التصنيف: صندوق أقلام

  • الشريدة يكتب: الإعلام الأردني.. من تشتّت التشريعات إلى شراكة الإصلاح وتكامل المسؤوليات

    الشريدة يكتب: الإعلام الأردني.. من تشتّت التشريعات إلى شراكة الإصلاح وتكامل المسؤوليات

    الصحافة مهنة.. والإعلام استثمار، والتكامل ضرورة

    كتب : الصحفي ماهر الشريدة رئيس لجنة حماية المهنة في نقابة الصحفيين

    نتفق على ان الممارسة الصحفية مهنة لها أصولها وشروطها، والإعلام كنشاط مؤسسي واستثماري له متطلباته، والإصلاح يبدأ بالفصل بين المسارات وتكامل الأدوار وتوحيد الرؤية.
    من هذه الرؤية فان الاتفاق بين نقابة الصحفيين الأردنيين وهيئة الإعلام على اطار تعاون وشراكة استراتيجية خطوة مهمة نحو ترسيخ نهج مؤسسي يقوم على التكامل وتوحيد الجهود، ويفتح الباب أمام مراجعة شاملة لمنظومة العمل الإعلامي، بما يواكب التحولات الرقمية، ويحمي المهنة، ويعزز حرية الإعلام ومسؤوليته.
    والمهم الان أن لا تتوقف عند حدود التنسيق بين مؤسستين، أو تبادل التمثيل في اللجان والاجتماعات، بل يجب أن تكون مدخلًا لمشروع إصلاحي أوسع يعالج تشتّت التشريعات وتداخل المرجعيات وتعدد المسؤوليات، ويضع المصلحة العامة وتطوير الإعلام الأردني فوق أي اعتبارات شخصية أو فئوية أو مؤسسية ضيقة.
    الإعلام الاردني لا يحتاج إلى مزيد من الإجراءات المشتتةة بقدر حاجته إلى وضوح الاختصاصات، ولا إلى تعدد التشريعات المتداخلة بقدر حاجته إلى منظومة قانونية متكاملة، تنظم العلاقة بين المهنة والمؤسسة والاستثمار، وتحدد مسؤوليات الجهات المعنية دون ازدواجية أو تضارب.
    التحولات المتسارعة في المشهد الإعلامي فرضت ضرورة العمل السريع نحو قانون موحد للإعلام، أو منظومة تشريعية متكاملة ومنسجمة، تراجع القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة، وتعالج ما بينها من تداخل أو تعارض أو تكرار، وتحدد بوضوح الأدوار والمسؤوليات والمرجعيات المختصة؛ وذلك لا يعني إلغاء القوانين المتخصصة أو دمجها بصورة شكلية، بل بناء إطار تشريعي واضح يحقق الانسجام بينها، ويمنع تضارب الصلاحيات، ويوفر بيئة مستقرة للمؤسسات الإعلامية والصحفيين والمستثمرين، ويحمي حرية الإعلام واستقلاليته ضمن أحكام القانون.
    إن تعدد المؤسسات المعنية بالإعلام ليس مشكلة إذا كانت اختصاصاتها واضحة ومتكاملة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتداخل المسؤوليات، وتتعدد المرجعيات في الملف الواحد، ويجد الصحفي أو المستثمر نفسه أمام متطلبات متباينة وتفسيرات مختلفة للتشريعات ذات العلاقة، لذا فالحلول المطروحة ليست بالضرورة في توحيد المؤسسات إداريًا، وإنما توحيد الرؤية التشريعية والتنظيمية، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل اختصاص، وبناء آليات واضحة للتنسيق والمساءلة والمتابعة.
    ولعل من أهم القضايا التي ينبغي أن تتصدر أي مراجعة تشريعية للقطاع الإعلامي، ضرورة الفصل الواضح بين الصحافة بوصفها مهنة لها أصولها وشروط ممارستها ومرجعيتها النقابية، والإعلام بوصفه نشاطًا مؤسسيًا واستثماريًا يخضع لمتطلبات التأسيس والتشغيل وفق التشريعات الاستثمارية والسيادية النافذة.
    فالخلط بين المسارين يربك توزيع الصلاحيات، ويضعف وضوح المسؤوليات، وقد يؤدي إلى إخضاع الممارسة المهنية لاشتراطات استثمارية لا تتناسب مع طبيعتها، أو التعامل مع تأسيس مؤسسة إعلامية باعتباره كافيًا لاكتساب صفة الصحفي وممارسة المهنة دون استيفاء شروطها القانونية.
    من الامور الواضحة تشريعيا ان امتلاك مؤسسة إعلامية أو تأسيس مشروع رقمي لا يمنح صاحبه صفة الصحفي أو الحق في ممارسة المهنة دون استيفاء شروطها، و أن الانتساب إلى نقابة الصحفيين لا يعفي المؤسسة التي يديرها الصحفي أو يملكها من متطلبات التنظيم في حين لا يجوز أن تتحول شروط الترخيص والاستثمار إلى عوائق غير مبررة أمام الصحفيين الراغبين في تأسيس مؤسساتهم ومشروعاتهم الإعلامية، أو أن يُدفع النشاط الصحفي المتخصص إلى مسارات تجارية وإدارية لا تراعي طبيعته ومتطلباته المهنية والتنظيمية النقابية.
    منذ بدء الحراك الاصلاحي يطالب الوسط بمعادلة عادلة وواضحة: (المهنة لها شروطها، والاستثمار له متطلباته، والمؤسسة الإعلامية لها التزاماتها، والعلاقة بين هذه المسارات يجب أن تُنظَّم بتشريعات واضحة لا باجتهادات متباينة أو تداخل في الصلاحيات).
    لما سبق يجب تحديد الفئات التي يشملها التنظيم المهني، والأنشطة التي تتطلب ترخيصًا مؤسسيًا، والضوابط التي تحكم ممارسة الصحافة، والعلاقة بين المسؤولية التحريرية والإدارة الاستثمارية، مع احترام حرية تأسيس المشروعات الإعلامية وحقوق الصحفيين، وعدم التوسع في فرض شروط لا تستند إلى أساس قانوني واضح وهنا يبدأ التكامل في المسؤوليات بين نقابة الصحفيين في شؤون المهنة وأعضائها وحماية حقوقهم المهنية، و مسؤوليات هيئة الإعلام والجهات الرسمية الأخرى في تنظيم المؤسسات والأنشطة الإعلامية كتجارة واستثمار ضمن اختصاص كل منها.
    الأهمية في التكامل تزداد مع التوسع المتسارع في أنشطة الإعلام الرقمي، وتعدد أشكالها ونماذجها، من المؤسسات الإخبارية والمنصات المتخصصة إلى إنتاج المحتوى والخدمات الرقمية والأنشطة الإعلامية الجديدة ما أوجب مراجعة الأطر التشريعية والتنظيمية بما يواكب التغير والتطور، ويحمي الريادة و الابتكار، ويعزز المسؤولية المهنية، دون إخضاع الأنشطة المختلفة لمعايير واحدة لا تراعي طبيعتها أو التزاماتها القانونية بالتمييز الفعلي بين المهنيين والتجار والمستثمرين.
    وفيي هذا الصدد يجب تحديد الجهة المختصة بالترخيص والتنظيم والرقابة والإشراف والمتابعة، والتمييز بين رقابة الالتزام بالتشريعات الناظمة للنشاط الإعلامي، وتنظيم ممارسة مهنة الصحافة، والمسؤولية عن المحتوى وفق القانون، وان تكون هذه الاختصاصات محددة بوضوح، بما يمنع ازدواجية الإجراءات وتضارب القرارات، ويضمن المساءلة القانونية واحترام الحريات، كما لا ينبغي أن تكون مراجعة الإعلام الرقمي مدخلًا لتقييد المبادرات أو إقصاء الصحفيين عن هذا المجال، بل فرصة لبناء بيئة أكثر وضوحًا ومرونة، تتيح للمشروعات المهنية والاستثمارية النمو ضمن قواعد عادلة ومعلنة، وتمنع في الوقت نفسه استغلال الغموض التشريعي أو التداخل المؤسسي للتهرب من الالتزامات القانونية.
    إن الاتفاق بين نقابة الصحفيين وهيئة الإعلام الذي أعلن الاربعاء يكتسب قيمته الحقيقية من قدرته على الانتقال بالتعاون من مستوى التنسيق في الملفات اليومية إلى شراكة مؤسسية تنتج حلولًا عملية وتشريعات أكثر انسجامًا بما في ذلك تفعيل اللجان المشتركة، وتوسيع مشاركة المختصين والخبراء وأصحاب العلاقة المباشرة، ووضع أولويات واضحة وجداول زمنية لمراجعة التشريعات، ومعالجة التداخل في الصلاحيات، وتطوير تنظيم الإعلام الرقمي، وتحديد العلاقة بين الممارسة المهنية والاستثمار الإعلامي.
    كما يتطلب إشراك المؤسسات والجهات المعنية الأخرى، بما فيها الجهات التشريعية والتنظيمية ذات العلاقة، وعدم حصر الإصلاح في مؤسستين مهما كانت أهمية دورهما ، لان بناء منظومة إعلامية متكاملة مسؤولية مشتركة، تحتاج إلى حوار مهني وقانوني واسع، وإلى قرارات تستند إلى المصلحة العامة والخبرة العملية، تقوم على مبدأ احترام استقلالية المؤسسات، والاعتراف المتبادل باختصاصاتها، وتبادل المعلومات والخبرات، والاحتكام إلى القانون، بعيدًا عن احتكار المبادرات أو المناكفات المؤسسية أو تقديم المصالح الضيقة على متطلبات الإصلاح.

    إن إصلاح الإعلام الأردني لا يحتمل أن تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، أو أن تتحول الاختلافات في الصلاحيات إلى منافسة على النفوذ بدل أن تكون أساسا لتكامل المسؤوليات، و لا يمكن تحقيق الإصلاح إذا تقدمت المصالح الشخصية والفئوية والمؤسسية على مصلحة القطاع ومستقبله.
    المطلوب الان ليس منح امتيازات خارج القانون، ولا إخضاع الصحافة لمنطق الاستثمار وحده، ولا تحميل المؤسسات الاستثمارية أدوارًا مهنية لا تدخل ضمن اختصاصها، وإنما بناء منظومة عادلة تحدد حقوق كل طرف والتزاماته، وتحمي المهنة دون توسع غير مبرر في احتكارها، وتصون الاستثمار المشروع دون اعتباره بديلًا عن التأهيل المهني وشروط ممارسة الصحافة.
    والإعلام الأردني لا يحتاج إلى سباق بين المؤسسات لإثبات الحضور، بل إلى نهج مشترك نحو الإصلاح. و يحتاج إلى وضوح المسؤولية ووحدة الهدف وليس الى تعدد المرجعيات المتنازعة.

  • الصباغ يكتب بمناسبة اليوم العالمي للصحه النفسيه

    الصباغ يكتب بمناسبة اليوم العالمي للصحه النفسيه

    *بقلم: أحمد الصباغ*
    *مرشد نفسي وتربوي | مدرب وناشط شبابي*

    في ظلّ التسارع التكنولوجي والتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة، أصبحت الصحة النفسية إحدى القضايا التي تستحق اهتمامًا أكبر على مستوى الفرد والمجتمع، لا سيّما لدى فئة الشباب.

    إنّ الصحة النفسية ليست مجرّد غياب الاضطرابات النفسية، بل هي جزء أساسي من جودة حياة الإنسان، وقدرته على التعامل مع الضغوط، وبناء العلاقات الصحية، واتخاذ القرارات، ومواصلة التعلّم والعمل وتحقيق أهدافه.

    ومع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتزايد المقارنات غير الواعية بين حياتنا الواقعية والصور المثالية التي نراها يوميًا، إلى جانب التحديات الجامعية وضغوط ما بعد التخرج والظروف المعيشية، بات من الضروري تعزيز الوعي بالصحة النفسية، وتوفير بيئات داعمة تتيح للشباب التعبير عن مشاعرهم وطلب المساعدة دون خوف من الوصمة أو الأحكام المسبقة.

    كما أؤمن بأنّ التطوع والمشاركة المجتمعية والتعلّم المستمر وبناء العلاقات الإيجابية، يمكن أن تسهم في تعزيز الشعور بالانتماء والقيمة والفاعلية، وأن تكون جزءًا من مسارات الدعم النفسي والاجتماعي، دون أن تكون بديلًا عن المساعدة المتخصصة عند الحاجة.

    ومن هنا، فإنّ نشر الوعي بالصحة النفسية مسؤولية مشتركة، تبدأ بالاستماع والفهم، وتقوم على احترام الإنسان ومشاعره، وتنتهي ببناء مجتمع أكثر وعيًا وتقبّلًا ودعمًا.

    *الصحة النفسية ليست رفاهية، والحديث عنها ليس ضعفًا، وطلب المساعدة ليس عيبًا؛ بل هو خطوة واعية نحو حياة أكثر توازنًا وجودة.*

  • المحامي الخطاطبة يكتب: العزاءُ ومُدَّتُه هو موضوعٌ فقهيّ دعهُ لأهلهِ

    المحامي الخطاطبة يكتب: العزاءُ ومُدَّتُه هو موضوعٌ فقهيّ دعهُ لأهلهِ

    انجاز – المحامي الشرعي الشيخ حمزة الخطاطبة يكتب 

    بسمِ اللهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ محمد بن عبدالله وعلى آلهِ وصحبهِ ومن والاه وبعد :

    إن الناظرَ بعينِ البصيرة الفقهيّة والوعي المجتمعيّ يدركُ تماماً أن ميزان الأحكام لا يُبنى على ردود الأفعال العاطفية أو الدعوات الارتجالية، بل يستند إلى قواعد الشريعة الغراء ومقاصدها العامة في التراحم والمواساة، ومن هنا فإن ما يتردد اليوم من دعوات لاختصار مدة العزاء إلى يوم واحد أو ساعات الدفن فقط بدعوى التيسير ورفع المشقة، يقتضي وقفة علمية متأنية تزن الأمور بميزان الفقه الصحيح وترد الفروع إلى أصولها.

    فإذا أتينا إلى مدةِ العزاء وتحديدها بثلاثة أيام، فليس الأمر عُرفاً اجتماعياً مجرداً من الدليل أو مسلكاً لا أصل له في السنّة كما يظن البعض، بل هو حكم فقهي مستقر استنبطهُ جمهور فقهاء الأمة من الحنفية والشافعية والحنابلة، استناداً إلى الهدي النبوي الثابت في الصحيحين؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً». وقد قرر شُرّاح الحديث وأئمة الفقه أن جعل مدة الحداد لغير الزوج ثلاثة أيام دليلٌ صريح على اعتبار هذه المدة ظرفاً زمنياً معقولاً تسكن فيه لوعة الفراق، وتهدأ فيه فورة الحزن، وتنجبر به القلوب الكسيرة، ولذلك صرح الفقهاء بأن التعزية مشروعة في الأيام الثلاثة وتُكره بعدها لعدم تجديد الأحزان، فالثلاثة أيام إنما شُرعت لتفريغ الحزن ومواساة المصابين، وإتاحة الفرصة للقريب والغريب والمسافر لأداء واجب الأخوة وتأدية حق المسلم على أخيه، فلا يسوغ لأحد أن يتجاوز هذا الاستنباط الفقهي الراسخ بدعوى انعدام السند السُّنّيّ.

    وأما عن المرجعية الشرعية والفتيا، فإن الأصل أن يُرد هذا الأمر إلى أهله وسدنته، ودائرة الإفتاء العام في المملكة هي الجهة الرسمية المُخوّلة شرعاً وقانوناً بحسم هذه المسائل وقطع النزاع فيها، حيث بيّنت الفتاوى الصادرة عنها مشروعية التعزية لثلاثة أيام بما يحقق مقصد الشريعة في التعاضد وشد الأزر، دون إفراط أو تفريط.

    وبناءً على ما سبقَ ذكره فإن المبادرات التي تدعو لاقتطاع مدة العزاء دون الرجوع للمرجعيات المعتمدة تُعد اجتهاداً في غير محلهِ، إذ المشقة الحاصلة اليوم في بيوت العزاء لم تنشأ أصلاً من امتداد الأيام الثلاثة، وإنما نشأت من البدع الدخيلة والعادات المستحدثة التي أثقلت كاهل الناس وأرهقت أهل المصاب.

    فالواجب أن تتوجه الهمم والمبادرات إلى استئصال المنكرات لا إلى تقليص الشعيرة المشروعة، فالمخالفة البيّنة تقع حين يُلزم أهل الميت بصنع الطعام للمعزّين وذبح الذبائح والتكلُّف بالضيافة، في الوقت الذي صدع فيه التوجيه النبوي الشريف حين استُشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قائلاً: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم»، فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإنكار هذه التكاليف الباهظة والولائم المحدثة، وتجريد العزاء من التباهي والخيام الفارهة، والرجوع إلى السنة بصنع الطعام لأهل الميت والدعاء لفقيدهم والانصراف دون إحراج، وحينها ستزول المشقة تماماً ويبقى أصل المواساة محفوظاً كما أراده الشارع.

    وأما بخصوص التناقض العجيب في معايير المجتمع، فمن المؤسف حقاً أن نرى حرصاً متزايداً على تقليص ثلاثة أيام تُذكر فيها الدار الآخرة، وتُرفع فيها الدعوات للمتوفى، بحجة ضيق الوقت ومشقة الإنفاق، بينما يُسكت تماماً عن الأفراح المبالغ فيها التي أرهقت كاهل المواطن حقيقةً، سواء كان مُهنِّياً يُثقله عبء “النقوط” والمجاملات، أو مُهنَّى يُغرق نفسه بالديون، إن الأولى بالنقدِ الحازم أن يكونَ لتلك السهرات الطويلة التي تمتد لأيام وليالٍ، ويصاحبها الغناء الصاخب، وإطلاق العيارات النارية المرعب، وشرب الخمور والمسكرات في بعض المواطن، فضلاً عن ولائم الأعراس المفرطة التي يُلقى نصفها في حاويات القمامة، واللهُ يُحذِّرنا قائلاً : {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، وهذا لا يعنى أننا ننسفُ بذلكَ سنة الوليمة عند الزواج وإنما ننادي بها دون إسرافٍ أو تبذير.

    إن المحافظة على سنة التعزية لثلاثة أيام خالية من المخالفات الشرعيّة والتكلُّف هي التعبير الأمثل عن التوازن بين التوجيه الديني والحاجة الإنسانية، إذ لا يُعقل أن نختصر من شرائع الدين وسننه لمعالجة أخطاء اجتماعية، بل الأولى والأحق أن نقف بحزم في وجه مظاهر البذخ والانحلال في مواسم الأفراح، وأن نبقي بيوت العزاء منابر مواساة وتذكير وتراحم وفق ما سنّهُ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ملتزمين بفتاوى علمائنا ومؤسساتنا الفقهية المعتمدة.
    والحمد لله رب العالمين.

  • فريحات تكتب: حين تصبح الطمأنينة جزءًا من رسالة المدرسة

    فريحات تكتب: حين تصبح الطمأنينة جزءًا من رسالة المدرسة

    انجاز-بقلم مديرة التربية والتعليم للواء الأغوار الشمالية
    الدكتورة بسمة عزبي فريحات

    في عالم تتسارع فيه التحديات وتتزايد فيه الضغوط، تبرز الصحة النفسية بوصفها ركيزة أساسية في بناء الإنسان، وضرورة تربوية لا تقل أهمية عن التحصيل العلمي؛ فالتعليم الحقيقي لا يقتصر على تنمية العقول، بل يمتد إلى بناء النفوس وتعزيز الثقة والاتزان.
    ويأتي اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يصادف العاشر من تشرين الأول من كل عام، ليجدد تساؤلًا يستحق التأمل: هل يكفي أن نعرف ما يتعلمه أبناؤنا، دون أن ندرك كيف يشعرون وهم يتعلمون؟
    إن المدرسة ليست مكانًا لتلقي المعرفة فحسب، بل بيئة إنسانية تتشكل فيها الشخصية، وتنمو فيها القيم، ويترسخ فيها الشعور بالأمان والانتماء. فقد تكون كلمة تشجيع نقطة تحول في حياة طالب، وقد يخفي الصمت أو التراجع الدراسي معاناة تحتاج إلى الإصغاء والاحتواء، لا إلى الأحكام المسبقة.
    ومن هنا، تتجلى مسؤوليتنا في بناء بيئة مدرسية تصون كرامة الطالب، وتحترم مشاعره، وتعزز ثقته بنفسه، مع إدراك أن المعلم يحتاج هو الآخر إلى الدعم والتقدير ليواصل رسالته بعطاء، وأن الأسرة شريك أصيل في تحقيق التوازن النفسي لأبنائنا.
    وفي مديرية التربية والتعليم للواء الأغوار الشمالية، نؤمن بأن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من جودة التعليم، وأن الإرشاد التربوي، والحوار، والاحترام المتبادل، ومواجهة التنمر، ليست ممارسات مرتبطة بمناسبة عابرة، بل ثقافة ينبغي أن تتجذر في حياتنا المدرسية.
    إن نجاح المدرسة لا يُقاس بنتائج طلبتها وحدها، بل بقدرتها على أن تمنحهم الثقة، وتحفظ كرامتهم، وتعينهم على مواجهة الحياة بوعي وأمل.
    فقد ينسى الطالب درسًا تعلمه، لكنه لن ينسى معلمًا آمن به، أو مدرسة شعر فيها بالأمان.
    وحين تصبح الطمأنينة جزءًا من رسالة المدرسة، فإننا لا نصنع جيلًا متعلمًا فحسب، بل نبني إنسانًا متوازنًا، واثقًا بذاته، قادرًا على العطاء والانتماء لوطنه.

  • أبو عرابي حمل العلم رسالة والوطن في قلبه

    أبو عرابي حمل العلم رسالة والوطن في قلبه

    د.زهير طاهات

    هناك شخصيات لا تُعرَّف بمناصبها، بل بما تتركه من أثر. شخصيات تتقدمها سيرتها قبل ألقابها، ويظل حضورها حياً في ذاكرة من عرفها وتعامل معها. ومن هذه القامات الأستاذ الدكتور سلطان أبو عرابي العدوان، الذي استطاع أن يصنع نموذجاً متفرداً للعالم والإداري والإنسان، وأن يثبت أن القيادة الحقيقية تبدأ بالأخلاق قبل القرارات.

    حين تلتقيه للمرة الأولى، لا يستوقفك بريق المنصب بقدر ما يشدك هدوؤه واتزانه وتواضعه. يتحدث بلغة العالم الواثق، ويستمع بإنصات الإنسان الذي يدرك أن الحوار قيمة قبل أن يكون وسيلة. لا يعرف المبالغة، ولا يبحث عن الأضواء، بل يترك لإنجازاته أن تتحدث عنه.

    بدأت رحلته من قرية أم الدنانير، حيث تشكلت شخصيته على قيم العمل والاعتماد على النفس والانتماء للوطن. ومن تلك البيئة البسيطة حمل حلمه الكبير، فالتحق بالجامعة الأردنية لدراسة الكيمياء، قبل أن يواصل مسيرته العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الكيمياء العضوية، ليعود إلى الأردن مؤمناً بأن العلم لا تكتمل رسالته إلا إذا تحول إلى مشروع لبناء الإنسان.

    لم يكتف الدكتور سلطان بالتميز الأكاديمي، بل انتقل إلى فضاء الإدارة الجامعية، فقاد عدداً من الجامعات الأردنية، واضعاً بصمته في كل موقع شغله. كان ينظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة لصناعة المستقبل، لا مجرد مكان لمنح الشهادات، ولذلك ارتبط اسمه بالتطوير، وتعزيز الجودة، والانفتاح على التجارب العالمية، وترسيخ ثقافة العمل المؤسسي.

    وعندما تولى قيادة اتحاد الجامعات العربية، اتسع نطاق عطائه ليشمل الجامعات العربية كافة. عمل بصمت، ونسج شبكة واسعة من الشراكات الأكاديمية، ودافع عن حضور الجامعة العربية في المحافل الدولية، مؤمناً بأن مستقبل التعليم العالي العربي لا يُبنى إلا بالتعاون وتبادل الخبرات وإنتاج المعرفة.

    ورغم ما حققه من نجاحات، بقي وفياً لجوهره الإنساني. لم تغيره المناصب، ولم تستهويه الألقاب، بل ظل قريباً من الناس، يحترم الجميع، ويؤمن بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للآخرين، لا بما يعلقه على باب مكتبه.

    وعلى المستوى الأسري، ظل يرى أن النجاح الحقيقي يبدأ من البيت، وأن تربية الأبناء على العلم والقيم هي الإنجاز الذي يفوق كل المناصب والجوائز، فكان نموذجاً في التوازن بين مسؤولياته المهنية وحياته الأسرية.

    عرف بنبله ، وخلقه ، ومعرفتي به كصحفيّ تمتد لسنوات طويلة، منذ أن كان عميداً لشؤون الطلبة في جامعة اليرموك، ثم رئيساً لـجامعة إربد الأهلية، فرئيساً لـجامعة الطفيلة التقنية، ورئيساً لـالجمعية الكيميائية الأردنية، وصولاً إلى قيادته اتحاد الجامعات العربية. وخلال هذه المسيرة، لم أره إلا ثابتاً على مبادئه، مؤمناً برسالته، حريصاً على أن يبقى الإنسان قبل المسؤول.

    لم يكن نجاحه وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة، وعمل دؤوب، وإيمان عميق بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر استدامة. ولهذا، فإن الحديث عنه لا يقتصر على استعراض المناصب التي تقلدها، وإنما يتجاوز ذلك إلى الحديث عن مدرسة في القيادة الأكاديمية، تجمع بين الكفاءة، والحكمة، والنزاهة، والتواضع.

    إن الدكتور سلطان أبو عرابي العدوان يمثل نموذجاً مضيئاً في مسيرة التعليم العالي الأردني والعربي، ويؤكد أن الانطلاق من قرية صغيرة لا يحد من اتساع الحلم، وأن الإخلاص للعلم، والوفاء للوطن، والتمسك بالقيم، كفيل بأن يصنع من الإنسان سيرة تستحق أن تُروى، وتجربة تستحق أن تُحتذى.

    وسيظل اسمه حاضراً في ذاكرة الأكاديميين وطلابه وزملائه، ليس لأنه شغل مواقع رفيعة، وإنما لأنه ترك وراءه ما هو أبقى من المناصب؛ ترك أثراً طيباً، ومؤسسات أقوى، وأجيالاً تعلمت أن القيادة الحقيقية تُمارس بالفعل قبل القول، وبالتواضع قبل السلطة، وبالعطاء قبل التكريم.

     

  • المعلم الإنسان الذي يبدأ عنده المستقبل

    المعلم الإنسان الذي يبدأ عنده المستقبل

    ‏‏بقلم: ‏أمل خضر
    ‏في الخامس من تشرين الأول، لا يليق بالعالم أن يكتفي بالاحتفال بالمعلم، بل يليق به أن يتوقف أمامه وقفة تقدير تليق بمن يقف كل صباح أمام المستقبل نفسه.
    ‏فالمعلم لا يدخل الصف وفي يده كتاب فقط، بل يدخل وفي يده أعمار لم تكتمل، وعقول لم تُكتشف بعد، وأحلام تبحث عمن يؤمن بها. كلمته قد توقظ موهبة، وسؤاله قد يفتح عقلًا، وموقفه قد يترك أثرًا يمتد مع الإنسان طوال حياته.
    ‏ولذلك، فالتعليم ليس مجرد نقل لما نعرف، بل هو إسهام في بناء جيل سيعرف ويفكر ويقرر ويبني بعدنا.
    ‏الماء للحياة، والهواء لاستمرارها، والشمس لنورها، أما المعلم فهو أحد أهم مفاتيح انتقال الإنسان من مجرد البقاء إلى البناء والحضارة. فهو لا يسهم في صناعة طالب متفوق فحسب، بل يشارك في تشكيل الإنسان الذي سيحمل غدًا مسؤولية الأسرة والمجتمع والوطن.
    ‏ولهذا فإن مكانة المعلم لا ينبغي أن تقاس بما يقال عنه في يومه فقط، بل بما يحظى به من تقدير واهتمام في بقية الأيام.
    ‏ولا يمكن أن نطالب المعلم بأداء دوره في بناء مستقبل مطمئن لأبنائنا، من دون أن نهتم في الوقت نفسه بظروفه المهنية والاجتماعية والمعيشية.
    ‏إن تحسين المستوى الاقتصادي والاجتماعي للمعلم ليس منحة ولا مجاملة، بل استحقاق يفرضه تقدير قيمة رسالته ودوره في بناء الأجيال. فالأجر المنصف، والحماية الاجتماعية، والرعاية الصحية، وبيئة العمل التي تحفظ الكرامة، وفرص التطور المهني، كلها عوامل تسهم في توفير الظروف التي تساعد المعلم على أداء رسالته على الوجه الأفضل.
    ‏وحين نعمل على تخفيف الضغوط الاقتصادية والمهنية عن المعلم، فإننا لا نقدم خدمة لفرد فحسب، بل نسهم في حماية جودة العملية التعليمية وتعزيز قدرتها على الوصول إلى الطالب بالصورة التي نطمح إليها.
    ‏وحين نرفع مكانة المعلم في المجتمع، فإننا نبعث برسالة واضحة مفادها أن العلم والتعليم في مقدمة الأولويات، وأن من يحمل رسالة التعليم يستحق التقدير والرعاية والاهتمام.
    ‏ولهذا، فإن تكريم المعلم الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من الاحتفالات بقدر ما يحتاج إلى اهتمام مستمر، وسياسات عملية، وقرارات تسهم في تحسين ظروفه المهنية والمعيشية بما يتناسب مع حجم المسؤولية التي يتحملها.
    ‏أيها العالم، إذا أردت أن تعرف أين يبدأ مستقبل الأمم، فلا تنظر أولًا إلى ما تملك من أبراج ومصانع وثروات، بل انظر إلى المكان الذي يجلس فيه الطفل للمرة الأولى أمام معلمه.
    ‏هناك يبدأ الكثير.
    ‏هناك قد يولد عالم، أو مفكر، أو طبيب، أو مبدع، أو إنسان يترك أثرًا في حياة الآخرين.
    ‏وهناك، قبل أن تُرفع الأبنية، تُرفع العقول.
    ‏لذلك، في الخامس من تشرين الأول، لا نقول للمعلم شكرًا فقط، بل نقول: قدّروا رسالته، واهتموا بظروفه، وامنحوه المكانة التي تليق بدوره.
    ‏احفظوا كرامته، لأن كرامة التعليم تبدأ من احترام من يحمل رسالته.
    ‏وحسّنوا ظروف عمله وحياته، لأن مستقبل أجيال كاملة يمر من بين يديه.
    ‏فالأمم قد تبني مدنها بالحجر، وتطور اقتصادها بالمال، وتصنع قوتها بالتكنولوجيا، لكنها لا تستطيع بناء الإنسان إلا بالتعليم.
    ‏والتعليم يبدأ من معلم.
    ‏ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يقال في يوم المعلم ليس فقط “كل عام وأنت بخير”، بل “كل عام وأنت في المكان الذي يليق بك، في مقدمة اهتمام المجتمع، وفي صدارة الاستثمار في الإنسان، وفي قلب المستقبل”.
    ‏لأن الحقيقة التي ينبغي أن يتذكرها العالم دائمًا هي أن المعلم لا يقف أمام المستقبل ليشرحه للطلاب فقط، بل يقف أمامهم ليسهم في صناعته.

  • الخطاب الملكي… إنذار أخير قبل الفوضى

    الخطاب الملكي… إنذار أخير قبل الفوضى

    كتب حسين هزاع المجالي

    لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد موقف سياسي عابر أو تحذير دبلوماسي مكرر، بل كان تشخيصاً استراتيجياً وضع المجتمع الدولي أمام مرآة مسؤوليته التاريخية، حيث نقل الخطاب النقاش من السؤال الشكلي عما يجري إلى السؤال الأخلاقي والسياسي الأكثر إلحاحاً حول ما سيتم فعله بعد الإدراك والمعرفة.

    وتكمن الجوهرية الاستراتيجية للخطاب في الانتقال من أزمة نقص المعلومات إلى أزمة الإرادة السياسية، وهو ما يجسد مفهوم جيوسياسية الانتباه، إذ لم يعد الانتباه مجرد إدراك معرفي لما يحدث بل تحول إلى مورد سياسي وأخلاقي يجعل من الاستمرار في تجاهل الحقائق قراراً متعمداً بحد ذاته وليس مجرد غياب للمعرفة، مما يحول التقاعس الدولي من موقف حيادي إلى ترخيص صريح بالفوضى.

    وقد فكك الخطاب الملكي سلسلة الأوهام التي حكمت إدارة الصراع لعقود، وعلى رأسها وهم إمكانية الفصل بين غزة والضفة الغربية، أو وهم انتظار تغير سياسي في ظل واقع يُفرض بقوة السلاح والجغرافيا، غير أن الخطر الأكبر يحضر عندما نضع تحذيرات الخطاب أمام السيناريو الأكثر تعقيداً المتمثل في احتمالية صعود أو تمكين اليمين المتطرف مجدداً في إسرائيل، حيث إن استمرار هذا التيار بأجندته العقائدية المعلنة سينقل المنطقة من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة الحسم الصفري مع تداعيات كارثية تتجاوز حدود فلسطين التاريخية إلى عمق الشرق الأوسط.

    فإذا استمرت الحكومة الإسرائيلية بواجهتها المتطرفة في تنفيذ سياسات الضم الفعلي وتوسيع الاستيطان والتضييق الممنهج على الفلسطينيين في الضفة الغربية، فإن خطط التهجير القسري أو الناعم ستتحول من أدبيات حزبية متطرفة إلى خطط عمل حكومية، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأردني وسيادته، كون أي تعرية لفرص قيام الدولة الفلسطينية أو محاولة لتصدير الأزمة ديمغرفياً وأمنياً صوب الشرق تُعد خطاً أحمر يمس جوهر الاستقرار الوطني.

    كما يمتد هذا الخطر ليشمل الأمن المائي والحدودي، لا سيما مع التطورات المتسارعة في جنوب سوريا، إذ إن وجود حكومة متطرفة لا تعترف بالاتفاقيات الدولية سيؤدي إلى توسيع التوغل العسكري الميداني وتغيير المعالم التحتية ومحاولات السيطرة على الموارد المائية، مما يحول المياه والغذاء إلى أدوات حرب وضغط سياسي مباشر على دول الجوار وفي مقدمتها الأردن الذي يواجه أصلاً إجهاداً مائياً حاداً.

    إن هذا النهج المتطرف يسرّع من تآكل الخطوط الحمراء وانفجار المواجهات الشاملة، حيث يميل اليمين المتطرف تاريخياً إلى اختلاق واقع ميداني جديد عبر اختبار حدود الصبر الإقليمي، مما يتسبب في تراكم الاحتكاكات وتداخل الأخطاء الحسابية وانزلاق المنطقة من مواجهات محدودة إلى حرب إقليمية مفتوحة تتداخل فيها حسابات القوى الإقليمية والدولية.

    ومع ترسيخ الصمت الدولي لانطباع بعجز المؤسسات الأممية عن فرض القانون، ستبحث دول المنطقة عن بدائل أمنية جديدة خارج الأطر التقليدية، مما يعيد تشكيل التحالفات ويفتح المجال لقوى منافسة لملء الفراغ الاستراتيجي وتوسيع نفوذها، فيتحول الشرق الأوسط إلى ساحة صراع دولي أكثر شراسة وتعقيداً.

    ويبقى التأثير الأشد خطورة على المدى البعيد هو اعتياد العالم على الاستثناء وتطبيع خرق القانون الدولي، فعندما تُفلت السياسات التوسعية والانتهاكات من الحساب، يفقد النظام الدولي المرتكز على القواعد مبرر وجوده، وتتحول القاعدة إلى استثناء ويسود منطق القوة المجردة بدلاً من قوة القانون، وهو ما يهدد السلم العالمي برمته.

    غير أن استعراض هذه المآلات لا يأتي من باب التشاؤم أو التنبؤ بالحتميات، بل يقف الخطاب الملكي كبوصلة استشرافية تفرق بدقة بين التحذير والاحتماء بالنبوءات، فالمستقبل المظلم ليس قدر المنطقة شريطة أن تتحول المعرفة الدولية إلى فعل سياسي حاسم يتضمن وقفاً فورياً للتصعيد وحماية المدنيين ووقف الاستيطان وسياسات الضم والاستثمار الجاد في مسار سياسي يفضي إلى حل الدولتين وفق القرارات الدولية.

    لقد وضع جلالة الملك العالم أمام حقيقة جليّة مفادها أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اندلاع الحرب، بل في اعتياد العالم على احتمال وقوعها دون تحرك، وعندما يصبح الاعتياد بديلاً عن المنع والصمت ترخيصاً بالفوضى، تبدأ الحدود الحمراء بالسقوط واحدة تلو الأخرى ليتحمل العالم حينها تبعات ما علم وحذر منه الجميع وتجاهلوه.

  • خطاب الملك.. الأردن بين حماية مصالحه والتمسك بالسلام

    خطاب الملك.. الأردن بين حماية مصالحه والتمسك بالسلام

    خطاب الملك.. الأردن بين حماية مصالحه والتمسك بالسلام

    بقلم: يوسف الصمادي

    حمل خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم رسائل واضحة بشأن موقف الأردن من الأزمات التي تشهدها المنطقة وفي مقدمتها حماية المصالح الوطنية ودعم الحقوق الفلسطينية والتمسك بالسلام والقانون الدولي.
    وأكد جلالته أن الأردن يواصل تطوير قدراته الدفاعية والتصدي للإرهاب وتهريب المخدرات بالتوازي مع تعزيز روابطه الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية في وقت تفرض فيه تطورات المنطقة تحديات أمنية واقتصادية متسارعة.
    وفي القضية الفلسطينية جدد جلالته التزام الأردن بالسلام العادل ودعم صمود الشعب الفلسطيني والأونروا محذرًا من استمرار التعامل مع الانتهاكات باعتبارها أحداثًا مؤقتة في ظل ما تشهده غزة والضفة الغربية ومؤكدًا استمرار الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
    كما وضع الخطاب فاعلية المؤسسات الدولية أمام اختبار واضح إذ أكد جلالته أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع معالجة تداعيات الأزمات وبناء السلام وأن التعامل مع التحديات يتطلب مؤسسات تتمتع بالشرعية وثقة بين الدول وفي الاتفاقيات والقوانين.
    ويظهر من هذه المحاور أن الأردن يتحرك في مسارين متلازمين حماية أمنه ومصالحه الوطنية من جهة والاستمرار في الدبلوماسية والدفاع عن الحقوق الفلسطينية والدعوة إلى تطبيق القانون الدولي من جهة أخرى وهي رسائل أكدها الملك بوضوح أمام الأمم المتحدة.

  • الدكتور الصبح يكتب: انتخابات المجالس البلدية،، إلى متى

    الدكتور الصبح يكتب: انتخابات المجالس البلدية،، إلى متى

    الدكتور سفاح الصبح يكتب .. 
    بعد أن تمّ الإطاحة بخيار انتخاب مجالس اللامركزية لصالح التعيين بعيدا ما عن مبدأ الشعب مصدر السلطات قريبا ما من مبدأ الحكومة مصدر السلطات ،، لم يبق َ أمام الناس إلا المجالس البلدية ليمارسوا من خلالها تجربة الحكم المحلي من خلال القانون الجديد الذي تم ّ إقراره قريبا ،،
    وهنا نتساءل :
    – هل تم ّ أقرار قانون انتخاب المجالس المحلية البلدية من أجل حفظه أو نسيانه أم أنّه تم ّ من أجل الشروع العاجل بإجراء الانتخابات التي حمل مع تأجيلها تعطيل للديمقراطية بصورة واضحة ،،
    – ألم تكن حجة الوزير المعني بعدم إجراء الانتخابات حتى يصدر القانون وبما أن القانون قد صدر فما داعي تأجيلها حتى نيسان القادم وهو وقت طويل متراخ ٍ
    – أليست الهيئة المستقلة جاهزة تماما من ذي قبل، وبالتالي تنتظر فقط صافرة الإطلاق ،،
    – ما المصلحة من تأخير الانتخابات في وقت لا يوجد أي مبرر لتأجيلها ،،
    ،،،،،،،،،،،،
    – نسخة لنواب عجلون الأكارم
    – نسخة لأحزابنا المجيدة

  • قراءة قياسية في نتائج الأردن في اختبار PISA

    قراءة قياسية في نتائج الأردن في اختبار PISA

    بقلم أ. د. نضال الشريفين.

    تستحق نتائج الأردن في PISA 2025 قراءةً هادئة تتجاوز ثنائية الاحتفاء أو التشاؤم. فالبيانات الرسمية تؤكد أن أداء الطلبة تحسن مقارنة بدورة 2022: ارتفع متوسط العلوم من 375 إلى 407 نقاط، والرياضيات من 361 إلى 388، والقراءة من 342 إلى 363. وهذا تحسن حقيقي لا يصح إنكاره. لكن المشكلة القياسية تبدأ عندما يُتخذ عام 2022، وهو عام مثّل مستوى شديد الانخفاض للأردن، مرجعًا وحيدًا للحكم على نجاح النظام التعليمي؛ فالارتفاع من نقطة قاع لا يساوي بالضرورة تقدمًا طويل المدى.
    وفي الرياضيات، وهي المجال الذي تسمح OECD للأردن بمقارنته زمنيًا بصورة مباشرة عبر الدورات بسبب انتقال الأردن من الاختبار الورقي إلى المحوسب عام 2022، تكشف الصورة بوضوح الفرق بين التعافي والتقدم،فقد حصل الأردن على 400 نقطة عام 2018، ثم هبط إلى 361 نقطة عام 2022، قبل أن يرتفع إلى 388 نقطة عام 2025. وبذلك استعاد نحو 27 نقطة من خسارته البالغة قرابة 39 نقطة، لكنه بقي أقل من مستوى 2018 بنحو 12 نقطة، وتؤكد OECD نفسها أن نتيجة الرياضيات في 2025 ما تزال دون مستوى 2018، وعليه، فإن الوصف الأدق ليس عودة إلى المستوى السابق ولا تقدمًا تاريخيًا، بل تعافٍ قوي من هبوط 2022 لم يكتمل بعد.
    كما أن المقارنة الدولية تمنع الاكتفاء بمؤشر التغير الداخلي، ففي 2025 بلغ متوسط الأردن 388 في الرياضيات مقابل 463 لمتوسط OECD، و407 في العلوم مقابل 482؛ أي فجوة تقارب 75 نقطة في كل منهما، والأهم تربويًا أن 31% فقط من طلبة الأردن بلغوا المستوى الثاني فأعلى في الرياضيات مقابل 65% في OECD، و48% في العلوم مقابل 74%، بينما بلغت النسبة في القراءة 26% فقط مقابل 69%. كما أن نسبة ذوي الأداء المرتفع في الأردن تكاد تكون معدومة في المجالات الثلاثة، وهذه المؤشرات أكثر دلالة من ترتيب الدولة وحده؛ لأنها تكشف مقدار الطلبة الذين يمتلكون الحد الأدنى من الكفايات اللازمة لتوظيف المعرفة.
    ولا يكفي تفسير هبوط الأردن السابق بأن العالم كله تراجع، صحيح أن PISA شهد تراجعًا دوليًا واسعًا، بل إن متوسطات OECD في 2025 وصلت إلى مستويات تاريخية منخفضة في الرياضيات والقراءة، لكن الاتجاه لم يكن قدرًا عامًا متساويًا؛ فقد حافظت أنظمة تعليمية على مستويات مرتفعة، وحققت دول أخرى تحسنًا. بل إن الأردن نفسه كان من الدول ذات التحسن الملحوظ بين 2022 و2025. وهذا يجعل النتيجة الحالية إيجابية من زاوية سرعة الاسترداد، لكنه لا يلغي السؤال الأكثر أهمية: هل عاد النظام إلى مستوى أدائه السابق؟ وهل بدأ يضيق فجوة الكفاية مع الأنظمة الأعلى أداءً؟ الإجابة حتى الآن: ليس بصورة كافية.
    ومن منظور القياس والتقويم، ينبغي التحفظ في مقارنة درجات القراءة والعلوم لعام 2025 مباشرة بدرجات الأردن في 2018؛ إذ تشير OECD إلى أن انتقال الأردن إلى التطبيق المحوسب في 2022 لا يضمن قابلية المقارنة الزمنية في هذين المجالين، ولذلك تبدأ خطوط الاتجاه الرسمية لهما من 2022. أما الرياضيات فتظل أساس المقارنة الطويلة الأكثر سلامة، وهذه نقطة منهجية جوهرية حتى لا يتحول النقد المشروع إلى استنتاج يتجاوز ما تسمح به خصائص القياس.
    وفي المحصلة فإن نتائج PISA في العام 2025 تحمل للأردن خبرًا جيدًا، لكنه ليس شهادة اكتمال إصلاح. نعم، حدث تحسن ملموس مقارنة بعام 2022، ومن الإنصاف الاعتراف به؛ لكن اتخاذ أدنى نقطة سابقة خطَّ أساس وحيدًا قد يضخم صورة الإنجاز. المعيار الأكثر صرامة هو استعادة مستوى ما قبل الهبوط ثم تجاوزه، وتقليص الفجوة الدولية، وخفض نسبة الطلبة دون مستوى الكفاية، وزيادة نسبة ذوي الأداء المرتفع. لذلك فإن الرسالة العلمية المتوازنة هي: الأردن يسير في اتجاه تعافٍ واضح، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن وصفها بالتقدم المستدام؛ فالاحتفاء الحقيقي ينبغي أن يبدأ عندما يتحول الارتداد عن القاع إلى مسار طويل المدى يتجاوز مستوى 2018 ويقترب بصورة ملموسة من المعايير الدولية.