التصنيف: أقلام

  • عشرون عاماً من الريادة المؤسسية: جلالة الملك يجدد رؤية التحديث ويطلق مرحلة جديدة من التطوير

    عشرون عاماً من الريادة المؤسسية: جلالة الملك يجدد رؤية التحديث ويطلق مرحلة جديدة من التطوير

    بقلم : خليل قطيشات

    ​في محطة استثنائية تعكس الإرادة الهاشمية الراسخة في ترسيخ نهج الكفاءة والابتكار، رعى صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين الحفل الوطني الفعّال الذي أقيم بمناسبة مرور عقدين من الزمان على التأسيس، معلناً الانطلاقة الرسمية للدورة الجديدة من الجوائز الممتدة بين عامي ألفين وستة وعشرين وألفين وثمانية وعشرين.

    ​وشهدت الاحتفالية لفتة ملكية سامية تمثلت في تكريم نخبة من القيادات والرواد الذين أرسوا اللبنات الأولى للمسيرة وساهموا في هندسة نجاحاتها المتعاقبة؛ إذ شمل التكريم المسؤولين السابقين والإدارات التنفيذية التي تعاقبت على الإشراف والقيادة، وفاءً لجهودهم المعطاءة وتكليلاً لدورهم في ترسيخ قواعد النهج المؤسسي الأردني.

    ​وفي سياق الكلمات التأطيرية للحدث، سلطت القائمون على إدارة الجائزة الضوء على حجم الإنجازات المتراكمة خلال عقدين، مؤكدين أن المنظومة تتجه اليوم نحو مرحلة أكثر عمقاً وأثراً عبر تحديث المعايير وتطوير أدوات القياس وتقييم الأداء. وترتكز الدورة الجديدة على الارتقاء بمعايير الكفاءة وبناء القدرات، بما ينعكس مباشرة على تجويد صناعة القرار وتطوير قدرات الكوادر البشرية.

    ​ولم تقتصر الرؤية المحدثة على الأطر الإدارية التقليدية، بل وسعت مستهدفاتها لتشمل شراكة استراتيجية أوسع نطاقاً مع القطاع الخاص والجامعات والمؤسسات التعليمية، بهدف رفد سوق العمل بكفاءات شابة مجهزة بمهارات المستقبل. كما تعتمد الدورة المقبلة معايير مرنة تقيس مدى قدرة المؤسسات على التكيف مع المتغيرات، واستجابتها السريعة لتطلعات المواطنين من خلال رفع جودة الخدمات وتحسين تجربتهم عبر كافة القنوات التقليدية والرقمية.

    ​وقد شهد الحفل حضوراً رفيع المستوى تقدمه كبار رجال الدولة الأردنية وقيادات القطاعين المدني والعسكري، في تأكيد واضح على الالتزام الثابت برؤية التحديث الشاملة، وجعل التطوير المستدام ركيزة أساسية لرسم ملامح المستقبل.

  • مهندس الواقع الخفي كيف يدير العقل الباطن تفاصيل حياتنا من خلف الكواليس

    مهندس الواقع الخفي كيف يدير العقل الباطن تفاصيل حياتنا من خلف الكواليس

    بقلم  : خليل قطيشات

    ​يقف الإنسان في منتصف هذا العالم متوهماً أنه السيد المطاع لقراراته، وأن كل خطوة يخطوها هي وليدة لحظة حاسمة من التفكير المنطقي والوعي الخالص. غير أن الحقيقة العلمية والإنسانية تكشف عن مشهد مختلف تماماً، حيث يقبع في أعماق البنية النفسية للسيادة البشرية محرك هائل لا يهدأ ولا ينام، يعمل بدقة متناهية ليصيغ تفاصيل حياتنا اليومية وسلوكياتنا الممتدة. إن العقل الباطن ليس مجرد مفهوم فكري أو مصطلح في كتب النفس، بل هو القوة الناظمة التي تدير العمليات المعقدة للوجود البشري، والمستودع الأبدي لكل تجربة وفكرة وشعور مر بنا منذ الصغر.

    ​تتجلى العظمة الحقيقية لهذا النظام الداخلي في تلك القدرة الفائقة على الاستمرار والعمل دون أدنى تدخل من الوعي اليومي الشاخص. بينما ينشغل العقل الظاهر بتحليل المواقف اللحظية واتخاذ القرارات السريعة، يتكفل هذا العملاق الخفي بإدارة أجهزة الجسد الحيوية بتناغم مذهل، من تنظيم ينبض به القلب إلى أنفاس تتلاحق دون أملال، متجاوزاً الحدود الفسيولوجية ليصبح البنك المركزي للذاكرة الإنسانية. كل صورة شهدتها العين، وكل كلمة نطق بها لسان أو استقرت في مسامعنا، يتم أرشفتاها وتصنيفها في هذا الخزان العميق، لتتحول مع مرور الوقت إلى بوصلة خفية توجه انفعالاتنا، وتبني قناعاتنا، وترسم طبيعة استجاباتنا للمخاطر والفرص على حد سواء.

    ​من خلال هذه الأرشيفة الضخمة، يصيغ العقل الباطن طبيعة العادات والمهارات التي تميز السلوك البشري. فعندما يحاول الفرد تعلم مهارة جديدة كالكتابة أو قيادة السيارة، يستهلك العقل الواعي طاقة جبارة للتركيز في كل التفاصيل الصغيرة، إلا أن تكرار الفعل يدفع بهذه المهارة تدريجياً نحو أروقة اللاواعي، لتستقر هناك كبرنامج تلقائي يعمل بكل يسر وسلاسة. وفي الوقت ذاته، يخوض هذا المحرك الداخلي رحلة دؤوبة في حل المشكلات الشائكة، حيث يواصل ربط الخيوط وتفكيك الألغاز في الخفاء، حتى يفاجئ صاحبه بشرارة من الإلهام أو حل إبداعي ينبت فجأة في لحظات الاسترخاء أو عند الاستيقاظ من النوم.

    ​إن إدراك الطبيعة الاستثنائية للعقل الباطن يفتح الباب أمام تشكيل واقع جديد قائم على الفهم والاستثمار الواعي لهذه الطاقة. فهو لا يفرق بين الواقع والتخيل، بل يستجيب للرسائل والأفكار المتكررة باعتبارها حقائق مطلقة يتوجب تجسيدها في أرض الواقع. ومن هنا تصبح الكلمات التي نحدث بها أنفسنا، والبيئة الفكرية التي نحيط بها عقولنا، بمثابة التعليمات التشغيلية التي تسير خياراتنا المستقبلية. إن هذا المدى النفسي ليس غريباً عنا، بل هو الصديق الأصدق والشريك الخفي الذي إن أحسنا تغذيته بالرؤى الإيجابية والإصرار، تحول من مجرد مخزن للذكريات إلى جسر متين يعبر بنا نحو تحقيق أقصى طاقاتنا البشرية.

  • من فوضى الإقليم إلى اقتصاد الفرص .. بطالة الشباب أولوية

    من فوضى الإقليم إلى اقتصاد الفرص .. بطالة الشباب أولوية

    بقلم : د. روان سليمان الحياري
    في إقليم تعاد صياغة خرائطه السياسية والاقتصادية تحت وقع الحروب والصراعات، قد يبدو طبيعياً أن تنشغل الدول بإدارة الأزمات وانتظار عودة الاستقرار. لكن الخطر الأكبر ليس فقط ما تسببه الفوضى من خسائر، بل ما قد يفوت من فرص بانتظار أن يهدأ الإقليم.
    أما العالم فلا ينتظر! سلاسل توريد يعاد تشكيلها، ومسارات التجارة والطاقة تتغير، والموانئ والطرق والسكك الحديدية تتحول إلى أدوات نفوذ، فيما تعيد رؤوس الأموال والشركات الكبرى تموضعها على أساس الاستقرار والاستدامة والقدرة على الوصول إلى الأسواق.
    وهنا ينبغي ألا يقتصر السؤال على: كيف نحمي اقتصادنا من تداعيات الإقليم؟ بل كيف نستثمر التحولات التي ينتجها؟
    الأردن يمتلك جيوبوليتك مهم، ويمتلك قطاعات لها حضور تنافسي في الكثير من القطاعات منها: الأدوية والفوسفات والأسمدة والصناعات على اختلافها والخدمات والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات الصناعية المهمه التي لم تأخذ فرصتها الحقيقية بعد. لكن الموقع وحده لا يكفي، فمرور التجارة (تجارة العبور/ الترانزيت) ليست هدفاً بحد ذاته. لان الاستثمار الحقيقي يكمن في اقتصاد القيمة لا اقتصاد العبور؛ أي توطين الحركة التجارية والاستثماريه الإقليمية وتحويلها إلى استثمار وإنتاج وصادرات وفرص عمل للشباب.
    وهنا تبقى بطالة الشباب في صلب الأولويات الوطنية، مهما ارتفعت أهمية الملفات السياسية والأمنية. فالقيمة الحقيقية للنمو انتاجها إلى فرص اشتثماريه ووظائف عمل، فجذب الاستثمار يجب أن يبنى عليه نقل المعرفة وبناء قطاعات جديدة والتركيز على تعزيز البناء على قطاعات القيمة المضافة الاردنية، وخلق غيرها
    نحتاج لهذا الانتقال من الاستجابة بإدارة الاستثمار إلى المبادرة بهندسة الفرص الاستثمارية نحو شراكات استراتيجية أوسع، بملفات استثماريه متخصصة جاهزة تطرح فرصة محددة، سوق واضح، كلفة وحوافز، قوى عاملة مؤهلة، قدرة على التصدير، تشريعات داعمة، وعائد متوقع، خبرة وكفاءات أردنية، وربط مبكر بفرص إعادة الإعمار والبنى التحتية والطاقة والخدمات.
    في هذا كله، يبقى رأس المال البشري الأردني، وجودة المنتج الأردني الميزة التنافسية الأهم، في عالم يبحث عن موردين موثوقين، كما ان الجودة والالتزام ميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن السعر، فالبطالة بين صفوف الشباب الأردني، يجب ألا يُنظر إليها باعتبارها ملف بطالة فقط، بل باعتبارها جزء من محركات الاستثمار للأردن، بمعادلة واضحة، يكون فيها البناء هو الاستراتيجية، والشراكات وسيلتها، والاستثمار محركها، والجودة بوابتها إلى الأسواق، وخلق فرص عمل حقيقية لتشغيل الشباب هو معيار نجاحها.
    فالجغرافية قدر، أما استثمارها خيار، فلا نريد أن يكون الأردن الغالي ممراً تعبره الفرص، بل اقتصاداً تستقر فيه، شبابه عمادها.

  • جريمة الاستيلاء على أموال الغير عن طريق الروابط الوهمية

    جريمة الاستيلاء على أموال الغير عن طريق الروابط الوهمية

    بقلم : المحامي الدكتور بدر الزيود
    أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الإلكترونية الحديثة بيئة خصبة لارتكاب أنماط مستحدثة من الجرائم، ومن أبرزها الاستيلاء على أموال الغير عن طريق الروابط الوهمية. وتتمثل هذه الجريمة في إرسال رابط إلكتروني يبدو ظاهريًا تابعًا لبنك أو مؤسسة مالية أو شركة تجارية أو منصة إلكترونية معروفة، بقصد خداع المجني عليه وحمله على إدخال بياناته المصرفية أو بيانات بطاقته الإلكترونية، ثم استغلالها للاستيلاء على أمواله.
    وتقوم هذه الجريمة على عنصر جوهري يتمثل في استخدام وسيلة احتيالية من شأنها تضليل المجني عليه، كإنشاء صفحة إلكترونية تحاكي الصفحات الرسمية، أو إرسال رسالة تتضمن ادعاءً بوجود تحديث للحساب أو جائزة أو معاملة مالية، ثم استغلال البيانات التي يحصل عليها الجاني في تنفيذ عمليات تحويل أو سحب مالي دون علم صاحبها أو موافقته.
    وقد عالج المشرّع الأردني هذه الأفعال في قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023؛ إذ نصت المادة (8) على تجريم الحصول، دون تصريح، على البيانات المتعلقة بوسائل الدفع الإلكتروني أو المعاملات المالية والمصرفية الإلكترونية، كما شددت العقوبة إذا أدى استخدام تلك البيانات إلى الاستيلاء على مال مملوك للغير.
    كما نصت المادة (10) من القانون ذاته على معاقبة كل من يستولي، بغير حق، على مال منقول أو غير منقول بالاستعانة بأي طريقة احتيالية، أو باتخاذ اسم كاذب، أو انتحال صفة غير صحيحة عن طريق الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات، بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التي تتراوح بين خمسة آلاف وخمسة وعشرين ألف دينار، كما يعاقب على الشروع بالعقوبة ذاتها.
    ولا تقتصر خطورة هذه الجريمة على الخسائر المالية التي تلحق بالمجني عليه، بل تمتد إلى تقويض الثقة في المعاملات الإلكترونية وتهديد أمن البيانات المصرفية والشخصية. ومن ثم، فإن مواجهتها تتطلب تعزيز الوعي الرقمي، وتجنب فتح الروابط مجهولة المصدر، والامتناع عن إدخال البيانات المصرفية أو كلمات المرور عبر الروابط الواردة في الرسائل أو المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
    وخلاصة القول، فإن الاستيلاء على أموال الغير باستخدام الروابط الوهمية يُعد صورة خطيرة من صور الاحتيال الإلكتروني. وقد أحاط المشرّع الأردني هذه الأفعال بالتجريم وفرض عليها عقوبات مشددة، بما يسهم في حماية الأموال والمعاملات الإلكترونية وتعزيز الثقة في البيئة الرقمية.

  • مسيرة ملكة … حكاية تميز صنعتها جلالة الملكة رانيا العبدالله

    مسيرة ملكة … حكاية تميز صنعتها جلالة الملكة رانيا العبدالله

    بقلم : النائب رانيا أبورمان
    في عيد ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله المعظمة، لا نحتفي فقط بيوم ميلاد ملكة، بل نقف أمام مسيرة ملكة صنعت من حضورها رسالة، ومن مكانتها مسؤولية، ومن تميزها أثراً امتد إلى الإنسان والوطن والعالم.
    مسيرةٌ لم تكن عابرة، بل كانت حافلة بالعطاء، والإنسانية، والإيمان العميق بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان.
    جلالة الملكة رانيا العبدالله، المرأة الأردنية التي حملت صورة وطنها إلى العالم بكل فخر واقتدار، فكانت نموذجاً للرقي والثقافة والوعي، وصوتاً مؤمناً بالتعليم، وداعماً للشباب، ومناصراً للطفولة والمرأة والإنسان.
    ما يميز جلالتها ليس حضورها العالمي فحسب، بل تلك القدرة الاستثنائية على الجمع بين المكانة وقربها من الناس، وبين التميز والبساطة، وبين المسؤولية والإنسانية.
    كانت ولا تزال مثالاً للمرأة التي تؤمن بأن النجاح الحقيقي هو الأثر الذي نتركه، وأن التميز لا يكتمل إلا عندما يتحول إلى عطاء، وأن الموقع الحقيقي للإنسان هو في قلوب الناس وما يقدمه لهم.
    وفي يوم ميلاد جلالتها، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك إلى ملكةٍ كانت دائماً مميزة في حضورها، عظيمة في رسالتها، قريبة في إنسانيتها، وفخراً للأردن في كل المحافل.
    كل عام وجلالتكِ بألف خير، وكل عام ومسيرتكِ عنوانٌ للتميز والعطاء، وحكايةُ نجاحٍ نفخر بها، ورسالةُ أملٍ تلهم الأجيال.
    حفظ الله جلالة الملكة رانيا العبدالله، وأدام عليها الصحة والعافية، وحفظ الأردن الغالي وقيادته الهاشمية الحكيمة

     

  • حين يصبح الماضي مؤهلاً للمستقبل

    حين يصبح الماضي مؤهلاً للمستقبل

    بقلم : النائب اية الله الفريحات
    ليس لافتًا أن يُعيَّن رئيس وزراء أو وزير سابق رئيسًا لمجلس أمناء جامعة؛ اللافت أن يتكرر النمط حتى يبدو وكأنه قاعدة في صناعة الاختيار.
    فالمسألة هنا ليست أسماءً، بل سؤالًا عن هندسة النخبة: هل تستدعي الحكومة من أثبتوا حضورهم في الماضي، أم تبحث عمّن يستطيعون إضافة شيء إلى المستقبل؟
    الخبرة السياسية رصيد لا يُستهان به، لكنها ليست عملة صالحة لكل سوق. فإدارة الحكومة شيء، وإدارة المعرفة شيء آخر؛ والجامعة ليست وزارة مؤجلة، ومجلس أمنائها ليس رصيفًا أخيرًا للمناصب التي انتهى زمنها التنفيذي.
    ثمة فارق دقيق بين أن تستثمر الحكومة في خبرات رجالاتها السابقين، وبين أن تجعل المنصب السابق جواز عبور إلى منصب لاحق. في الحالة الأولى تُستثمر الخبرة؛ وفي الثانية يُعاد إنتاج الامتياز.
    والجامعة، تحديدًا، ينبغي أن تكون أكثر مؤسسات الدولة تحررًا من منطق الألقاب. فهي لا تحتاج بالضرورة إلى من يحمل صفة «معالي»، بقدر ما تحتاج إلى من يحمل فكرة، وخبرة نوعية، وقدرة على فتح أفق جديد.
    المفارقة أن الخطاب الحكومي يتحدث عن اقتصاد المعرفة والابتكار والجامعة التنافسية، بينما قد تظل آلية الاختيار أسيرة اقتصاد المكانة: من كان في أعلى هرم السلطة يُستدعى مرة أخرى إلى أعلى هرم المؤسسة.
    وهنا تُهدر قيمة نادرة: كفاءات لم تدخل نادي المناصب، لكنها دخلت نادي الإنجاز؛ أكاديميون وباحثون وخبراء واقتصاديون وتقنيون، لا تمنحهم الألقاب وزنهم، لأن وزنهم الحقيقي فيما يعرفون وما أنجزوا وما يستطيعون أن يصنعوه.
    ليست القضية إذن في استبدال السياسي بالأكاديمي، ولا في إقصاء أصحاب الخبرة العامة؛ بل في أن يصبح الاستحقاق الوظيفي هو الأصل، والاسم اللامع مجرد تفصيل.
    فالحكومة الواثقة من خياراتها لا تسأل: من الذي يمكن إعادة استخدامه؟
    بل تسأل: من الذي لم نستخدمه بعد، وقد يكون أقدر على صناعة ما لم نصنعه؟
    تلك ليست مسألة تعيينات؛ إنها مسألة ثقافة حكم.
    فحين تستدعي الحكومة الماضي إلى مواقع المستقبل، قد تحافظ على الوجوه ذاتها؛ أما حين تستدعي الكفاءة حيثما كانت، فإنها تبدأ بصناعة نخبة جديدة.
    والفرق بين الأمرين هو الفرق بين إدارة ما كان، وصناعة ما سيكون.

     

  • “النظام معلق”.. الشماعة التي تقتل إنجاز الحكومة الإلكترونية

    “النظام معلق”.. الشماعة التي تقتل إنجاز الحكومة الإلكترونية

    بقلم : د.فوزان العبادي
    قبل فترة، تحدثنا بإيجابية عن مراكز الخدمات الحكومية، وأشدنا بفكرتها وبمستوى التنظيم وسهولة إنجاز المعاملات فيها، لأنها قدمت نموذجا حضاريا للخدمة العامة التي يستحقها المواطن. لكننا اليوم مضطرون لإعادة النظر في هذا التقييم، ليس لأن الفكرة سيئة، بل لأن تكرار تعطل نظام إدارة الترخيص أصبح يفرغ هذه التجربة من مضمونها.
    يدخل المواطن إلى مركز الخدمات، يأخذ دوره، وينتظر، ثم تأتيه الإجابة المعتادة: “النظام معلق شو يعني النظام معلق؟ ومن المسؤول عن تعليقه؟ وكم ساعة أو يوما يحتاج حتى يعود؟ ولماذا لا يوجد نظام بديل يضمن استمرار تقديم الخدمة؟ وهل يعقل أن تتوقف مصالح عشرات المواطنين لأن نظاما إلكترونيا تعطل، دون وجود حل سريع أو جهة تتحمل المسؤولية؟ المواطن لا يعنيه إن كان الخلل في السيرفر أو الشبكة أو الربط الإلكتروني بين المؤسسات، ولا يفترض به أن يفهم التفاصيل التقنية. ما يعنيه أنه اقتطع وقتا من عمله، ودفع أجرة طريق، وحضر لإنجاز معاملة، ثم عاد خالي الوفاض بسبب جملة أصبحت شماعة جاهزة: النظام معلق.
    التحول الإلكتروني الحقيقي لا يعني استبدال الورقة بشاشة فقط، بل يعني بناء أنظمة مستقرة، وخطط طوارئ، وبدائل فورية، وفرق فنية قادرة على التدخل السريع. أما أن تتكرر المشكلة وتبقى الإجابة ذاتها، فهذا ليس عطلا عابرا، بل خلل إداري وتقني يستوجب المراجعة والمساءلة. مراكز الخدمات الحكومية فكرة جميلة وتستحق النجاح، وقد مدحناها عندما أحسنت، لكن واجبنا أن ننتقدها عندما تتراجع. لأن المشكلة في وطننا ليست دائما في غياب الأفكار الجميلة، بل في غياب المتابعة التي تضمن استمرارها.
    فليش كل حلو بوطننا ما بكمل؟ –

  • هذه الرؤية تنقصنا .. أرجوكم

    هذه الرؤية تنقصنا .. أرجوكم

    بقلم : علاء القرالة
    لدينا اليوم رؤية للتحديث السياسي، ورؤية للتحديث الاقتصادي، ورؤية للتحديث الإداري، وكل واحدة منها تضع خارطة طريق للمستقبل، لكنني أعتقد أن هناك رؤية لا تقل أهمية عن كل ما سبق، بل ربما تكون الأساس الذي نبني عليه هذه الرؤى جميعا، وهي رؤية التعليم، فما أهمية هذه الرؤية؟.
    ولا أقصد هنا خطة جديدة لتعديل المناهج أو تغيير الكتب المدرسية، وإنما رؤية وطنية شاملة تمتد إلى عام 2035، تضع تصورا واضحا للتعليم الذي نريده لأبنائنا والأجيال المقبلة، وتجيب عن سؤال مهم: ماذا نريد أن يكون أبناؤنا قادرين على فعله عندما يصلون إلى سوق العمل بعد عشر سنوات؟.
    العالم الذي سيعيش فيه طفل الصف الأول اليوم لن يكون هو العالم الذي نعرفه الآن، فالذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة هائلة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل الوظائف والمهن، وستظهر تخصصات ومهن جديدة، فيما ستتغير أخرى أو تختفي، وستصبح المهارات الرقمية والتقنية جزءا أساسيا من معظم الأعمال.
    لذلك نحن بحاجة إلى رؤية تعليمية تبدأ من الصف الأول الأساسي وتصل إلى نهاية المرحلة الثانوية، تضع خارطة متدرجة للمهارات التي يجب أن يمتلكها الطالب في كل مرحلة عمرية، ولا يحدث عليها أي تغيير بل تطوير فقط وفق المتغيرات، وذلك لأن الطفل يبدأ التفكير المنطقي وحل المشكلات والتعامل الآمن مع التكنولوجيا، ثم ينتقل تدريجيا إلى البرمجة والبيانات والذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية، وصولا إلى مرحلة يستطيع فيها اكتشاف قدراته واختيار المسار الذي يتناسب مع احتياجات سوق العمل.
    لكننا لا نريد جيلا يجيد استخدام التكنولوجيا فقط، بل نريد جيلا يعرف كيف يفكر ويسأل ويحلل ويبدع ويميز بين المعلومة الصحيحة والمضللة، فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم الإجابة خلال ثوان، لكنه لا يستطيع أن يحل مكان عقل الإنسان في تحديد السؤال الصحيح واتخاذ القرار وفهم الأبعاد الأخلاقية والإنسانية.
    ومن هنا يجب أن تتغير فلسفة التعليم، فلم يعد كافيا أن يحفظ الطالب المعلومات ثم يذهب إلى الامتحان ليكتبها وينساها، بل نريد طالبا يعرف كيف يتعلم، وكيف يبحث، وكيف يتحقق من المعلومات، وكيف يحول المعرفة إلى فكرة أو مشروع أو حل لمشكلة، والأهم تأهيل المعلم.
    كما نحتاج إلى ربط التعليم بسوق العمل بصورة حقيقية، من خلال الشراكة بين المدارس والجامعات والقطاع الخاص، والرصد المستمر للمهن والمهارات التي سيزداد الطلب عليها مستقبلا، بحيث لا يبقى التعليم في مسار والسوق في مسار آخر، فنحن بحاجة أيضا إلى إعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني، ليصبح خيارا جاذبا أمام الطلبة.
    خلاصة القول، لقد أدركنا أهمية التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وحان الوقت لندرك أن التحديث الحقيقي لا يمكن أن يكتمل من دون تحديث التعليم؛ فالمستقبل الذي نريده للأردن يبدأ من المدرسة، ومن طفل اليوم الذي سيكون إنسان الغد وصانع مستقبله.

  • الأردن بين الجغرافيا السياسية وضغوط الإقليم

    الأردن بين الجغرافيا السياسية وضغوط الإقليم

    بقلم : د. خالد الشقران
    لطالما بدت الجغرافيا الأردنية وكأنها قدر سياسي يفرض على المملكة التعامل مع محيط إقليمي شديد التعقيد، فهي تقع في قلب منطقة تتقاطع فيها الصراعات والحسابات الإقليمية والدولية، وتجاور ساحات شهدت خلال العقود الماضية حروباً وتحولات سياسية وأمنية عميقة، غير أن هذه الجغرافيا التي شكلت في مراحل مختلفة مصدر ضغط وتحد، تحولت تدريجياً إلى مصدر قوة استراتيجية، عندما نجح الأردن في تحويل موقعه الجغرافي من عامل يفرض عليه الاستجابة للأحداث إلى أداة تمكنه من التأثير في مساراتها.
    يقع الأردن عند نقطة اتصال بين بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية، وفي موقع يربط المشرق العربي بالأسواق الإقليمية والدولية، وهذه الخصوصية جعلته ممراً مهماً للتجارة والنقل والطاقة، لا سيما وأن الدول التي تقع على تقاطع طرق المصالح الكبرى يمكنها، إذا امتلكت القدرة على إدارة موقعها، أن تتحول إلى مراكز اتصال وشراكة ونفوذ.

    وقد فرضت التحولات التي شهدتها المنطقة على الأردن تطوير مقاربة أمنية وسياسية تقوم على حماية الحدود، ومنع انتقال تداعيات الأزمات المجاورة إلى الداخل، وفي الوقت ذاته الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى، ومع اندلاع الأزمة السورية ثم تصاعد التوترات في العراق والمنطقة، ازدادت قيمة موقع الأردن، خصوصاً في ظل الحاجة إلى دولة مستقرة قادرة على لعب دور أساسي في حماية طرق التجارة ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

    وفي هذا السياق، أصبح مفهوم “الأمن الوطني الأردني” مرتبطاً بصورة مباشرة بالأمن الإقليمي، فالحدود الشمالية والشرقية والجنوبية والغربية باتت مرتبطة بشكل مباشر بالتطورات في دول الجوار وبحركة التجارة وبالطاقة والأمن، ولذلك تعامل الأردن مع موقعه باعتباره منظومة متكاملة من المصالح، وحدوداً جغرافية ينبغي حمايتها، وفرصاً اقتصادية وسياسية يمكن استثمارها، ومن هنا برزت أهمية التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي مع دول المنطقة والقوى الدولية، بما يعزز قدرة المملكة على حماية مصالحها وتوسيع هامش حركتها.

    وتظهر القيمة الاستراتيجية للجغرافيا الأردنية أيضاً في موقع المملكة ضمن مشاريع الربط الإقليمي، فموقعها يؤهلها لأن تكون حلقة وصل بين أسواق الخليج والعراق وبلاد الشام، كما يمنحها فرصاً في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة، وكلما توسعت مشاريع الربط الاقتصادي، ارتفعت قيمة الاستقرار الأردني، وتحول الموقع الجغرافي إلى رصيد اقتصادي وسياسي يمكن البناء عليه.

    لكن قوة الجغرافيا لا تتحقق تلقائياً، إذ إن الموقع نفسه الذي يمنح الأردن فرصاً استراتيجية يجعله عرضة لضغوط متعددة، خصوصاً في ظل استمرار الصراع الفلسطيني والاعتداءات الإسرائيلية والتوترات المتصاعدة في المنطقة، وهنا تظهر حكمة القيادة السياسية ودورها في الحفاظ على استقلال القرار الوطني عبر إدارة دقيقة للتوازنات، وعدم السماح بتحويل الأردن إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين أو فرض مشاريع تتعارض مع مصالحه الوطنية.

    وتكتسب القضية الفلسطينية في هذا السياق أهمية خاصة بالنسبة للأردن، باعتبارها قضية عربية مركزية ومرتبطة بصورة مباشرة بالأمن الوطني الأردني، حيث أن أي محاولة لفرض حلول على حساب الفلسطينيين أو دفعهم نحو التهجير أو تغيير طبيعة الضفة الغربية والقدس ستنعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الإقليمي، وعلى المصالح الأردنية، ولذلك يشكل الموقف الأردني الرافض للتهجير والتوطين والوطن البديل جزءاً من استراتيجية حماية الدولة وموقعها ودورها.

    وفي المقابل، عزز الأردن خلال السنوات الماضية صورته كدولة مستقرة وقادرة على العمل مع مختلف الأطراف، وهو ما منح موقعه الجغرافي قيمة سياسية إضافية، فوسط إقليم تتغير فيه التحالفات بسرعة، تصبح الدولة المستقرة شريكاً مطلوباً، وتتحول قدرتها على بناء الجسور إلى عنصر قوة بحد ذاته، وهنا تتكامل الجغرافيا السياسية مع الدبلوماسية، بحيث يصبح الموقع منصة للحوار والتعاون وتنسيق المصالح.

    لقد تغيرت معادلة الجغرافيا الأردنية من كونها تحدياً يفرض على المملكة التحوط الدائم إلى فرصة يمكن توظيفها لتعزيز الدور الأردني، حيث استطاع الأردن تطوير طريقة استثمار موقعه خدمة لمصالحه العليا، خاصة وأنه كلما ارتفعت قدرته على حماية حدوده، وتنويع شراكاته، وتطوير اقتصاده، وربط موقعه بمشاريع النقل والطاقة والتجارة، ازدادت قيمة جغرافيته السياسية.

    في المحصلة، انتقل الأردن من موقع جغرافي شديد الحساسية إلى دولة أصبح حضورها جزءاً من معادلات الإقليم، عبر قدرتها المتقدمة على التواصل مع محيطها، ما فتح أمامها مساحات أوسع للحركة السياسية والاقتصادية، ورسخ مكانتها كشريك في ملفات الأمن والطاقة والنقل والتجارة، وقد ساعد هذا الموقع المملكة على بناء علاقات متوازنة مع القوى المختلفة، ورفع قدرتها على حماية مصالحها الوطنية والتعامل مع التحولات المتسارعة من موقع فاعل، وهكذا اكتسبت الجغرافيا الأردنية قيمة سياسية واستراتيجية متراكمة، جعلت من استقرار المملكة مصلحة إقليمية، ومن موقعها ورقة قوة عززت حضورها وقدرتها على التأثير في محيطها.

  • المطر بين السنن الكونية والتخطيط الاستراتيجي

    المطر بين السنن الكونية والتخطيط الاستراتيجي

    بقلم : محمد خالد الزعبي
    من نافذة بيتي هنا في أمريكاوالمطر يهطل بغزارة من حولي يفرض هذا المشهد نفسه ليشعل في الذاكرة صدى أسئلة لا تنتهي أسئلة يطرحها الملايين بوجع وحيرة: لماذا تتدفق السماء هنا بلا انقطاع وتكتسي الأرض خضرة ورواء بينما تبقى بلادنا تترقب الغيمة وتحسب حساباً لكل قطرة ماء؟
    هذا السؤال، حين يُطرح من منطلق عاطفي بحت يتحول إلى أداة إحباط وتساؤلات مشروعة حول عدالة التوزيع لكن حين نتجاوز السطح إلى العمق، نكتشف أننا أمام معضلة خلط خطيرة بين السنن الكونية الإلهية وبين المفاهيم الإيمانية والغيبيات .
    إن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الخطاب الشعبي هو محاكمة الأرصاد الجوية بمنظور المكافأة والعقاب فالله سبحانه وتعالى قرر في محكم تنزيله قاعدة أزلية واضحة بأن عطاء الدنيا من ماء وتهوية وخصب مفتوح للجميع مؤمن وكافر لأن الدنيا في ميزان الخالق لا تساوي جناح بعوضة وحين نربط غزارة المطر في الغرب برضا الله وشحه في بلادنا بغضبه، فإننا نلغي بوعي أو بغير وعي السنن الكونية التي أراد الله لهذا الكون أن يدور بها .
    المطر هنا ليس هبة مجانية بلا أسباب، بل هو نتاج منظومة هندسية وجغرافية محكمة تحظى بمحيطين من أصل خمسة محيطات عالمية كوضع طبيعي طوال العام رطوبة مستمرة تبخر دائم، وتيارات هوائية حاملة للبخار تصطدم باليابسة فتتحول فوراً إلى أمطار وإلى جانب حتمية الموقع لم تعتمد الدول المتقدمة على الجغرافيا وحدها بل أنفقت مليارات الدولارات على هندسة المياه وبناء السدود العملاقة وشبكات الحصاد المائي وإدارة السيول ومراكز الأبحاث والدراسات المناخية لتدير قطرة الماء بذكاء اقتصادي وهندسي مرعب .
    حين ترتفع أيدينا بالدعاء والصلاة في بلادنا وهو حق أصيل وعبادة عظيمة فإننا نتخلى أحياناً عن الشق الثاني من المعادلة الإلهية المتمثل بالأخذ بالأسباب فالدعاء وحده لا يصنع سحابة ولا ينشئ شبكة تصريف، والتوكل لا يعني تعطيل العقل والتخطيط الاستراتيجي المشكلة الحقيقية في مناطق كثيرة من عالمنا العربي ليست في كمية المطر التي تنزل فحسب بل في إدارتها وحصادها، حيث تهطل أمطار غزيرة في ساعات معدودة فتتحول إلى سيول مدمرة تذهب سدى لعدم وجود البنية التحتية القادرة على تخزينها واستثمارها .
    من نافذة غرفتي في أمريكا حيث تبتلع الأرض كل قطرة مطر وتوظفها في دورة حياة ذكية، أدركت أن المطر رزق إلهي لكن إدارته واستثماره وحفظه مسؤولية بشرية خالصة وبدل أن نستهلك طاقاتنا في السؤال المكرر عن سبب هطول المطر لديهم وغيابه عنا، يجب أن يتحول الخطاب إلى سؤال استراتيجي جارح عما فعلناه بكل قطرة ماء أنزلها الله على أراضينا وأين خططنا المستقبلية لإدارة الأمن المائي فالسماء تعطي لمن يفهم لغة الكون والأرض تنبت لمن يحسن عمارتها.