بقلم الدكتور فوزان العبادي
للمرة الثالثة نعود إلى ملف المؤسسة الأردنية لتطوير المشاريع الاقتصادية «جيدكو»، ليس تقليلًا من أهمية ما تقوم به المؤسسة، ولا اعتراضا على دعم الشباب والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بل لأن المال العام المخصص لهذه البرامج لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاتفاقيات وحفلات توقيعها، وإنما بما تحققه من نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس والتحقق. الإعلان الأخير عن دعم مشاريع بقيمة تقارب ثلاثة ملايين دينار خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكن قيمتها الحقيقية لا تتحدد يوم التوقيع بل بما سيحدث بعده. والسؤال الذي طرحناه سابقًا ما زال قائما: ماذا أنتجت هذه المنح؟ وكم مشروعا استطاع أن يستمر وينمو بفضلها؟
الخطة الاستراتيجية لجيدكو 2025–2027 تتحدث عن تعزيز تنافسية المشاريع وزيادةمساهمتها في الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة، فيما تشير البيانات المنشورة سابقًا إلى أن قيمة منح برامج المؤسسة خلال الأعوام 2022–2024 بلغت نحو 23 مليون دينار. وهذه أرقام كبيرة بما يكفي لتفرض انتقالا واضحا من إعلان حجم التمويل إلى نشر أثره الفعلي. وتظهر تقارير وبرامج المؤسسة المنشورة أن منح «جيدكو» لم تقتصر على تمويل التأسيس، بل شملت دعم التوسع والتشغيل والتسويق والتصدير، مع استفادة مئات المنشآت والمشاريع من هذه البرامج. غير أن عدد المستفيدين وقيمة المنح لا يقدمان، وحدهما، دليلا على النجاح. فالمعيار الأهم هو ما إذا كانت هذه المشاريع قد استمرت، وتوسعت، وخلقت وظائف مستقرة، ورفعت مبيعاتها وصادراتها، وقدرت على العمل بعد انتهاء الدعم. لذلك ينبغي نشر نتائج التتبع اللاحق للمنح، بما في ذلك نسبة المشاريع التي استمرت بعد سنة وسنتين وثلاث سنوات، وعدد المشاريع التي توسعت، والوظائف التي استحدثتها وحافظت عليها، والتغير في مبيعاتها وصادراتها. كما يجب توضيح ما إذا كانت هذه النتائج تقاس وفق بيانات ضريبية وتأمينية وسجلات رسمية، أم وفق إفادات المستفيدين فقط. فقياس الأثر لا يكتمل بالانطباعات، ولا بالأرقام المعلنة عند بداية البرنامج، بل بمقارنة خط الأساس بالنتائج الفعلية بعد مرور وقت كاف. وهنا تصبح المساءلة واجبة: كم مشروعًا من المشاريع التي دُعمت سابقًا ما زال يعمل اليوم؟ كم مشروعا توسع؟ كم فرصة عمل حقيقية ومستدامة وفر؟ كم مشروعا زاد مبيعاته أو صادراته؟ وكم مشروعا تعثر أو توقف بعد انتهاء الدعم؟ والأهم: ما الذي يفسر النجاح أو الإخفاق، وهل كان للمنحة أثر مباشر، أم أن النتائج تحققت بفعل عوامل أخرى؟ معالي وزير الصناعة والتجارة المحترم، المطلوب اليوم ليس مزيدا من الأرقام عند توقيع الاتفاقيات، بل كشف حساب معلن بعد سنة وسنتين من التمويل. فكل منحة من المال العام يجب أن ترتبط بمؤشرات أداء وموعد واضح للتقييم، لا أن تنتهي مسؤوليتها بانتهاء حفل التوقيع أو صرف المبلغ. نريد أن نرى لكل برنامج مؤشرات واضحة: الأموال التي صرفت، المشاريع التي استمرت، الوظائف التي استحدثت وحافظت عليها، حجم النمو في المبيعات، التغير في الصادرات، ونسبة المشاريع التي أخفقت وأسباب إخفاقها. كما نريد نشر جداول سنوية قابلة للتحقق، تتضمن خط الأساس قبل المنحة والنتائج بعد الحصول عليها، مع بيان القطاعات والمحافظات وحجم المنشآت، حتى يمكن التمييز بين الوظائف المؤقتة والوظائف المستدامة، وبين النمو الناتج عن المنحة والنمو الذي تحقق لأسباب أخرى.
ولا يكفي أن تعلن المؤسسة عدد الاتفاقيات أو قيمة التمويل؛ بل عليها أن توضح تكلفة كل وظيفة مستدامة، ونسبة بقاء المشاريع، والعائد الاقتصادي لكل برنامج، والفروق بين النتائج المستهدفة والمتحققة. كما ينبغي نشر حالات الإخفاق بقدر نشر قصص النجاح، لأن معرفة أسباب التعثر تساعد على تحسين تصميم المنح وتوجيهها إلى المشاريع والقطاعات الأكثر قدرة على الاستمرار.
فالنجاح الحقيقي لـ«جيدكو» لا يُقاس بعدد الملفات التي تمت الموافقة عليها، ولا بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بعدد المشاريع التي استطاعت الوقوف على قدميها بعد توقف الدعم، وبحجم القيمة الاقتصادية التي أضافتها، وبقدرتها على خلق فرص عمل مستدامة وتحقيق نمو يمكن نسبته بوضوح إلى التدخل العام.
ثلاثة ملايين دينار و100 مشروع أو أكثر قد يكون خبرا جيدا اليوم لكن الخبر الأهم بالنسبة للأردني بعد عام هو: كم مشروعًا بقي؟ وكم وظيفة استدامت؟ وماذا أنتجت هذه الملايين؟
هذا هو السؤال الذي ما زلنا ننتظر إجابته، لأن قيمة المنحة لا تُثبت عند توقيعها، بل تثبت بما تتركه من أثر بعد انتهائها.
وللحديث بقية ان شاء الله…..

اترك تعليقاً