في حضرة الوفاء
    بقلم الدكتور صالح العجلوني

    في إشهار موسوعة الأستاذ الدكتور كامل العجلوني: «الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش المضطر؟»

    في مساءٍ أطلّ على قصر الثقافة بثوبٍ من ذهب، اجتمع العلم والمحبة في لقاءٍ لم يكن مجرد احتفال بإشهار موسوعة علمية، بل مناسبةً امتزجت فيها فرحة الإنجاز بصدق الوفاء، والتقت فيها ذاكرة السنين بدفء المحبة، لتؤكد أن بعض الرجال لا يجمعون الناس حول أعمالهم فحسب، بل تجمعهم حولهم قلوبٌ أحبّتهم وأرادت أن تشاركهم فرحتهم.

    كان الموعد إشهار موسوعة الأستاذ الدكتور كامل العجلوني، «الغرب والحضارة العربية الإسلامية: عداء دائم أم تعايش المضطر؟»، ذلك العمل العلمي الذي استغرق سبع سنوات من البحث والتقصي، وجاء في أربعة مجلدات تضم أكثر من 2486 صفحة، مستندةً إلى أكثر من 1847 مرجعًا ومقالة من مصادر عربية وأجنبية.

    وتتناول الموسوعة مسيرة الحضارتين العربية الإسلامية والغربية، وما شهدته علاقتهما من تحولات سياسية وفكرية وثقافية، طارحةً أسئلةً عميقة حول العداء والتعايش، والصراع والتفاعل، وداعيةً إلى قراءة التاريخ بعقلٍ منصف يتجاوز الأحكام المسبقة. فقيمة الكتاب لا تكمن في كثرة صفحاته ومراجعه فحسب، بل في قدرته على فتح آفاق التفكير، وإثارة الأسئلة التي تستحق البحث والحوار.

    وقد ازدانت القاعة بحضورٍ متنوع من رجال الدولة والوزراء والنواب، وأساتذة الجامعات، والمثقفين والباحثين، ورجال الدين والقضاء، في مشهدٍ بدا كأنه لوحة أردنية تتآلف فيها الألوان، وتلتقي فيها مختلف المواقع والمقامات عند تقدير العلم والاحتفاء بالإنسان.

    وتوالت الكلمات التي استحضرت جوانب من سيرة الدكتور كامل العجلوني ومسيرته طبيبًا ناجحًا، وباحثًا متألقًا، وإداريًا ترك بصمته في المؤسسات التي تولّى مسؤوليتها. وكانت الشهادات، على اختلافها، تلتقي عند حقيقةٍ واحدة: أن وراء هذا الإنجاز عقلًا لا يملّ السؤال، وإرادةً لا تستسلم أمام مشقة البحث، وإنسانًا ترك في نفوس الذين عرفوه أثرًا طيبًا يتجاوز حدود الإنجاز والألقاب.

    لكن أجمل ما في الأمسية لم يكن الموسوعة وحدها، بل ذلك المشهد الإنساني الدافئ الذي أحاط بها. فقد جاء بعض الأحبة رغم متاعبهم الصحية وما تركته السنون من تعب، وكأنهم أرادوا أن يقولوا إن الوفاء لا تقيسه المسافات، وإن المحبة الصادقة تمنح أصحابها قوةً تتجاوز مشقة الطريق.

    كنت أرقب الوجوه والمصافحات والابتسامات، فأرى في كل منها حكايةً من تاريخٍ مشترك؛ صديقًا يستعيد ذكرى، وزميلًا يجدّد عهدًا، وقريبًا يفرح لإنجاز عزيز عليه. وأدركت أن الحاضرين لم يكونوا شهودًا على إشهار كتاب فحسب، بل كانوا شهودًا على رصيدٍ من المحبة بناه الدكتور كامل عبر سنوات حياته وعمله.

    وما إن انتهى الحفل حتى التفّ الحضور حوله، يباركون إنجازه ويلتقطون الصور التذكارية معه، فيما كان يستقبلهم بابتسامته المعهودة وبشاشته التي جعلت المناسبة أقرب إلى لقاء الأهل والأحبة منها إلى احتفال رسمي.

    وفي تلك اللحظات، بدا لي أن أجمل ما يجنيه الإنسان من رحلة عمره ليس ما يضعه على رفوف المكتبات وحدها، بل ما يزرعه في قلوب الناس؛ فالمكتبات تحفظ كتبه، أما القلوب فتحفظه هو.

    دكتور كامل، يا ابن الصريح الأصيل، ويا ابن عمتي الذي أعتز به، ويا خالي الكريم الذي تجمعني به صلة الرحم ووشائج المحبة وذاكرة المكان؛ لقد كان فرحي بك في تلك الأمسية فرحًا بإنجازك العلمي، واعتزازًا بقريبٍ عزيزٍ أرى فيه ثمرة سنواتٍ من العطاء والاجتهاد، وأحد أبناء الصريح الذين حملوا اسمها في ميادين العلم والعمل.

    ما أجمل أن أراك وقد أشرق الفرح على وجهك، والتفّ حولك الأهل والأصدقاء والزملاء، وكأن تعب السنين وجد أخيرًا نافذته إلى الضوء. لقد كانت ابتسامتك أبلغ من الكلمات، تختصر فرحة الباحث بثمرة جهده، وفرحة الإنسان بمحبة الذين يشاركونه رحلته.

    دمتَ يا دكتور كامل مزهرًا كربيعٍ لا يشيخ، وعامرًا بالمحبة، كريم السيرة، عظيم الأثر. أسعد الله قلبك كما أسعدت قلوبنا، وبارك في علمك وعملك، وجعل ما كتبت نورًا ينتفع به الباحثون وطلاب المعرفة، وأدام عليك الصحة والعافية.

    دمتَ لنا خالًا كريمًا، وأبًا حانيًا، ووجهًا نأنس برؤيته، وفرحًا لا يغيب، وعطاءً لا ينضب، وربيعًا لا يشيخ.

    فما أجمل أن يجتمع للإنسان المجد في العلم، والطيب في السيرة، والوفاء في المحبة؛ وأن يظل أثره حاضرًا في صفحات الكتب وقلوب الأحبة معًا.

    حين تُتوّج المعرفة بالوفاء، تزهر مرتين: مرةً في صفحات الكتب، ومرةً في قلوب الذين يحبون أصحابها.

  • الأردن وسوريا: علاقة أخوّة ومصالح مشتركة.. وأمن الأردن خط أحمر

    الأردن وسوريا: علاقة أخوّة ومصالح مشتركة.. وأمن الأردن خط أحمر

    بقلم : ماجد الشملان

    إن الحديث عن التطورات الأمنية الأخيرة لا يجوز أن يتحول إلى دعوة للقطيعة بين الأردن وسوريا، ولا إلى تبرير مطلق لأي إجراء عسكري دون التحقق من تفاصيله ونتائجه. فالعلاقة بين البلدين أوسع من حادث، وأعمق من خلاف، وأهم من أن تُترك للشائعات أو للخطاب الانفعالي. الأردن وسوريا دولتان جارتان، وأمن كل منهما مرتبط باستقرار الأخرى. بين الشعبين تاريخ اجتماعي وعائلي وتجاري مشترك، وبين البلدين مصالح استراتيجية في الحدود والتجارة والنقل والمياه والطاقة ومكافحة الإرهاب والتهريب. وقد أكدت اللقاءات الرسمية خلال عام 2026 التوجه نحو توسيع التعاون والشراكة بينهما، بما في ذلك التحضير لاجتماع مجلس التنسيق الأعلى الأردني السوري في دمشق يومي 8 و9 تشرين الثاني 2026. لكن العلاقات الأخوية لا تعني تجاهل الخلافات، كما أن حماية الأمن الوطني لا تعني التخلي عن الحوار. فالأردن له كامل الحق في حماية حدوده ومواطنيه والتصدي للتهديدات التي تستهدف أمنه، والجانب السوري له حقه في سيادة أراضيه وحماية المدنيين. والمسؤولية السياسية والأمنية تقتضي إدارة هذه الملفات بالتنسيق المباشر، وبما يمنع تحول أي مواجهة أمنية إلى أزمة بين شعبين تجمعهما روابط راسخة. وفي ضوء الضربات الجوية الأردنية الأخيرة داخل الأراضي السورية، تبرز أهمية ما أُعلن عن الاتفاق على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لدراسة تفاصيل العمليات وتداعياتها، وتعزيز التنسيق الميداني والاستخباري. وهذه خطوة مهمة إذا تُرجمت إلى تحقيق مهني وشفاف، يوضح الوقائع، ويفحص الادعاءات المتعلقة بالخسائر المدنية، ويضع آليات عملية لمنع تكرارها، مع استمرار مواجهة التنظيمات الإرهابية وشبكات تهريب المخدرات والأسلحة التي تهدد البلدين. الوقوف مع أمن الأردن لا يتطلب الإساءة إلى سوريا، واحترام سيادة سوريا لا يعني إنكار حق الأردن في الدفاع عن نفسه. بل إن الموقف المسؤول يجمع بين الأمرين: حماية الأردن، وصون كرامة الشعب السوري وسلامة المدنيين، والاحتكام إلى الأدلة والقنوات الرسمية في معالجة الخلافات. أما الجيش العربي الأردني وسلاح الجو الملكي، فدورهما في حماية المملكة وسيادتها وأمن مواطنيها يحظى بمكانة وطنية راسخة. وفي الوقت نفسه، فإن قوة المؤسسات العسكرية تظهر أيضًا في الالتزام بالقانون، ودقة المعلومات، وتقييم النتائج، وتجنب الأذى الذي يمكن تفاديه للمدنيين. وهذه المبادئ لا تنتقص من حق الدولة في الدفاع عن نفسها، بل تدعم شرعية قراراتها وثقة المواطنين بها. ولا يجوز كذلك تحميل الشعب السوري مسؤولية أفعال تنظيمات مسلحة أو شبكات تهريب، كما لا يجوز تصوير الأردنيين والسوريين وكأنهم طرفان متخاصمان. فالمواطن الأردني يريد أمن بلده، والمواطن السوري يريد الأمن والاستقرار والسيادة؛ وهذه مصالح يمكن حمايتها بالتعاون المسؤول، لا بالتحريض المتبادل. إن المطلوب اليوم هو موقف واضح: لا تهديد لأمن الأردن، ولا استهانة بسيادة سوريا، ولا تهاون في حماية المدنيين، ولا السماح للخلافات الأمنية بأن تتحول إلى خصومة شعبية. ومن هنا يجب أن تُحسم الوقائع بالأدلة والتحقيق والتنسيق، لا بالتخوين أو الشائعات أو الأحكام المسبقة. فالعلاقة الأردنية السورية ليست علاقة خصومة مفروضة، بل علاقة جوار ومصالح ومصير متداخل. وكلما كان التنسيق الأمني أوضح، والحوار السياسي أصدق، والمحاسبة أكثر شفافية، ازدادت قدرة البلدين على مواجهة التهديدات وحماية شعبيهما. الأردن يحمي أمنه، وسوريا تصون سيادتها، والشعبان يستحقان علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والأمن والاستقرار. حمى الله الأردن وقائده وجيشه المصطفوي