بقلم : جوان الكردي
ليست كل الجرائم أحداثاً عابرة في سجل الأيام، فبعضها يترك جرحاً عميقا في وجدان الوطن، ويضع الدولة والمجتمع أمام أسئلة تتجاوز حدود الحادثة ذاتها.
ما شهدته بلدة حمود في محافظة الكرك من اعتداء مسلح خلال مراسم تشييع جنازة، ليس مجرد فعل إجرامي مرفوض، بل اعتداء على حرمة الإنسان، وقدسية دور العبادة، وأمن المجتمع، والقيم التي نشأ عليها الأردن عبر تاريخه.
إن استهداف أناس في لحظات الحزن والوداع، وهم يشيّعون فقيدا يمثل سقوطا أخلاقيا وإنسانيا لا يمكن تبريره تحت أي شعار أو فكر أو ذريعة..
فحرمة الدماء ليست موضع اجتهاد، واختلاف المعتقد لا يمنح أحداً حق الاعتداء، ولا يمكن لأي فكر متطرف أن يجد لنفسه مكاناً في وطن يؤمن أبناؤه بأن الكرامة الإنسانية حق للجميع، وأن القانون هو المرجعية التي تحكم العلاقات بين المواطنين.
سياسيا، تفرض هذه الجريمة قراءة جادة تتجاوز بيانات الاستنكار، فأمن الوطن ليس مجرد إجراءات ميدانية، بل منظومة متكاملة تقوم على حماية المواطنين، ورصد التهديدات، ومواجهة التطرف، وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
من هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي كشف الحقيقة عبر التحقيقات الرسمية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون، ومراجعة ما يلزم من إجراءات وقائية، من دون استباق نتائج التحقيق أو إطلاق أحكام على أشخاص أو جهات لم تثبت مسؤوليتهم.
كما أن مواجهة التطرف لا تتحقق بالحلول الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تحتاج عملا متواصلا في التعليم والإعلام والخطاب الديني، وإلى ترسيخ ثقافة تقبل الآخر، وتجفيف منابع الكراهية والتحريض، والتصدي لكل خطاب يحاول تحويل الاختلاف عداوة. فالفكر الذي يبرر الاعتداء على الإنسان بسبب معتقده لا يهدد فئة بعينها، بل يهدد المجتمع بأكمله، ويضرب أسس الدولة المدنية وسيادة القانون.
والأخطر من الجريمة نفسها أن تتحول تداعياتها إلى باب للفتنة أو التعميم أو الانتقام. فالأردنيون ليسوا جماعات متقابلة، بل أبناء وطن واحد، تجمعهم الأرض والتاريخ والمصير المشترك. وأي محاولة لبث الكراهية بينهم إنما تخدم أهداف التطرف، وتمنح المعتدين فرصة لتحقيق ما هو أبعد من جريمتهم.
وهنا تبرز مسؤولية الإعلام أيضاً؛ فالكلمة في أوقات الأزمات قد تكون سداً يحمي المجتمع، وقد تصبح أداة تزيد الألم وتغذي الشائعات. ومن واجب الإعلام المهني أن يتحرى الدقة، ويحترم مقتضيات التحقيقات، وألا ينشر معلومات غير موثقة أو صوراً تؤذي ذوي الضحايا وتربك الرأي العام.
إن الكرك، بما تمثله من تاريخ وطني وشموخ وكرامة وترابط أبنائها، أكبر من أن تهزها جريمة مرفوضة، والأردن أقوى من أن تربكه محاولات بث الخوف والانقسام. لكن قوة الدولة لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بقدرتها على حماية الإنسان، وإحقاق العدالة، ومواجهة أسباب التطرف، وصون حق المواطنين جميعاً في الأمن والعبادة والحياة.
إن رفض هذه الجريمة موقف ديني وأخلاقي ووطني وسياسي لا يحتمل الالتباس؛ فلا دين يبرر سفك الدماء، ولا سياسة تبرر الإرهاب، ولا خلاف يعلو على حرمة دم الإنسان. والمطلوب اليوم أن تأخذ العدالة مجراها، وأن يبقى الأردنيون صفاً واحداً في مواجهة كل ما يستهدف أمنهم ووحدتهم.
فالأوطان لا يحميها الخوف، ولا تصونها الكراهية، بل يحميها العدل، ويصونها الوعي، وتحصّنها وحدة أبنائها تحت راية الدولة والقانون وتراحم أبنائها وتعاضدهم.

اترك تعليقاً