التصنيف: من هنا و هناك

  • مرحلة عصيبة تمر بها منطقة الشرق العربي

    مرحلة عصيبة تمر بها منطقة الشرق العربي

    كريستين حنا نصر

    مرحلة عصيبة تمر بها منطقة الشرق العربي، وبشكل خاص المنطقة المعروفة منذ القدم باسم بلاد الشام، ونبدأ من سوريا والسلطة الجديدة المؤقتة والميليشيات المنفصلة، والتي تنشق عن وزارة الدفاع السورية، الى جانب الصراع الطائفي الذي مرت به مدينة السويداء ، والذي نتج عنه قتل واعدامات للمكون الدرزي، الى جانب الصراع مع العشائر العربية في مدينة السويداء أيضاً، وبعد تهدئة الامور بدأنا نلاحظ نقل المكون العشائري الى ريف دمشق ، حيث يتم التمهيد لخلق ادارة ذاتية في المناطق الدرزية وانشاء إقليم الجنوب ، والذي يوازي مبدأ سوريا الديمقراطية، بمعنى أقاليم ادارة ذاتية بنظام لا مركزي ، وطبعاً هذا ليس معناه وجود أي تقسيم لسوريا ، ولكن ضمن مبدأ الاقاليم الادارية الذاتية المتصلة مع المركز ، أي نظام لا مركزي إداري للمحافظات حتى تتمكن من تسيير الأمور فيها ، ويتضح اليوم أيضاً أن التعقيدات تتزايد خاصة ما يتعلق منها بالصراعات العرقية والطائفية ، والتي يجب أن يُسيطر عليها في هذه المرحلة ، ولكن بشكل يحافظ على وحدة سوريا الجغرافية ووحدتها الاجتماعية والسياسية ، والتي هي حتى الآن لم تتشكل ويُسيطر عليها كاملاً خاصة من الناحية الأمنية. وبالطبع أريد أن أذهب في تحليلي ومتابعتي إلى لبنان المجاورة لسوريا ، حيث هناك أقاويل عن إنضمام بعض المناطق اللبنانية على سبيل المثال طرابلس لسوريا، وهنا ندخل مرحلة ما يُسمى ( الشرق الأوسط الجديد) وتغيير بعض الخرائط في المنطقة وهنا يبدو أن الوضع يدخل حالة صراع بين سوريا والحكومة الجديدة وحزب الله في لبنان ، حيث من الواضح التوتر خاصة أن سوريا الجديدة لا تريد أي نفوذ ايراني أو نفوذ لاتباع ووكلاء ايران أي حزب الله صاحب الاكثرية الشيعية ، الى جانب الصراع السني الشيعي القديم الجديد ، ولهذا السبب توجد بعض الاشاعات حول دخول الشرع الى لبنان ، وربما يعني ذلك بدء صراع جديد بينهم وبين حزب الله . و أريد هنا التوقف لسرد المشكلة الحالية في الشرق العربي ، والتي تنخر في سيادة دول المنطقة مثل لبنان ، واليمن والعراق ، إذ لا يمكن أن تمتلك الدولة أي سيادة في ظل تواجد الميليشيات أو جيش خارج إطار الدولة ، وأعتقد أنه لم ولن يتشكل أي شرق أوسط جديد مُشرق دون الحفاظ على هذه الدول وسيادتها ، وبالأخص قضية الجيش واستقلاليته ومسألة بسط الأمن على هذه الدول ، والتي عانت الكثير ومن بينها لبنان ، الذي كان حزب الله فيه هو من يقرر ويتخذ قرار الحرب أو السلم بدلاً عن الدولة اللبنانية ، الأمر الذي أدى الى إضعاف الدولة وقرارها السيادي في لبنان . وفيما يخص العراق فهناك وجود لنفوذ أذرع ايران فيه ، وعلى سبيل المثال قضية الطائرات المسيرة التي ضربت الرادار العراقي قبل مدة ، وكذلك التحركات لفصائل مستقلة والغير مضبوطة من الدولة كل ذلك دليل ، وهنا الوضع نفسه نراه في العراق وبصورة تشبه لبنان ، حيث لا سيادة للدولة دون التخلص من أي ميليشيات خارج إطار الجيش وقوات أمن الدولة ، والمنطقة تُعاني على مدار مدة طويلة من موضوع السيادة الكاملة للدولة مثل لبنان والعراق واليمن وسوريا وبشكل خاص خلال وقت نظام بشار الأسد البائد والتحالف مع ايران ونفوذها في سوريا وميليشياتها ، والذي هو الآن يتقلص مع وجود سلطة أحمد الشرع وحكومته المؤقتة للمرحلة الانتقالية، وهذه المرحلة التي تسعى الى لملمة فوضى الحرب التي دامت لاكثر من 14 سنة، ولكنها للأسف مستمرة حتى الآن ، والسعي اليوم نحو إنشاء دولة سورية جديدة تتحقق فيها المساواة لكامل مكوناتها المختلفة ومن عدة أعراق وقوميات ، الى جانب السعي كذلك تجاه إعطاء الجميع حقوقهم في وطن واحد موحد آمن، والذي للأسف مزقته الحرب لمدة طويلة . وبالطبع الصراع الاسرائيلي مع حركة حماس في غزة أيضاً ، هو الآخر موضوع يؤثر على سلامة منطقة الشرق العربي وآمنه واستقراره ، وللأسف سقوط الضحايا من طرفي الصراع يتزايد ، وبشكل خاص من الشعب في غزة ، والذي عانى وما زال يعاني الكثير من الجوع والحصار، وحتى الآن لم يتمكن الطرفين أي حركة حماس واسرائيل من التوصل إلى أي حل يضمن وقف اطلاق النار وخفض التصعيد ، والشعب في غزة يدفع ثمن هذا الصراع ، المسألة هُنا أن لا حل أو استقرار في الشرق الأوسط دون حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، والذي هو الأساس للسلام والاستقرار في الشرق العربي بالكامل، ومن هذا المنطلق تأتي جهود دولية مختلفة وبعدة أفكار مختلفة لحل القضية الفلسطينية، ومنها الجهد الاردني الدؤوب والمتضمن الدعوة لتبني دولي لحل الدولتين، وهذا الطرح واحد من الحلول المقترحة لحل هذه القضية ، وفي هذا السياق تستضيف الأمم المتحدة المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتطبيق حل الدولتين والمنعقدة أعماله في نيويورك، وبرئاسة كل من فرنسا والسعودية . والشرق الاوسط الجديد الآن دخل مرحلة التشكيل وبداية التغيير ، حيث أن أساسه هو أولاً العمل على بسط سيادة الدول والتخلص من الميليشيات الخارجة عن الدولة ، ثم كما نرى الآن تمر سوريا على ما يبدو في مرحلة تشكيل نظام أقاليم مثل اقليم الشمال السوري ، والان أيضاً يبدو أننا أمام تشكيل اقليم الجنوب السوري أي تشكيل نظام ادارة ذاتية ، بمعنى نظام لا مركزي يتبع المركز أي العاصمة الشام، وطبعاً هذا الرأي يأتي في اطار متابعتي الدقيقة للموضوع وما يتصل به من التطورات المتسارعة خاصة في سوريا ، وهنا وفيما يخص سوريا أود القاء الضوء على النموذج الناجح للادارة الذاتية في منطقة نفوذ مجلس سوريا الديمقراطية ، والتي نجحت في انشاء نظام ادارة محلية أي نظام لا مركزي في الشمال السوري ، والذي يضم معظم مكونات منطقة الجزيرة من أكراد وعشائر عربية وسريان وغيرهم من مكونات مختلفة في منطقة الجزيرة المتواجده في الشمال السوري. ان العراق أيضاً يمر الآن في مرحلة يمكن تسميتها بكسر العظم، ومحاولة الدولة بسط سيادتها والتخلص من أي ميليشيات خارج اطار الدولة ، فهل وفي هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها المنطقة تتمكن الدول التي ذكرتها من النجاح في بسط سيادة الدولة وجيشها بدون وجود أي ميليشيات أو مسلحين خارج نفوذ الدولة ، وعندما تنجح هذه المرحلة فإنه فقط يمكننا القول : أن الدول العربية قد بدأت عملياً تدخل مرحلة تشكيل الشرق الأوسط الجديد ، والذي سمته هي بسط سلطة الدولة وفرضها سيادتها وبناء الدولة ديمقراطياً ، والأهم هو دخولها حالة بسط للأمن ، وذلك بهدف التمهيد لبدء مرحلة بناء المجتمع والاقتصاد واحلال السلام ، والدخول في مرحلة اصلاحات سياسية واقتصادية ومجتمعية شاملة، والأهم الاهتمام والتركيز على التعليم المجتمعي، من أجل نبذ التطرف والكراهية والقضاء على أي ملامح أو مؤشرات تدل على وجود مبدأ الطائفية والعرقية ، لتتمكن كامل مكونات المجتمع وفي أي دولة في مشرقنا العربي من أن يحترم فيها الفرد الآخر المختلف عنه في الوطن الواحد ، ليبنوا معاً يداً بيد أوطانهم متحدين بولاء وطني ، وليس ولاء ديني طائفي لا حساب فيه لمصلحة الوطن والمواطن .

  • “مطعم ريم البوادي”… مطعم بنكهة الأصالة وتسويق ذكي قلب موازين الضيافة الأردنية

    “مطعم ريم البوادي”… مطعم بنكهة الأصالة وتسويق ذكي قلب موازين الضيافة الأردنية

    كتب: الصحفي ليث الفراية

    في قلب العاصمة عمّان، يقف مطعم ريم البوادي كواحد من العلامات البارزة في عالم الضيافة الأردنية، ليس بفروعه المنتشرة، بل بحضوره القوي من موقع واحد فقط، استطاع أن يفرض اسمه على خارطة المطاعم المميزة في المملكة. لم يكن مجرد مطعم يقدم الطعام، بل تجربة متكاملة تمزج بين المذاق الأصيل، والديكور المستوحى من عبق التاريخ، والخدمة التي تلامس روح الضيف قبل احتياجاته.

    منذ انطلاقه، أصرّ “ريم البوادي” على أن يبقى مختلفًا. لم يركض خلف التكرار، ولم يُغرق زبائنه بالعروض الاستهلاكية، بل بنى اسمه على أساس الجودة والاتقان والوفاء لهوية المطبخ الأردني والعربي. كل تفصيل في هذا المكان محسوب بدقة: من الطاولات المصممة بذوق شرقي، إلى الأطباق التي تُحضّر بشغف واحتراف، إلى الطاقم المدرب على أرقى أساليب الخدمة، مرورًا بالموسيقى، والرائحة، والابتسامة الحاضرة دائمًا.

    لكن التفرّد الحقيقي لـ “ريم البوادي” لم يكن في أطباقه فقط، بل في الفلسفة التي تبناها في التسويق والعلاقة مع الزبائن فقد أحدث المطعم ثورة حقيقية في كيفية تقديم نفسه للجمهور، ليس عبر الإعلانات النمطية، بل من خلال محتوى إبداعي يتفاعل مع الناس، ويدخل بيوتهم ولحظاتهم اليومية بأسلوب عفوي راقٍ استطاع المطعم أن يحوّل صفحاته على وسائل التواصل الاجتماعي إلى نافذة للذكريات، ولحظات الفرح، ورسائل التقدير، بعيدًا عن لغة الإعلان التقليدي.

    وهو المطعم الذي بدأ بسياسة الجوائز التفاعلية، لا لجذب الانتباه فقط، بل لبناء علاقة دافئة بينه وبين جمهوره فبات الزبائن لا يأتون فقط لتناول الطعام، بل للمشاركة في تجربة متكاملة تبدأ قبل الوصول وتنتهي بصور وتفاصيل وذكريات تدفعهم للعودة.

    وقد تُوّج هذا النهج الواعي بمجموعة من الجوائز والتكريمات التي نالها المطعم عن جدارة، بفضل ما قدّمه من مستوى عالٍ في فن الطهي، وخدمة الزبائن، والتميز التسويقي ورغم أن “ريم البوادي” ليس سلسلة ولا يمتد إلى مناطق أخرى، إلا أن تأثيره وانتشاره المعنوي فاق الكثير من المطاعم التي تملأ المدن.

    ومن يقف وراء هذا المشروع الناجح هو الكابتن معتصم العساف، رجل الأعمال وصاحب الرؤية المختلفة، الذي استطاع أن يحوّل مطعمه إلى مساحة تجريبية لأفكار جديدة في التسويق والإدارة. لم يكتفِ العساف بأن يكون صاحب المشروع، بل كان جزءًا حيًّا من نبضه اليومي عرف كيف يقترب من الناس، ويستمع لضيوفه، ويبتكر في كل زاوية من زوايا المكان وبفضل شغفه، وإيمانه أن النجاح لا يُقاس بعدد الفروع بل بقوة التأثير، أصبح اسمه مقترنًا بواحد من أبرز النماذج في قطاع الضيافة الأردنية.

    ولأن القيم لا تُفصل عن العمل، كان لـ “ريم البوادي” دور اجتماعي حاضر في العديد من المناسبات والمبادرات حيث أن دعم المطعم لعدد من الفعاليات المجتمعية والإنسانية لم يكن جزءًا من استراتيجية دعائية، بل نابع من إيمان حقيقي بأن الأعمال الناجحة هي تلك التي تخدم مجتمعها وتبقى قريبة من ناسها فكان “ريم البوادي” حاضرًا في رمضان، وفي الأعياد، وفي مناسبات الوطن، ناشرًا ثقافة العطاء لا فقط عبر الطعام، بل بروحٍ إنسانية تتغلغل في كل تفصيل.

    “ريم البوادي” اليوم هو أكثر من وجهة طعام، هو تجربة اجتماعية، وهوية ثقافية، ومثال على كيف يمكن لفكرة واحدة، تنفذ بإخلاص وشغف، أن تصنع فرقًا كبيرًا في سوق مزدحم. وفي زمن تتكرر فيه الأسماء وتتشابه القوائم، يبقى هذا المطعم منارةً في عالم الطهي الأردني، لأنه ببساطة لا يُشبه إلا نفسه.

  • شخصية اليوم: مأمون باشا خليل حؤبش

    شخصية اليوم: مأمون باشا خليل حؤبش

    بانوراما رجالات جرش
    انجاز-بحضور محافظ جرش الدكتور مالك خريسات ورئيس لجنة بلدية جرش الكبرى الباشا محمد بني ياسين وعدد من الشخصيات البارزه اقيم مساء اليوم حلقة تحدثت عن احد رجالات جرش المرحوم اللواء الركن مأمون باشا خليل حؤبش تحدث فيها رئيس مجلس عشائر الشركس ومساعد سابق لمدير الامن ومتقاعد سابق من القوات المسلحة
    الباشا خير الدين هاكوز
    الباشا حسن القيام
    الدكتور زياد العياصرة

    “بانوراما رجالات جرش” هي صورة من الماضي تلهم الحاضر وتصنع المستقبل، نستلهم من خلالها قصص الرجال الذين صنعوا الفرق وبنوا المجد، لنُحفّز الأجيال الجديدة على حب الوطن والانتماء إليه، وعلى الإيمان بأن كل حلم ممكن بالعمل والعطاء.

    شخصيتنا اليوم، مأمون باشا خليل حؤبش، من أبرز رجالات جرش، الذين تركوا بصماتهم في مسيرة الوطن، وكانوا نموذجًا في القيادة والانتماء والعطاء.

    هذا المشروع ليس مجرد توثيق، بل هو نموذج حيّ يُثبت أن رجال الوطن سيبقون دومًا بذورًا للإنجاز، وشعلة للأمل، ونبراسًا يُضيء درب الأجيال القادمة.

    “بانوراما رجالات جرش” هو مشروع ثقافي تنموي، ينبع من قلب المجتمع المحلي، ويجسّد شراكة حقيقية مع مهرجان جرش للثقافة والفنون، لنؤكد معًا أن جرش كانت وستبقى منجمًا للرجال العظماء وروحًا متجددة للأصالة والهوية.

  • الدكتور محمد مسلم أبو قاعود… حين يكون الوطن في حقيبة والسقف هو السماء

    الدكتور محمد مسلم أبو قاعود… حين يكون الوطن في حقيبة والسقف هو السماء

    كتب: الصحفي ليث الفراية

    في أقصى الجنوب الأردني، هناك حيث تمتد الأرض في خشوعٍ بين هضاب مادبا، وبين أنفاس التاريخ المتجسد في مكاور، ولد فتى لم يكن يشبه محيطه. لا لأنه رفضه، بل لأنه رأى فيه بداية، لا نهاية. لم يكن يعرف الدكتور محمد مسلم قطيش أبو قاعود أن الطريق التي بدأت من تراب القرية ستُفضي به إلى أبراج المال والأعمال في أميركا، لكنه كان يؤمن بشيء واحد: أن القلب الذي ينبض بالإيمان لا يحتاج إلى خارطة.

    في مكاور، لم يكن الطموح ترفًا. بل كان تمرينًا يوميًا على الصبر. هناك تعلّم أن القلوب الكبيرة تُصنع من المعاناة، وأن الرجال لا يُقاسون بطول قامَتهم، بل بمدى صدقهم مع أنفسهم. نشأ في كنف عشيرة بني حميد، وفي عمق ذلك المجتمع القبلي النبيل، حيث تُقاس الرجولة بالشجاعة والمروءة والانتماء، لا بالشهرة أو المال.

    دخل المدرسة كما يدخل الفلاح إلى الحقل… يعرف أن التعب هو البداية، لكن الثمار لا تخون. أنهى دراسته الثانوية، ثم انتقل إلى جامعة اليرموك، ليدرس اللغة الإنجليزية. لكن الحقيقة أن ما درسه هناك لم يكن لغةً فقط، بل هوية، وحلمًا، ومساحة للجدل، والتفكير، والاحتجاج الجميل.

    كان محمد طالبًا يزعج الراكد، ويوقظ الساكن. شغل عضوية اتحاد الطلبة، وترأس نادي الفكر والحوار، وخاض في شؤون الأمة كما لو كان يُعدّ نفسه لدور لم يكن قد كُتب بعد. منذ بداية التسعينيات، وعودة الحياة البرلمانية، كان صوته حاضرًا، وموقفه حاسمًا، وروحه طافحة بالأسئلة. لم يكن يومًا طالبًا عابرًا، بل حالة فكرية تنمو.

    لكنه، رغم كل هذا، لم يكن من أولئك الذين يستسلمون لمقعد التدريس، أو وظيفة ثابتة. كان رجلًا خلقته الفكرة، وغذّته التجربة، وفتّح وعيه الاغتراب. بعد تخرجه، خاض غمار التدريس، لكن قلبه كان يبحث عن الأفق… فسافر إلى ماليزيا، ثم بروناي، حيث درس الماجستير في الدراسات الدينية المقارنة. ثم جاءت اللحظة الحاسمة: الهجرة إلى الولايات المتحدة.

    حين وصل أميركا، لم تكن الحياة مفروشة بالأحلام. بل كانت معارك يومية، بين اللغة والهوية، بين الفقر والمستقبل، بين الشك واليقين. التحق بجامعة إنديانا، لكنه اضطر لترك دراسته بسبب الضائقة المالية. كثيرون توقفوا هناك… لكنه كان من القلائل الذين قرروا أن “الظروف” ليست قدرًا، بل اختبارًا.

    في سينسيناتي، حيث لا أحد يعرفك، ولا أحد ينتظرك، أعاد محمد تشكيل نفسه من الصفر. عمل ودرس، قاتل بصمت، وانتزع الماجستير في تعليم اللغة الإنجليزية من جامعة Xavier. لم تكن الشهادة هدفًا، بل بداية جديدة في فهم العالم الأمريكي… لغته، وأدواته، وأسراره.

    أسس أول مشاريعه الصغيرة، ثم انتقل إلى ولاية يوتا، وهناك بدأت تحولات كبرى. امتلك أكثر من 24 موقعًا تجاريًا متخصصًا في القهوة الأوروبية والمأكولات الفرنسية. وفي عام 2003، أنشأ شركته في مجال الاستشارات الضريبية وبيع الشركات، والتي تحولت لاحقًا إلى كيان اقتصادي واسع، يتعامل مع استثمارات بملايين الدولارات، ويقدم خدماته في عدة ولايات، في قطاعات حيوية ومعقدة.

    ما فعله محمد أبو قاعود لم يكن مجرد نجاح تجاري. لقد اخترق النظام الاقتصادي الأمريكي دون أن يتخلى عن اسمه، أو هويته، أو لهجته الأردنية التي ما زالت تخرج من فمه بلكنة الجنوب.

    أكمل مشواره الأكاديمي فنال شهادة MBA من جامعة فينيكس، ثم حصل على زمالة المحاسبين الأمريكيين عام 2009، وأخيرًا توّج مسيرته بدكتوراه في القيادة والإدارة من جامعة ريجنت بولاية فرجينيا بيتش. لم يكن يسعى وراء الشهادات، بل كان يؤمن أن الإنسان الحقيقي لا يتوقف عن التعلّم.

    ومع مرور السنوات، تحوّل محمد إلى رجل أعمال ذكي، مخطط، حاد الذهن، دقيق القرار. امتدت استثماراته إلى قطاعات النفط والكيماويات، وتأجير السيارات، والأبحاث الطبية، وإدارة العطاءات الحكومية، وحتى شراكات في مصانع السلاح في ولاية أيداهو. وفي جزر الـ Virgin Islands، كان اسمه ضمن الكبار.

    رغم كل هذا، لم يتغيّر جوهره. ظلّ وفياً لقريته، لعشيرته، لوطنه. ساعد مئات الشباب العرب على دخول السوق الأمريكية. دعم، درّب، فتح أبوابًا، وشارك كشاهد خبير في أكثر من 22 قضية محاسبية جنائية. هو رجل جمع بين الاقتصاد والقانون، بين الفهم والإدارة، بين السوق والضمير.

    اليوم، يعمل الدكتور محمد على مشروع ضخم في ولاية يوتا يشمل بناء أكثر من 175 وحدة سكنية ومساحات صناعية تتجاوز 500,000 قدم مربع. لكنه لا يبني طوبًا فقط، بل يبني مستقبلًا لأجيال عربية في المهجر، ويكتب سردية مختلفة عن العربي المغترب: ليس الضعيف، ولا المهمش، بل الفاعل والمستقل وصاحب القرار.

    في زمنٍ تتشابه فيه القصص، وتُعاد فيه حكايات الاغتراب على نمط واحد، تأتي قصة محمد مسلم أبو قاعود لتكسر القاعدة. إنه ليس مجرد رجل أعمال، بل نموذج إنساني نادر. ابن مكاور الذي سار في طريق الألف ميل دون أن يلتفت خلفه، إلا حين يمدّ يده لمن بعده.

    نجاحه لم يكن صاخبًا، لكنه كان حقيقيًا. عابرًا للقارات، متجاوزًا كل الحواجز. رجل قرر أن يكون الحلم أكبر من اللغة، وأعمق من الجغرافيا، وأصدق من الشعارات.

  • شناعه يكتب أنا تبع مهرجان جرش

    شناعه يكتب أنا تبع مهرجان جرش

    كتب طلعت شناعة.

    — أول مرة التقيت فيها الشاعر الكبير محمود درويش في فندق الأردن أو الانتر كونتنناتل كانت بحضور

    الشاعر سميح القاسم الذي قدمني للشاعر درويش قائلا :

    هذا صديقي الاديب والصحفي طلعت ” حلاوة” قصدي ” شناعة”.

    فكان رد درويش : انت تبع مهرجان جرش؟

    قلت : نعم.

    وبذلك منحنى ” مديحا ” على الاقل.. قرأ ولو مرة ما اكتبه عن مهرجان جرش..

    ولا اظن أنني ” مضطر” لاظهار محبتي الدائمة لمهرجان جرش الذي اقترب من عامه ال 40 فقد ”

    عاصرته ” و” عصرتني” فعالياته منذ البدايات. واتفقت واختلفت مع القائمين عليه وتعرضت لمتاعب

    كثيرة ” 3″ محاولات اعتداء وتهديدات ونجوت منها بفضل الله الكريم. ومع ذلك لم اكتب كلمة

    واحدة في حياتي ” ضد المهرجان” رغم ” استبعادي.. وأحيانا ابتعادي بمزاجي” عن مهرجان

    المهرجانات و أكبرها في المنطقة والوطن العربي.

    ومع انطلاق الدورة 39 غدا، وكما اعتدنا منذ ايام” الرومان ” تظهر كائنات ولأسباب مختلفة تحاول ”

    اختراع ” اساءات والتعرض لفعالياته، تارة باسم ” الأخلاق” وغالبا لأسباب ” انتهازية ” ومصلحية

    وانانية.

    و مع ذلك..

    يمضي المهرجان ضمن الخطة المرسومة ويفرح الالاف ويبدأ الاستعداد للدورة التالية.

    بالطبع لا ادعي ان كل الفعاليات تمام التمام وكما احلم، فهذا نرجسية لا ارضاها لنفسي لكننا بشَر

    ومن الطبيعي ان يعجبني هذا ولا تعجبني تلك الفعالية..

    عادي..

    ولكنني ” بحياتي / الجرشية” لم اتدخل في عمل الإدارة واختياراتها واهتمامي بعملي وضمن

    المطلوب مني رغم علاقاتي بأغلب مدراء المهرجان.

    وكل عام ومهرجان جرش.. بخير

  • الأستاذ ناصر الديك… عقلية استثنائية تصنع الفارق وتؤمن أن الإنجاز أبلغ من الضجيج

    الأستاذ ناصر الديك… عقلية استثنائية تصنع الفارق وتؤمن أن الإنجاز أبلغ من الضجيج

    كتب: الصحفي ليث الفراية

    في كل قطاع اقتصادي هناك أسماء تصنع الفارق، لا بالكلام ولا بالشعارات، بل بالفعل والرؤية والعمل المؤسسي المتزن. ومن بين هذه الأسماء التي باتت تشكل عنواناً للثقة والتميّز في قطاع التأمين الأردني يبرز ناصر الديك، نائب رئيس مجلس إدارة شركة المنارة الإسلامية للتأمين، واحداً من القادة الذين لا يقفون عند حدود التقليد، بل يمضون نحو مسارات الريادة بخطى واثقة وعزيمة لا تلين. ليس من السهل أن تتبوأ موقع القرار في مؤسسة مالية تعمل في بيئة اقتصادية معقدة ومنافسة شرسة، وأن تكون أحد الفاعلين في صياغة تحولات استراتيجية كبرى؛ لكن ناصر الديك فعلها. فلم يكن مجرد اسم ضمن مجلس الإدارة، بل كان فكراً نابضاً بالحيوية وذراعاً تنفيذياً يملك من الحكمة والتجربة ما يمكّنه من الموازنة بين التحديات والمتغيرات، وبين الثوابت والقيم التي بُنيت عليها المنارة الإسلامية للتأمين. الرجل لم يأتِ إلى موقعه محض مصادفة أو تزكية عابرة، بل حمل معه رصيداً من الثقة بُني على سنوات طويلة من العطاء في القطاع التأميني، وبصمات واضحة في ملفات معقدة وإصلاحات جريئة خاضها في محطات سابقة. واليوم، يُعيد صياغة الحضور المؤسسي لشركة المنارة، من خلال منهج قيمي يستند إلى النزاهة والحوكمة الفاعلة، ورؤية اقتصادية عميقة توازن بين الربحية والاستدامة، وبين العمل التكافلي وأدوات العصر الحديث. في ظل تراجع الكثير من شركات التأمين أمام ضغوط التشريعات أو هشاشة النماذج التشغيلية، جاءت مساهمة ناصر الديك في شركة المنارة لتؤكد أن النجاح ليس حكراً على الماضي، بل قابل للتحقيق حينما تتوفر الإرادة ويُستثمر في الإنسان والفكر والتخطيط. فكان جزءاً من الحراك الإيجابي الذي يشهده مجلس الإدارة، بدءاً من إعادة هيكلة استراتيجية للشركة، مروراً بخطط زيادة رأس المال وتعزيز الكفاءة التشغيلية، وليس انتهاءً بملف التحوّل الرقمي الذي طال انتظاره في السوق المحلي. ولأن العمل المؤسسي لا يُقاس بالشعارات، بل بالنتائج، فقد بدأ أثر فكر الديك ينعكس تدريجياً على أداء الشركة، سواء في مستوى الثقة التي عادت لتتعمق لدى حملة الأسهم والعملاء، أو في تزايد فرص التوسع والمنافسة التي باتت أكثر نضجاً بعد إعادة التموضع الاستراتيجي. لقد ساهم بفاعلية في بناء جسور الثقة مع الشركاء، ورفع مستوى الالتزام بمبادئ الشفافية والحوكمة، ووضع نصب عينيه هدفاً واضحاً: أن تعود المنارة الإسلامية إلى واجهة التأمين التكافلي، لا على الصعيد المحلي فقط، بل الإقليمي أيضاً. وما يُحسب لهذا الرجل أنه لم يكن يوماً باحثاً عن أضواء أو مناصب، بل مؤمناً أن الإنجاز الحقيقي يُكتب في صمت، وتُشيد أركانه بالعمل الجاد والتفاني. ولهذا تجده حاضراً في عمق القرار، بعيداً عن الضجيج، يقرأ الأرقام كما يقرأ تفاصيل الناس، يؤمن بأن المال وسيلة للبناء وليس غاية للتفاخر، وأن المؤسسة التي لا تستثمر في الإنسان، هي مشروع مؤقت مهما بلغ من النجاح. ناصر الديك لا يصنع نموذجاً في الإدارة فقط، بل يقدّم درساً في الوفاء للمهنة والالتزام بالقيم، في وقت تتسارع فيه المتغيرات وتزداد الحاجة إلى من يحسن القيادة لا من يطلبها. هو رجل ميدان قبل أن يكون رجل مجلس، وصوت هادئ لكنه نافذ في عقل المؤسسة ووجدان العاملين بها، وهو قبل كل ذلك وبعده، أردني أصيل يفهم معنى البناء المشترك والانتماء للقطاع لا للمنصب. وفي ظل ما يمر به قطاع التأمين من تحديات كبيرة سواء في التحول نحو المعايير الدولية، أو مواكبة الرقمنة، أو الحفاظ على الثقة في سوق مزدحم يبدو أن وجود ناصر الديك في الصفوف الأولى من صانعي القرار هو ميزة تنافسية بحد ذاتها، وخيار استراتيجي تدرك قيمته كلما تعمّقت الأزمة واشتدّت الحاجة إلى رجال بحجمه وفكره. هو ليس فقط نائب رئيس مجلس إدارة شركة المنارة الإسلامية للتأمين، بل أحد أعمدتها الحديثة التي تستند عليها في مشروعها المستقبلي. وإن كان النجاح يحتاج إلى بيئة، فإن الأستاذ ناصر الديك هو أحد صانعي تلك البيئة، لأنه ببساطة مؤمنٌ أن التغيير يبدأ من الداخل.

  • الهناندة يكتب : حين أمطرت السماء خبزًا من عمّان… فرحت غزة وهتفت: حييتَ يا أردن

    الهناندة يكتب : حين أمطرت السماء خبزًا من عمّان… فرحت غزة وهتفت: حييتَ يا أردن

    حين أمطرت السماء خبزًا من عمّان… فرحت غزة وهتفت: حييتَ يا أردن
    بقلم الأستاذ الدكتور فراس الهناندة – رئيس جامعة عجلون الوطنية

    في صباحٍ، لا يشبه الصباحات التي اعتادتها غزة، لم تستيقظ المدينة على صراخ الطائرات، ولا على أنين الإسمنت المنهار فوق صدور الأطفال، بل على هديرٍ مختلف… شاحنات أردنية تمضي بهدوء الجبال، بثبات الرجولة، وبصمت الأوفياء. كأنها قادمة من قلب عبد الله، من ضمير وطنٍ لم يعرف يومًا أن يشيح بوجهه عن أنين جاره. لم تكن تنقل فقط طحينًا، بل تحمل وفاءً وتُحمّل على ظهورها كرامةً تتّسع لأمّة.

    ستٌّ وثلاثون شاحنة، ليست مركباتٍ ثقيلة فحسب، بل مواكب نخوة تعبر النار لتُحيي الجائع، وتتجاوز الجراح لتقول: “ما زال في الأمة ضمير”. تدخل غزة لا بقرار سياسي، بل بقلب إنساني لا يعرف الحياد إذا ما جاعت الكرامة. وما إن وصلت، حتى خفّت وطأة الوجع في المخيمات… لم تكن تحمل خبزًا فحسب، بل تحمل لمسة يدٍ تمسح على رأس يتيم، وصوت جارٍ يقول: “أنا هنا”.

    رغيفٌ يُلَمّ به شتات مائدةٍ فَقَدت أبناءها، وكيس دقيقٍ يدخل بيتًا فقد جدرانه، لا ليُشبع فقط، بل ليُعيد شعور الأمان. في كل زاوية، كان الأردني حاضرًا – وإن لم يُرَ – حاضرًا بقلبه وموقفه، لا بمنٍّ ولا عدسة، بل كما يفعل الجار الأصيل حين يسمع أن بيت جاره تهدّم في الليل، فينهض في الفجر دون أن يُنادى.

    سيدةٌ تحتضن كيس الطحين وكأنها تحتضن ابنها الشهيد، ورجلٌ توقف في منتصف الطريق، تسمرت خطواته، وسالت دموعه بصمتٍ ثقيل، وطفلٌ يركض خلف الشاحنات لا ليأخذ شيئًا، بل ليبقى في حضرة الأمل. الناس لم ينظروا إلى ما أُعطي، بل إلى كيف أُعطي. لم يندهشوا من المساعدة، بل من الكرامة التي جاءت معها.

    أيّها الأردنيون،
    هذه ليست شاحنات طحين، بل صفحات من مجد تُكتب من جديد. هذا هو الأردن، حين يجوع الجار فيغضب، وحين تناديه غزة، يردّ دون سؤال. اليوم لم يكن إرسالًا لمساعدات، بل كان تجسيدًا للعقيدة الأردنية: أن لا كرامة في الشبع إذا جاع الجار، وأن لا نصر دون غزة، وأن لا عروبة إن خذلناها تحت الحصار.

    جلالة الملك عبد الله الثاني،
    لم تُرسل شاحنات… بل أرسلت دفعةً من الأخلاق الهاشمية الأصيلة، أرسلت النور في زمن الظلمة، والدفء في زمن القسوة، والإنسانية في زمن الجفاف. جعلت الطائرات تهبط بالخبز لا بالنار، وعلّمت العالم أن السيادة ليست بندقية، بل يدٌ ممدودة بالحب والعزم.

    غزة اليوم لا تنسى…
    ترفرف رايات الأردن فوق نوافذها، وتُسمّي أبناءها باسم من لم يخذلها، وتقول للعالم: “في الزمن الصعب… لم يساندنا إلا من تَربّى على نخوة الهاشميين”.

    أما نحن في جامعة عجلون الوطنية،
    فنفتخر أن نكون أبناء هذا الوطن الذي لا يغيب عن واجب، ولا يتأخر عن موقف. نُعلّم أبناءنا أن الشهادة ليست فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في مواقف الرجال، وفي خبزٍ يُرسل في عزّ النار ليعيد إنسانية البشر.

    هذا هو الأردن…
    إذا استغاثت به غزة، لبّى.
    وإذا بكت القدس، انتصر لها.
    وإذا نادت الكرامة، أجابها: “أنا لها”.

    فاكتبوا هذا اليوم في كتب العز، وسجّلوه في دفاتر الكرامة:
    حين أمطرت السماء خبزًا من عمّان… فرحت غزة، وهتفت الأرض: حييتَ يا عبد الله.

  • الزميل العبادي يكتب : للموت مشهدٌ آخر!

    الزميل العبادي يكتب : للموت مشهدٌ آخر!

    كتب النص : أ.د. صلاح العبّادي

    في قطاع غزّة يتساقطون؛ بعضهم قصفًا، وآخرون جوعًا، ليبدو الخيار الأول للغزيين أفضل بمراحل من الموت البطيء.

    جوعٌ مزمنٌ، مستفحل في القطاع.

    أجسادٌ فقدت قدرتها على الصمود، فتتهاوى في الشوارع، وتكثر حالات الإغماء، فيما حالات الموت جوعًا آخذة بالتزايد.

    وآخر من مات جوعًا، طفلةٌ في عمر الأربع سنوات، ليرتفع إجمالي الأطفال المتوفين بسبب الجوع إلى سبعين طفلًا، منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة في السابع من تشرين الأول 2023.

    رَزان أبو زاهر، طفلةٌ فلسطينية، في الرابعة من عمرها، ضحية الجوع الحاد وسوء التغذية.

    في وقتٍ يوجد فيه سبعة عشر ألف طفل يعانون من سوء التغذية في مستشفيات تفتقر إلى الأسرّة الطبيّة والأدوية الكافية لهذا العدد الهائل.

    أكثر من مئةٍ وأربعين يومًا من الإغلاق الكامل للمعابر في غزّة؛ حصارٌ يدفع الفلسطينيون في القطاع ثمنه، الذي يمرّ بأسوأ مراحل المجاعة حسب برنامج الأغذية العالمي.

    في مشهدٍ يعكس حجم المأساة، يواصل أهالي قطاع غزّة خطرَ الموتِ جوعًا، في ظلّ إصرار إسرائيل على منع دخول المساعدات الإنسانية منذ شهر آذار الماضي.

    البيانات الرسميّة القادمة من القطاع كارثية:

    استُشهد أكثر من تسعمئة شخصٍ أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء والبحث عن لقمة العيش في ظروفٍ بالغةِ القسوة.

    واحدٌ من كلّ ثلاثة أشخاص لا يحصل على طعامٍ لعدّة أيام، والأطفال على رأس هذه المعاناة.

    دقّت الأمم المتحدة ناقوس الخطر، حين كشفت أن نحو أربعمئةٍ وسبعين ألف شخصٍ على حافة الجوع الكارثي، بزيادة مقدارها نحو مئتين وخمسين بالمئة عن التقديرات السابقة، وفق وكالة الأونروا.

    كمياتٌ كبيرة من المواد الغذائيّة الجاهزة للتوزيع لا تزال في مخازنها في مدينة العريش المصرية، دون السماح لها بالدخول إلى المحتاجين في غزّة، في ظلّ اتهاماتٍ لطرفي الحرب بالانخراط في مفاوضاتٍ لا نهائية، يدفع ثمنها الغزيون وحدهم.

    سكان القطاع، الذين يناهز عددهم المليونين، دخل معظمهم في خانة الجوع الكارثي، وهي المرحلة الخامسة – والأعلى – في مؤشر الجوع العالمي، في ظلّ شللٍ تامّ في عملية إيصال المساعدات الإنسانيّة والطبيّة.

    وكالة الأونروا بدورها حذّرت من تضاعف سوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة، متّهمةً السلطات الإسرائيلية بتجويع مليون طفل في غزّة.

    مصائدُ الموت تتعدّد في غزّة؛ من القصف، إلى الجوع، إلى أماكن توزيع المساعدات حتى؛ حيث استُشهد نحو سبعين فلسطينيًا أثناء انتظارهم المساعدات، قرب مراكز توزيع في خان يونس وشمال رفح.

    تجاوز عدد الشهداء من منتظري المساعدات أكثر من ثمانمئة شهيد، منذ أواخر شهر أيار الماضي؛ خلال شهرين فقط، أي منذ تفعيل دور مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل.

    أنّاتُ الجوع تصدح من جهة، وصفوفُ المفاوضين من حماس وإسرائيل تعلو من جهة أخرى. لكن، وللمرة الأولى، تتسم المحادثات بشيء من الإيجابية، وتتناول إمكانية إنهاء الحرب.

    التقديرات تشير إلى إمكانية التوصّل لصفقة تبادل ووقف إطلاق نار خلال أيام.

    المفاوضات عالقة حاليًا برد الطرفين على خرائط معدّلة قدّمها الوسطاء، لترسيم مناطق تمركز الجيش خلال هدنة الستين يومًا المفترضة، ومن ضمنها الانسحاب من محور موراغ الفاصل بين خان يونس ورفح.

    تؤكّد حماس تعاملها بإيجابية مع الخرائط، مضيفةً أنها تنتظر رد الحكومة الإسرائيلية عليها قبل إعطاء موافقتها، مع احتمالية مطالبتها بتعديلات على بعض مواقع الانتشار.

    الرد الإسرائيلي متوقَّع خلال اليومين المقبلين، وفي حال حُسم ملف الخرائط، سيتم الانتقال إلى عقدة أخرى متعلّقة بملف تبادل الأسرى، على أمل أن تسود الإيجابية المفترضة على طاولة المفاوضات.

    في هذه الأثناء، تتواصل المجاعة التي تفترس الغزيين. الناس في القطاع يموتون ببطءٍ مرعب، وهم يتحسّسون لحم أجسادهم الذي يختفي أمام أعينهم، وعظامهم التي تبرز من شدّة الجوع.

    أسواق قطاع غزّة فارغةٌ تمامًا من البضائع، يملؤها بطونٌ خاوية، ووجوهٌ نسيت ملامح الشبع، ما زالت تبحث عن ملاذٍ أخير للبقاء في مراكز المساعدات الأميركية.

    لكنّ المساعدات لا تُوزَّع في هذه المراكز من أجل الحياة؛ بل تنصبُ فيها الكمائن، وتُزهق الأرواح في طوابير الجوع.

    فالمساعدات، التي يُفترض أن تُنقذ، تُوزَّع تحت نيران القصف، وباتت فخًا يُحكم إغلاقه على من أنهكهم الحصار وأجاعهم الجيش الإسرائيلي.

    إنها ليست نجدة، بل مشهدٌ آخر من مشاهد الموت المستمر في غزّة، فمئات الفلسطينيين فقدوا أرواحهم على أعتابها.

    أمام الجوع، بكت الأمهات، وعجز الآباء أمام أبنائهم، وحتى المؤسسات الدولية وقفت عاجزة، فيما كان الجيش الإسرائيلي عائقًا أمام أداء واجباتها الإغاثية.

    فأصبح القطاع غارقًا في أعمق أزمة إنسانية في التاريخ الحديث.

    صار الغزيون يحلمون برغيف خبز، بعد أن تفشّت المجاعة، ولم تعد أيامهم تُحسب بالتقويم؛ بل بعدد الوجبات التي يتناولونها.

    وصل الجوع في غزّة إلى مرحلةٍ مخيفة، وفارق فيها العشرات الحياة، وبعد أيام قليلة قد يموت الناس جماعات من شدة الجوع، بعد إعلان وصول القطاع إلى مرحلة المجاعة الكارثية.

    من بين مليوني فلسطيني في القطاع، هناك مليون طفل معرّض للموت بسبب الجوع، حسب ما تقول الأنروا، منهم أكثر من مئة طفل يدخلون المستشفيات يوميًا بسبب سوء التغذية.

    أربعة وسبعون ألف طفل فحصتهم الأنروا، بينهم نحو خمسة آلاف وخمسمئة حالة تعاني من سوء التغذية الحاد الشامل، وأكثر من ثمانمئة يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم.

    وتواجه أكثر من ستين ألف امرأة حامل خطرًا حقيقيًا بسبب غياب الغذاء.

    هزالٌ ونحافةٌ شديدةٌ.. هكذا تحوّلت أجساد الغزيين، التي صمدت أكثر من عشرين شهرًا في وجه آلة الحرب الإسرائيلية. لكنها لم تقوَ على الجوع، فبدأت تنهار شيئًا فشيئًا.

    العدّ التنازلي بدأ للموت، والجوع لم يعد يستثني أحدًا.

    الجميع جائع؛ الأطباء يعملون بلا طعام، والمسعفون ينقلون المرضى وهم يعانون من نفس المعاناة، والمرضى أنفسهم لا يملكون ما يقوي أجسادهم.

    الصحفيّون ينقلون الحقيقة، وهم في قتالٍ يومي من أجل البقاء.

    الأطفالُ الذين لا ذنب لهم في أي نزاع، ينامون جوعى، ويموت بعضهم قبل أن تصل إليهم أي مساعدة.

    بحسب تقارير رسميّة، أكثر من تسعة وستين طفلًا فارقوا الحياة بسبب الجوع وسوء التغذية، في مشهدٍ يعجز اللسان عن وصفه. كما تُوفي مئتان وستون شخصًا بسبب النقص الحاد في الغذاء والدواء، في ظلّ حصارٍ خانق يمنع وصول الاحتياجات الأساسية.

    تُعلن وزارة الصحة الفلسطينية يوميًا عن أعدادٍ لا حصر لها من المواطنين، يصلون إلى أقسام الطوارئ منهكين ومرهقين، وأجسادهم ضعيفة إلى حدّ الخطر، وبعضهم يموت من الجوع.

    على مدار اثنين وعشرين شهرًا، كانت المجاعة في غزّة. في هذا الركن المحاصر من العالم، ما يحدث ليس أزمة عابرة، بل كارثة إنسانية تتّسع كل يوم.

    فأجسادٌ تنهار، وأطفالٌ يفارقون الحياة قبل أن تتاح لهم فرصة العيش.

    ويبقى السؤال:

    كم من الوقت سنكتفي بالصمت، وأهالي غزّة يصارعون الموت البطيء؟

  • المسؤول الأنسان …

    المسؤول الأنسان …

    الإعلامي زهير عبد القادر يكتب 
    عرفته وزيرا وعرفته متقاعدا وعرفته رئيسا لجامعة عريقة …لم تغيره المناصب والمراكز وبقي هو هو …الأنسان المتواضع الكريم بثقافته العالية ومعرفته الواسعة وبانتمائه الصادق وولاءه واخلاصه للقيادة الهاشمية الحكيمة …اتكلم اليوم عن شخصية أردنية سياسية أكاديمية قريبة من الناس أحبت الناس فأحبوها شخصية احب الإعلام ووقف الى جانب الإعلاميين المهنيين الشباب منهم والمخضرمين عرفته منذ سنوات طويلة واعترف انني تابعت هذا الرجل على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن اتعرف عليه شخصيا فوجدت في كتاباته المتعة والمعرفة والفائدة واعجبني قربه من متابعينه واهتمامه بهم واحترامه لهم …وتميزت كتاباته بلغة عربية سليمة وقدم لمتابعيه مواضيع منوعة ذات مضمون مهم مفيد …وشاءت الاقدار وعدت الى وطني الحبيب الأردن والتقي هذا الأنسان الطيب والاستاذالكبير
    والسياسي المخضرم سعدت جدا بمعرفته وتشرفت بصداقته ومنذ ذلك الحين وانا اعتز وافتخر بهذا الاردني الكبير وهذا المعلم وهذا السياسي
    ..والآن اسمحوا لي اصدقائي ان احيي معكم معالي الاستاذ الدكتور محمد طالب عبيدات(ابو البهاء) وانقل له تحياتي ومحبتي وتقديري واحترامي …
    زهير عبدالقادر
    الخبير والمدرب الدولي في
    الإعلام/ برلين

  • السويداء .. والاخوة الاعداء !!

    السويداء .. والاخوة الاعداء !!

    د. ذيب القراله

    كشفت تطورات الاوضاع في محافظة السويداء السورية ، عددا من ( الزوايا الحرجة ) و ( الارتباطات الضبابية ) و ( التحالفات الساكنة) و ( الفاعلين الجدد ) الامر الذي يستدعي التوقف عندها بالدراسة والتحليل ، بهدف الخروج ( باستنتاجات صحيحة ) و( قراءات عميقة)، تصلح بان تُصنف ( كدروس مُستفادة).

    ومن المنطقي ان تُدرس تلك الظواهر من منطلق سياسي – امني – اجتماعي – اقتصادي ، بعيدا عن الانحياز المسبق لطرف على حساب آخر ، وبمعزل عن رواية كل طرف من الاطراف ، الذي تحركه بالضرورة مصالحه ، وتوجهاته التاريخية والحالية والمستقبلية.

    ولأن سوريا تتشكل من ( فسيفساء ) من المكونات والاعراق والطوائف ( الكردية والدرزية والعلوية والمسيحية ) مع اغلبية من المسلمين السُنة ، يصبح من الطبيعي ان نجد اختلافا في المصالح والتوجهات والتحالفات التي تخدم كل طرف من الاطراف.

    في هذا السياق ، يجب ان نطرح عددا من التساؤلات ، التي قد تقودنا الى تجاوز ( النقاط العمياء ) والوصول الى بعض الاجابات ، التي تمكننا من محاولة ( استشراف ) المستقبل في سوريا الجديدة، وفي الدول الاخرى ذات الظروف المشابهة من حيث عدم الاستقرار مثل ( ليبيا، السودان، اليمن ، لبنان ).

    اولا : هل ما جرى في السويداء هو صراع طائفي ( سُني – درزي ) ام صراع سياسي بين ( مكوّن ولا اقول اقلية ) وبين الدولة المركزية؟ ام طموحات ( مليشيا) لا همً لها الا تحقيق مصالحها وتعزيز نفوذها ، حتى لو كان من خلال الاستقواء باسرائيل؟.

    ثانيا: في حال تطورت الاوضاع في السويداء ، واستؤنفت المواجهات ، هل ستنتفض باقي المكونات ( الكردية والعلوية ) وتؤازر الدروز من باب ( ان مصلحة الجميع ) تقتضي ذلك؟.

    ثالثا : ما هي الاهداف البعيدة للتدخل الخارجي الاسرائيلي ، تحت عنوان حماية الدروز ، وهل من الممكن ان يصل الى حد ( تدويل ) الازمة ؟.

    رابعا: هل سيتكرر هذا التدخل الاسرائيلي( الذي يسعى الى تكريس واقع سوريا مقسمة وليس موحدة ) لو تدهورت العلاقة بين دمشق والاكراد ممثلين بقوات سوريا الديمقراطية ( قسد ) في شمال شرق سوريا ، وانتهت بمواجهة مسلحة بين الجانبين؟.

    خامسا: ما هو التفسير المنطقي لموقف ( العشائر ) في احداث السويداء ، هل جاء دفاعا عن مصالحها ( المناطقية ) في المحافظة او ( روابطها الاجتماعية ) في انحاء الجغرافيا السورية ، ام انتصاراً لموقف الدولة في دمشق؟.

    سادسا : هل يصبح ( مقاتلو العشائر ) فاعلا رئيسيا في الساحة السورية ، بعد هذه المرحلة؟ وما هو موقف اسرائيل منهم ؟ ام سيتحولون الى ( مليشيا ) جهوية او مناطقية تبحث عن مصالحها في النفوذ ؟ ام ان هذا الموقف هو فعل ( مؤقت ) وسينتهي بانتهاء ازمة السويداء؟.

    سابعا : هل يؤسس موقف العشائر هذا الى تحالف وثيق مع السلطة في دمشق ، رغم اختلاف المنطلقات الفكرية ، وخاصة البُعد ( الديني – ذي الخلفية الجهادية)؟

    ثامنا : هل سيكون موقف العشائر السورية ، مُلهما لمواقف مماثلة عند العشائر في الدول الاخرى ، ذات الظروف المشابهة ، وهل سيكون ( تأثير ) العشائر و ( تأثرها ) عابرا للحدود ؟.

    تاسعا : كانت العشيرة ( مؤسسة اجتماعية ) فاعلة في مرحلة ( ما قبل الدولة ) فهل ستعيد تلك الدول تموضعها لتكون العشائر ( فاعلا سياسيا ) وضامنا لاستقرار الاوطان ، بدلا من ان تكون ( أداة ) تستخدم عند الحاجة؟.

    عاشرا : هل ستلجأ بعض الاطراف الاقليمية والدولية الى التعامل مع المكونات العشائرية ( المنظمة ) باعتبارها طرفا يمكن( التعويل ) عليه، ( في حال غياب الدولة الوطنية ) وتجربة حركة طالبان ( المصنفة ارهابية ) مع الولايات المتحدة الامريكية خير شاهد على تلك ( البراغماتية ) الدولية؟.

    هذه التساؤلات تقودنا الى السؤال الكبير ( ابو الاسئلة ) لماذا وصلنا الى هذا الحال ، ما هي الاسباب ، وما شكل الحلول؟ والجواب هو ان السبب الرئيسي لكل ما تعاني منه بعض اقطارنا العربية ومن ضمنها سوريا هو حالة ( الفراغ الاستراتيجي ) التي تكونت بعد ثورات الربيع العربي وجلبت معها ( الارهاب والمليشيات والمعاناة)، والتي كان من دوافعها ، نمط الحكم الاستبدادي الفاسد، والفقر والتفاوت الطبقى ، والتدخلات الخارجيه – الاقليمية والدولية، ذات الاهداف السياسية.

    ولذلك فان هذه البلدان لن تخرج من هذه الازمات ، الا من خلال اعادة بناء الدولة الوطنية ( دولة المؤسسات ، لا الافراد ) ،واصلاح النظم السياسية ، وتحقيق العدالة الانتقالية المتمثلة ( بمحاسبة المجرمين، وتعويض الضحايا، وتشكيل لجان مصالحة ) وتحقيق العدالة الاقتصادية من خلال ( توزيع عادل للثروات ، وانهاء منظومة الفساد )، واصلاح الدور العربي و الاقليمي والدولي عبر ( وقف دعم الجماعات المتصارعة، والقيام بوساطة غير منحازة ، وايجاد اجماع عربي جديد لحماية الدولة الوطنية).

    والخلاصة التي يمكن الوصول اليها ، هي ان الازمات في هذه الدول جاءت بسبب الانظمة السياسية المأزومة ، والنُخب المأجورة ، والتدخلات الخارجية غير البريئة ، وحلها لن يكون الا بوجود قرار وطني مستقل ، وإرادة شعبية واعية ، ودعم عربي حقيقي بعيد عن الانتهازية، وعدالة اجتماعية ، وطمأنة جميع ( المكوًنات ) في الدولة واحترام خصوصيتها بِنصوص دستورية، وعدم الارتهان للخارج .

    theeb100@yahoo.com