التصنيف: صندوق أقلام

  • الأردن أولاً.. حين تكون حماية الوطن فوق المزايدات السياسية

    الأردن أولاً.. حين تكون حماية الوطن فوق المزايدات السياسية

    بقلم الدكتور متري الزريقات
    في ظل الظروف الأمنية الدقيقة والتحديات التي تواجه الأردن، تبرز الحاجة اليوم إلى خطاب وطني مسؤول، يدرك طبيعة المرحلة وحجم المخاطر، ويضع أمن الوطن واستقراره وسلامة مواطنيه في مقدمة الأولويات.

    إلى أولئك الذين يسارعون إلى المطالبة بالتغيير والاستقالات، ويوظفون كل حدث لإطلاق التنظيرات السياسية وفتح سجالات حول المناصب والمسؤوليات، نقول: ليس كل توقيت مناسبًا لكل خطاب، وليس كل ظرف يحتمل المزايدات. فهناك لحظات تفرض على الجميع إعادة ترتيب الأولويات، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات السياسية والشخصية.

    إن ما يواجهه الأردن من تهديدات وتحديات أمنية، وفي مقدمتها خطر الإرهاب ومحاولات المساس بأمنه واستقراره، يستدعي موقفًا وطنيًا موحدًا، لا حالة من التشكيك أو تبادل الاتهامات أو إضعاف الثقة بمؤسسات الدولة. فالأمن ليس قضية حكومة أو مسؤول بعينه، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تمس حياة كل أردني ومستقبل أبنائه.

    ومن هنا، فإن الوقوف خلف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، والالتفاف حول القيادة الهاشمية، ودعم قواتنا المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وأجهزتنا الأمنية والمخابرات العامة، ليس مجرد موقف عاطفي، بل تعبير عن إدراك عميق لأهمية وحدة الجبهة الداخلية في مواجهة الأخطار.

    إن رجال الجيش والأمن والمخابرات يقفون في مواقع المسؤولية، ويتحملون أعباء جسيمة في سبيل حماية الأرض والإنسان، ويستحقون منا الثقة والتقدير والدعم، بعيدًا عن التشكيك والتجريح، مع التأكيد أن المساءلة والمراجعة المؤسسية حق مشروع، وأن دعم مؤسسات الدولة لا يتعارض مع المطالبة بتطوير أدائها وإصلاحها.

    ولا يعني الالتفاف حول الوطن تعطيل النقد أو مصادرة حق المواطنين في التعبير عن آرائهم، فالدولة القوية هي التي تتسع للنقد المسؤول والإصلاح، لكن الوطنية الحقيقية تظهر أيضًا في القدرة على التمييز بين المطالبة بالإصلاح وبين استغلال الأزمات لإثارة الانقسام وإضعاف الصف الوطني.

    اليوم، الأردن بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويعزز الثقة ولا يهدمها، ويقف إلى جانب مؤسسات الدولة في أداء واجبها، مع الحفاظ على حق المجتمع في المساءلة والمطالبة بالأفضل.

    فلنؤجل خلافاتنا، ولنضع حساباتنا جانبًا، فالأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات، وأمنه واستقراره خط أحمر يتقدم على كل اعتبار.

    رحم الله شهداء الوطن الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الأردن، وحمى الله جنودنا ورجال أمننا ومخابراتنا، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار.

    الأردن أولًا، والقيادة عنوان وحدتنا، وأمن الوطن مسؤوليتنا جميعًا.

  • أمس الكرك ، واليوم عمان ..

    أمس الكرك ، واليوم عمان ..

    وكأن وجع الوطن لا يكفيه وجع آخر 🇯🇴💔

    الإرهاب مش راحم حدا .. مسلم ومسيحي ، عسكري ومدني ، طفل وشاب ، رجل وامرأة … الكل مستهدف .. فِكر لا يعرف الرحمة ولا الإنسانية ….

    شهيد اليوم أخونا وابن هالوطن .. والإعتداء على أرواح نذرت من نفسها لحماية وطنا وأهله ، جريمة مرفوضة ولن تنال من عزيمة الأردنيين ولا من وحدتنا وتماسكنا ….

    ومسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على إدانة الإرهاب فقط .. اليوم دورنا نبني جيل واعي قادر يميز بين الحق والباطل ، ويرفض خطاب الكراهية ، وما يسمح للأفكار التي تهدم وطنا أن تجد طريقها إلى عقول اليافعين والشباب …

    فهم جيل اليوم وقادة الغد ، وحمايتهم من الأفكار المتطرفة تبدأ من الوعي والمعرفة وتنمية المهارات الحياتية لديهم من الإتصال الفعال ، الثقة بالنفس ، الحوار وتقبل الآخر ، إدارة الإنفعالات والتعامل الإيجابي … الخ ، وتعزيز قيم التسامح والتقبل واحترام الإختلاف ..

    اليوم كلنا لازم نكون إيد وحدة في حماية وطنا ، ونعطي اليافعين والشباب المساحة الآمنة للتعبير ، السؤال ، المشاركة ، وصناعة الأثر الإيجابي وتعزيز الولاء والإنتماء … فَـ بالوعي نحصن العقول ، وبالمعرفة نبني الأوطان ، وبالإنتماء نحمي هويتنا الوطنية …

    رحم الله شهيد الواجب والوطن وجعل من تضحياته اليوم وسام عِز على صدر الأردن ، وربنا يربط على قلب أهله وذويه بالصبر والسلوان ….

    وكلنا خلف الوطن وقيادته ونستذكر قول سيدنا : ” الأردن كان وسيبقى عصياً على كل معتد غاشم ، ومهيباً في وجه كل متغافل عن تاريخ هذا الوطن “

    حفظ الله الأردن ، قيادةً وشعباً وأرضاً ، وربنا يحمي نشامى أجهزتنا الأمنية ، ويديم على وطنا الغالي نعمة الأمن والأمان ..

    عظم الله أجرك يا وطن … وحمى الله الأردن العظيم 🇯🇴

    مدربة المهارات الحياتية | عبير الشويات
    مركز زها الثقافي | عجلون

  • عنان الدجاني بأي ذنب

    عنان الدجاني بأي ذنب

    بقلم : ايمن البركات

    تبت يد الإجرام، لا عاش الخنا
    لا عاش ساعٍ بالفساد بأرضنا

    لا عاش من بالحقد يقطر فكره
    حجب التخلّف عن دياجه السنا

    يتبرّأُ الإسلام من أمثاله
    سفْك الدما، والله، ليس تديُّنا

    حرم البلاد من النجاب ولم يزل
    بالغدر يمضي ما أخسَّ و أجبنا

    من ظن أنّ صنيعه فخرٌ فلن
    ينجو من التبعات، لن يتطمأنا

    خدم العدوّ ويا لهول جريمةٍ!
    وشرى التردي بالعقوبة و الفنا

    عظم المصاب فأجهشت عين السما
    وكوى القلوبَ بما ألمَّ و أحزنا

    أردنّنا يبقى عصيًّا محْصنا
    وعليَّ شأنٍ كيّسًا صلب القنا

  • العقد الاجتماعي في خطاب العرش.. حين تتجدد الثقة بين الدولة والمواطن

    العقد الاجتماعي في خطاب العرش.. حين تتجدد الثقة بين الدولة والمواطن

    إنجاز – بقلم الدكتور عدنان المقطش

    ليس العقد الاجتماعي مجرد مفهوم سياسي تتناوله الكتب والنظريات، أو اتفاقاً نظرياً ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل هو جوهر الدولة الحديثة وأساس استقرارها، والعنوان الأبرز للعلاقة التي تجمع مؤسسات الدولة بمواطنيها.

    ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبدالله الثاني، بوصفه خطاباً يحمل في مضامينه رسائل عميقة تتصل بتجديد هذا العقد وتعزيز ركائزه في الدولة الأردنية.

    فحين يؤكد جلالة الملك أن «الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها»، فإنه يضع أصبعه على واحدة من أهم قواعد العقد الاجتماعي، وهي أن شرعية المؤسسات وقوتها تستمدان من الشعب، وأن الحياة السياسية لا تكتمل إلا بمشاركة المواطنين، واحترام إرادتهم، وصون حقهم في التعبير والمساءلة والمشاركة في صناعة القرار. وهي رسالة تتجاوز الإطار الدستوري إلى تأكيد أن المواطن ليس متلقياً لقرارات الدولة فحسب، بل شريك في بنائها وتحديد أولوياتها ومستقبلها.

    ولعل اللافت في الخطاب الملكي هو الربط الواضح بين الحقوق السياسية والمسؤولية الوطنية، حين أكد جلالته أن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور ويحميه، وأن صدر الوطن رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول. وهنا تتجلى معادلة العقد الاجتماعي في أسمى صورها؛ فحرية التعبير حق لا يجوز التضييق عليه، لكنها في الوقت ذاته مسؤولية تحكمها المصلحة الوطنية واحترام الآخر وأدب الاختلاف، بما يجعل الحوار وسيلة للبناء لا مدخلاً للانقسام.

    كما حمل الخطاب الملكي رسالة مهمة إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية، مفادها أن المسؤولية الوطنية لا تحتمل الانشغال بالمصالح الضيقة، وأن مجلس الأمة مطالب بأن يكون صوتاً للوطن وحارساً للمصلحة العامة ورقيباً على الأداء الحكومي، فيما تقع على الحكومة مسؤولية تحويل التوجيهات والرؤى إلى إنجازات ملموسة تنعكس على حياة المواطنين. فالعقد الاجتماعي لا يُصان بالشعارات، بل بقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها، وتحسين الخدمات، وحماية الموارد، والاستجابة لتطلعات الناس.

    أما البعد الأكثر عمقاً في الخطاب، فيتمثل في تأكيد جلالة الملك أن قوة الأردن تكمن في شعبه، وأن رهانه سيبقى على وعي الأردنيين وحكمتهم وإخلاصهم ووفائهم حين تشتد المحن، وهي رسالة تعيد التأكيد على أن الدولة ليست مؤسسات وأجهزة وقوانين فحسب، بل هي أيضاً مجتمع متماسك، تجمعه الهوية الوطنية والثقة والمصير المشترك، وأن حماية استقرار الوطن مسؤولية متبادلة لا يمكن أن تنهض بها جهة دون أخرى.

    وإذا كان العقد الاجتماعي في جوهره يقوم على الثقة والالتزام المتبادل، فإن خطاب العرش يضع الجميع أمام مسؤولياتهم؛ فالدولة مطالبة بالعدل والإنجاز وصون الحقوق، والمؤسسات مطالبة بالنزاهة والفاعلية وخدمة الصالح العام، والمواطن مطالب بالمشاركة الواعية واحترام القانون والحفاظ على وحدة المجتمع.

    إن الرسالة الملكية في جوهرها تتجاوز حدود اللحظة السياسية، لتؤكد أن الأردن الذي واجه التحديات بثبات وتماسك، يحتاج اليوم إلى تجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعميق المشاركة، وترسيخ العدالة، وتحويل المسؤولية العامة إلى ثقافة وممارسة ، فالعقد الاجتماعي ليس نصاً جامداً أو اتفاقاً مؤقتاً، بل عهد متجدد بين الأردنيين ودولتهم، عنوانه المواطنة المتساوية، وركيزته سيادة القانون، وهدفه بناء دولة قوية بمؤسساتها، عزيزة بشعبها، وقادرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.

  • الداود: الأردن أقوى بوحدة شعبه.. وشهداؤنا أمانة في أعناقنا

    الداود: الأردن أقوى بوحدة شعبه.. وشهداؤنا أمانة في أعناقنا

    الداود: الأردن أقوى بوحدة شعبه.. وشهداؤنا أمانة في أعناقنا

    بقلم: الناشط الشبابي وصانع المحتوى عواد الداود – طباخ الشعب

    في خطاب العرش السامي، وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني رسائل واضحة تؤكد أن أمن الأردن ووحدته فوق كل اعتبار، وأن قوة هذا الوطن لا تكمن فقط في مؤسساته وجيشه وأجهزته الأمنية، بل في وعي شعبه وتماسك أبنائه وقدرتهم على الوقوف صفًا واحدًا في وجه الإرهاب وكل من يحاول المساس بأمنه واستقراره. فالأردن وطن يجمعنا جميعًا، وحمايته مسؤولية لا تقتصر على جهة دون أخرى.
    وستبقى دماء شهداء الكرك أمانة في أعناقنا، وتضحياتهم حاضرة في وجدان كل أردني.
    وقد حرصت على زيارة محافظة الكرك وتقديم واجب العزاء والمواساة لأهالي الشهداء، إيمانًا مني بأن الوقوف إلى جانبهم واجب إنساني ووطني.
    والوفاء الحقيقي لهؤلاء الأبطال لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالحفاظ على وحدة وطننا، ودعم جيشنا وأجهزتنا الأمنية، والتمسك بسيادة القانون والعدالة التي لا تستثني أحدًا.
    وفي هذه الظروف، علينا أن نكون أكثر وعيًا ومسؤولية فيما نقوله وننشره، وألا نسمح لخطاب الكراهية أو محاولات التحريض بأن تفرق بيننا.
    وأؤكد هنا أن ما يجمع الشعبين الأردني والسوري من أخوّة وروابط تاريخية وإنسانية أكبر من أن تهزه جرائم الإرهاب؛ فالمجرم يمثل نفسه، ولا يجوز تحميل شعب كامل مسؤولية أفعال لا تمثله.
    لقد كان الأردن دائمًا سندًا للأشقاء السوريين، وستبقى قيم الرحمة والتضامن أقوى من كل دعوات الفتنة.
    كما أن تمسك جلالة الملك بحقوق الشعب الفلسطيني، ورفض ما يتعرض له أهلنا في غزة والضفة الغربية والقدس من انتهاكات، يعبر عن موقف أردني راسخ تجاه قضايا أمتنا. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى التمسك بالعدالة والإنسانية، والدفاع عن حق الأبرياء في الأمن والحياة الكريمة، بعيدًا عن الكراهية والتفرقة.
    وأخيرًا، أتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى أسر شهداء الكرك، وأسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته. وأقولها من القلب: قد نختلف في آرائنا، لكننا لا نختلف على الأردن.
    سيبقى وطننا قويًا بوحدة شعبه، ووعي شبابه، وتضحيات رجاله، واحترام القانون، والوقوف معًا في وجه كل من يحاول النيل من أمنه واستقراره.
    حفظ الله الأردن وقيادته وشعبه وجيشه وأجهزته الأمنية.

  • حزب العمل يكسر التوافقات… ويعيد الاعتبار لجوهر التحديث السياسي

    حزب العمل يكسر التوافقات… ويعيد الاعتبار لجوهر التحديث السياسي

    ماجد أبو رمان
    ليست كل مغادرة للتوافقات انقلاباً على الديمقراطية، وليست كل مخالفة للحسابات السياسية خروجاً عن الإجماع. أحياناً يكون كسر التوافقات هو المدخل الحقيقي لإحياء الحياة الديمقراطية، وإعادة الاعتبار لصندوق الاقتراع.
    ‎إن توجه حزب العمل الأردني لخوض معركة انتخاب النائب الأول لرئيس مجلس النواب، بعيداً عن مسار التوافقات التي يجري تداولها، يستحق التوقف والتحليل، لا بمنطق الخصومة أو التخوين، بل بمنطق الإيمان بالتجربة الحزبية التي أردنا لها أن تكون ركيزة أساسية في مشروع التحديث السياسي.
    ‎أليس هذا تحديداً ما أراده جلالة الملك عندما وجّه نحو تأسيس لجنة التحديث السياسي؟
    ‎ألم تكن الرؤية الملكية واضحة في بناء حياة حزبية فاعلة، وأحزاب برامجية تتنافس على أساس الأفكار والبرامج، وتشارك في صناعة القرار، وصولاً إلى حياة سياسية ومدنية أكثر نضجاً وديمقراطية حقيقية؟
    ‎فكيف نطالب الأحزاب بأن تكون قوية ومؤثرة، ثم نضيق ذرعاً بها عندما تقرر المنافسة؟ وكيف نتحدث عن التعددية السياسية، ثم نعتبر الخروج عن التوافقات خطيئة سياسية؟
    ‎إن التوافق ليس وصاية، وليس اتفاقاً ملزماً على تعطيل المنافسة، ولا يجوز أن يتحول إلى مظلة لإنتاج النتائج قبل الاحتكام إلى صندوق الاقتراع.
    ‎ما يفعله حزب العمل، إن مضى في خياره، هو ممارسة لحق سياسي أصيل، ورسالة بأن الأحزاب لم تأتِ لتكون أرقاماً في معادلات الآخرين، بل لتكون شريكاً حقيقياً في صناعة القرار.
    ‎ولا أعتقد أن مشروع التحديث السياسي يحتاج إلى أحزاب تتقن فن الاصطفاف بقدر حاجته إلى أحزاب تمتلك شجاعة الاختلاف، وجرأة المنافسة، والقدرة على تحمل مسؤولية قراراتها.
    ‎نحن لا نحتاج إلى ديمقراطية تُدار بالتوافقات المغلقة، بل إلى ديمقراطية تحتكم إلى إرادة النواب.
    ‎كل الاحترام لحزب يختار المنافسة بدلاً من الانكفاء، والاحتكام للصندوق بدلاً من انتظار ما تقرره الغرف المغلقة.
    ‎فإذا كان التحديث السياسي مشروعاً وطنياً أراده جلالة الملك، فإن حماية هذا المشروع تبدأ عندما نسمح للأحزاب بأن تمارس السياسة كما ينبغي، لا كما يريد لها الآخرون.
    ‎الديمقراطية لا تُقاس بعدد التوافقات التي نعقدها، بل بمقدار الحرية التي نمنحها للاختلاف والمنافسة.

  • هل تخضع الثقافة لابتزاز (بعض) الإعلام!؟

    هل تخضع الثقافة لابتزاز (بعض) الإعلام!؟

    كتب: الصحفي ماهر الشريدة (رئيس لجنة حماية المهنة في نقابة الصحفيين )

    حين تتحول الرسالة الإعلامية من مسؤولية التنوير إلى حسابات المردود المادي، لا تكون الثقافة وحدها هي الخاسر، بل يخسر المجتمع حقه في المعرفة والوعي.
    المفارقة التي تستحق التوقف أمامها في المشهد الثقافي والإعلامي؛ فبينما تتسع دائرة النشاط الثقافي، وتتزايد المبادرات والبرامج والفعاليات التي تستهدف بناء الوعي، وتعزيز الهوية الوطنية، وتوسيع المشاركة المجتمعية في الفعل الثقافي، يبدو حضور هذه الجهود في بعض المساحات الإعلامية أقل من حجمها وأهدافها وأثرها المفترض.
    كان ذلك بالنسبة لي مجرد تكهنات حتى كشفت؛ تجربة شخصية حديثة في متابعة الخبر الثقافي، والاشتباك المباشر مع بعض العاملين في هذا المجال داخل الوسط الإعلامي، عن إشكالية لا يمكن تجاهلها، تتمثل في تراجع إدراك بعضهم لطبيعة الرسالة الإعلامية والثقافية، وتغليب الحسابات المادية على الدور التوعوي والتثقيفي والوطني الذي يفترض أن تضطلع به وسائل الإعلام.
    الموضوه هنا ليس اعتراضاً على حق الصحفي أو المؤسسة الإعلامية في الحصول على مقابل مادي لقاء خدمات إنتاجية أو إعلانية أو أعمال إعلامية متخصصة؛ فهذا حق مهني مشروع، لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح نشر الخبر الثقافي، أو منحه مساحة في التغطية، خاضعاً للمساومة، وعندما يتحول التعامل مع المعلومة والحدث الثقافي إلى مفاوضات على السعر، وكأن نشر المعرفة خدمة استثنائية لا واجب مهني ومجتمعي.
    لذا كان لا بد من الإجابة على سؤال: هل أصبح الخبر الثقافي بحاجة إلى ميزانية خاصة كي يصل إلى الجمهور؟ وهل باتت المؤسسات الثقافية مطالبة بدفع ثمن حضورها الإعلامي، حتى عندما يتعلق الأمر بأنشطة وفعاليات عامة، ونتاج ثقافي يستهدف المجتمع بأسره؟
    إن خطورة هذه الممارسة لا تكمن فقط في إضعاف حضور النشاط الثقافي إعلامياً، بل في إعادة تعريف وظيفة الإعلام نفسه، وتحويله من شريك في بناء الوعي العام إلى وسيط تجاري قد يحجب الحدث أو يقلص حضوره ما لم تتحقق له منفعة مادية مباشرة.
    ولا يمكن في هذا السياق إغفال حجم الحراك الثقافي الذي تشهده وزارة الثقافة، وما يرتبط به من جهود وخطط وبرامج ومبادرات تنفذها الوزارة عبر كوادرها ومديرياتها ومؤسساتها الثقافية في مختلف محافظات المملكة، فهناك نشاط متواصل يستهدف الوصول إلى الجمهور، وتعزيز حضور الكتاب والمسرح والفنون، ودعم المبدعين، وترسيخ الهوية الوطنية، وإتاحة الثقافة أمام مختلف الفئات والشرائح المجتمعية.
    اضافة الى أن الجهود التي يبذلها وزير الثقافة وكوادر الوزارة، وما تتضمنه الخطط الثقافية من تنوع واتساع في البرامج والأنشطة، تحتاج إلى إعلام يواكبها، ويفهم مضامينها، ويقدمها للرأي العام بوصفها جزءاً من مشروع وطني لبناء الإنسان وتعزيز وعيه، لا مجرد أخبار مناسبات تنتهي بانتهاء الفعالية.

    تظل كثير من الأنشطة حبيسة التغطية المحدودة، وتغيب أهدافها عن الجمهور، ولا تصل رسائلها إلى الفئات المستهدفة، وتضيع فرصة تحويل الانشطة الثقافية إلى حالة مجتمعية مستمرة، و قد تنجح المؤسسة في تنظيم الفعالية، لكنها لا تنجح بالضرورة في إيصال أثرها ورسالتها إلى المجتمع، لأن الحلقة الإعلامية التي يفترض أن تنقل هذا الأثر وتوسّع دائرته لم تؤد دورها كما ينبغي.

    واكثر ( الافعال المستنكرة) أن بعض من يتصدرون متابعة الشأن الثقافي لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم شركاء في صناعة الوعي الثقافي والوطني، بل يختزلون العلاقة مع المؤسسات الثقافية في حدود المصالح الآنية، دون إدراك أن الخبر الثقافي ليس مجرد إعلان عن نشاط، وإنما نافذة على المعرفة، ومساحة لتقديم المبدع، وتوثيق للذاكرة الوطنية، وتعريف بالمبادرات التي تصنع التحولات في المجتمع.

    إن الإعلام الثقافي ليس ترفاً مهنياً، ولا مساحة هامشية في العمل الصحفي، بل هو أحد أهم أدوات تشكيل الوعي، وحماية الهوية، ونقل المعرفة، وإبراز المنجز الوطني. ومن يتولى هذه المسؤولية ينبغي أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بالشأن الثقافي، وأن يدرك قيمة ما ينقله، وأن يميز بين التغطية الصحفية المستقلة والإعلان التجاري المدفوع.

    وفي المقابل، لا ينبغي للمؤسسات الثقافية أن تكتفي بإرسال البيانات الصحفية وانتظار النشر، بل عليها تطوير خطابها الإعلامي، وبناء علاقات مهنية قائمة على الشراكة، وتقديم محتوى صحفي جاذب، وقياس أثر أنشطتها في الجمهور، والانفتاح على وسائل الإعلام بمختلف أشكالها ومنصاتها.

    المطلوب ليس إعلاماً يجامل الثقافة، ولا مؤسسات ثقافية تبحث عن تغطية مجانية بأي ثمن، وإنما علاقة مهنية متوازنة تحكمها المسؤولية والاستقلالية والشفافية، ويكون معيارها الأساسي حق المجتمع في المعرفة.

    فليس من المنطقي أن تنفق المؤسسات الثقافية جهوداً وموارد كبيرة لإنتاج النشاط الثقافي، ثم تجد نفسها أمام معادلة تجعل وصول هذا الفعل إلى الناس مرتبطاً بقدرتها على الدفع، أو بمدى استعدادها للدخول في مساومات لا علاقة لها بجوهر الرسالة الإعلامية.

    إن الثقافة لا تطلب امتيازا من الإعلام، بل تطلب منه أن يؤدي دوره، والإعلام لا يفقد استقلاليته عندما يمنح الثقافة حقها في التغطية، بل يفقد جزءا من رسالته عندما يتخلى عن دوره في التنوير والتثقيف وخدمة المجتمع.

    الملخص: بخضوع الثقافة لمحاولات ابتزاز بعض الإعلام، تكون المعرفة نفسها هي الضحية، ويكون المجتمع هو من يدفع الثمن، فيصبح ساعتها لزاما على الجهات الرقابية اتخاذ موقف لحماية المهنة وحماية المجتمع.

  • هل يُراد للأردن أن يدفع ثمن مواقفه

    هل يُراد للأردن أن يدفع ثمن مواقفه

    هل يُراد للأردن أن يدفع ثمن مواقفه

    بقلم :هاشم عقده

    حين وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذّر بوضوح من الأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية، مؤكدًا أن الخطر لن يتوقف عند فلسطين، وأن سوريا أصبحت إنذارًا إقليميًا يتجاهله المجتمع الدولي. وفي الخطاب ذاته، شدّد على دور الأردن في مواجهة الإرهاب، وحماية المسيحية وإرثها التاريخي، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه الكراهية.

     

    كان هذا موقف الأردن الواضح: لا للتوسع الإسرائيلي، لا للإرهاب، ولا لتمزيق المجتمعات على أساس الدين أو الهوية.

     

    لكن ما الذي نشهده اليوم؟ اعتداء يستهدف كنيسة في الكرك ويسقط ضحايا أردنيين، وتطورات أمنية خطيرة على الجبهة السورية، وغارات أردنية على مواقع في جنوب سوريا وسط تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين. أحداث متلاحقة تفرض علينا أن نتوقف ونسأل: هل نحن أمام وقائع منفصلة، أم أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع تتقاطع فيها نتائج التطرف مع أطماع التوسع الإسرائيلي؟

     

    هل يمكن أن تكون هناك جهات تستفيد من أدوات داعشية لإشعال المنطقة، وضرب استقرار الأردن وسوريا، وإضعاف المواقف العربية الرافضة للمشروع الإسرائيلي؟

     

    لا نجزم بما لم تثبته الأدلة، لكننا لا نقبل أن نكون غافلين عما يجري حولنا. فالتزامن وحده لا يثبت وجود مخطط، لكنه يفرض اليقظة والتحقيق وفهم الجهات التي تستفيد من الفوضى. ومن حق الأردنيين أن يعرفوا الحقيقة، ومن واجبنا ألا نسمح بتحويل دماء الأبرياء إلى وقود للفتنة.

     

    إن استهداف كنيسة في الكرك ليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم، بل اعتداء على الأردن بكل مكوناته. مسيحيو الأردن أهل هذه الأرض وشركاء تاريخها وهويتها، وكنائسهم جزء أصيل من إرثنا الوطني. وحمايتهم واجب لا يقبل المساومة، ومن يعتقد أن الإرهاب قادر على شق صف الأردنيين لا يعرف طبيعة هذا الشعب ولا حقيقة وحدته الوطنية.

     

    أما سوريا، التي حذّر جلالة الملك من الأطماع الإسرائيلية في أراضيها، فلا يجوز أن تتحول إلى ساحة تستنزف الأردن وتدفع الشعبين إلى الخصومة. للأردن الحق الكامل في حماية حدوده ومواجهة الإرهاب، وللمدنيين حقهم في الحماية، ولسوريا حقها في الأمن والسيادة. فقوة الأردن لا تتعارض مع الحرص على أرواح الأبرياء وكشف حقيقة ما جرى.

     

    وهنا لا بد أن نؤكد أن الأردن لم يكن يومًا دولة تنظر إلى محيطها العربي من خلف حدودها فقط. لقد كان، بقيادته الهاشمية، حاضرًا في دعم الأشقاء والوقوف إلى جانب قضاياهم، وتحمل أعباء الأزمات الإقليمية واللجوء، والدفاع عن القضية الفلسطينية، والسعي إلى حماية أمن الدول العربية واستقرارها.

     

    الموقف الأردني من الأشقاء ليس ورقة سياسية تتبدل مع الظروف، ولا موقفًا مؤقتًا تحكمه المصالح الآنية؛ إنه نهج عروبي أصيل، لن تغيّره الأزمات، ولن تنال منه محاولات التشكيك أو الفتنة.

     

    الأردن الذي وقف إلى جانب فلسطين لن يتخلى عن حق شعبها، والأردن الذي يريد لسوريا الأمن والاستقرار لا يريد لها أن تكون ساحة للتوسع الإسرائيلي أو صراعات تستنزف شعبها، والأردن الذي يعتز بعلاقاته مع أشقائه سيبقى حريصًا على أمنهم وسيادتهم، كما يحرص على أمنه وسيادته.

     

    إن محبة الأردن وقيادته لا تعني الصمت عن الأسئلة الصعبة، بل تعني طرحها بمسؤولية، والبحث عن الحقيقة، والحرص على ألا يدفع وطننا ثمن أخطاء الآخرين أو حساباتهم. فقوة الدولة لا تقوم على الأمن وحده، بل على الثقة والعدالة ووحدة الصف وثبات المبادئ.

     

    الأردن ليس ساحة للمؤامرات، وقيادته ليست موضع ابتزاز، ووحدته الوطنية ليست ورقة في يد الإرهاب. نقف خلف جلالة الملك في حماية مصالح الأردن والدفاع عن أمنه، ونعتز بجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، ونرفض كل اعتداء يستهدف أبناء وطننا، مسلمين ومسيحيين.

     

    وفي الوقت ذاته، نتمسك بعروبتنا، ونؤمن بأن قوة الأردن تزداد بقوة أشقائه واستقرارهم، وأن أمن المنطقة لا يتحقق بإضعاف الدول أو تمزيق الشعوب، بل بالتعاون واحترام السيادة ومواجهة الإرهاب والتوسع والاحتلال.

     

    إذا كان هناك من يظن أن إشعال الفتنة في الكرك، أو تأزيم العلاقة بين الأردن وسوريا، أو استنزاف الدول العربية سيجعل الأردن يتراجع عن مواقفه، فهو لا يعرف الأردن ولا يعرف قيادته.

     

    سيبقى الأردن قويًا بقيادته الهاشمية، عصيًا بجيشه وأجهزته الأمنية، متماسكًا بوحدة شعبه، عربيًا في مواقفه، وفيًا لأشقائه، ثابتًا في دفاعه عن قضايا أمته. لن يرهبنا الإرهاب، ولن تضللنا الفتن، ولن تجعلنا الأطماع الإسرائيلية نتخلى عن مبادئنا أو عن أشقائنا.

     

    حفظ الله الأردن وقيادته وشعبه، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ الدول العربية الشقيقة، وجمع كلمتها على الخير، وأبقى الأردن وفيًا لرسالته العروبية، ثابتًا على مواقفه، مستقلًا بقراره، لا تحكمه إلا مصلحة الوطن وكرامة الأردنيين.

  • بَيانٌ أم بُهتان؟

    بَيانٌ أم بُهتان؟

    بقلم الأستاذ الدكتور نضال الشريفين.

    للكلمة في فم المسؤول وزنُ المنصب، وتبعةُ السلطة، وأثرٌ قد يتجاوز قصد قائلها؛ فالناس يسمعون في عبارته صوت المؤسسة، ويقرؤون في تصريحه ملامح موقفها، لذلك، فإن الكلام من موقع المسؤولية أمانةٌ تُؤدَّى بعلم، وعهدٌ يُصان بالتثبت؛ فرُبَّ عبارةٍ أطلقتها العجلة، وأعجزت الحكمةَ عن تدارك آثارها،ولنا في حكمة قائدنا وبُعد بصيرته قدوةٌ؛ فالكلمة أمانة، والتثبّت نهج، ولكل مقامٍ مقالٌ يصون الحقّ ويُعلي هيبة الدولة.
    وأول مقتضيات هذه الأمانة أن يعرف المسؤول قبل أن يصف، وأن يتثبت قبل أن يحكم، وأن يزن كلمته قبل أن يطلقها. فلا يجعل من الانطباع دليلًا، ولا من الإشاعة حقيقة، ولا من الانفعال حكمًا. وما لم يستوثق من صحته استيثاقًا يبدد الشك، فلا يقدمه للناس حقيقةً قاطعة؛ فما بقي موضع احتمال، وجب أن يُقال بحدود احتماله. فالثقة في نبرة الصوت لا تمنح الكلام برهانًا، وعلوُّ المنصب لا يجعل الظنَّ يقينًا.
    ومن حق الناس على المسؤول أن يصارحهم بحدود معرفته، فإن جهل، قال: لا أعلم؛ وإن نقصت معلوماته، قال: أتحقق؛ وإن خرج السؤال عن اختصاصه، أحاله إلى أهله،وأن لا يصدر حكمًا في لحظة سكرةٍ يدفع الآخرون ثمنها، ففي الاعتراف بحدود المعرفة نزاهة، وفي احترام الاختصاص حصافة، وفي الإمساك عن القول بغير علم شجاعة. أما ملء الفراغ بعبارات فضفاضة، والاحتماء بكلام يحتمل كل شيء، فمراوغةٌ تؤجل السؤال وتضاعف تبعاته، ومن هانت عليه دقة العبارة، ثقلت على الناس عواقبها.
    إننا نتألم لما نراه من سلوكيات تؤذي مجتمعنا، وتجاوزات تمس قيمه وطمأنينته. لكن وجع المجتمع يستدعي بصيرةً تضبط الانفعال، وعدالةً تمنع التعميم، وإجراءً يعالج الخلل. فلا يُدان الناس بالشبهة، ولا تُختزل الوقائع في مشهد، ولا تُستباح السمعة بتصريح. وكلما كان الحكم أشدَّ أثرًا، كان واجب التثبت أعظم؛ فقد ينقضي التصريح في لحظة، ويبقى جرحه في حياة إنسان سنوات.
    وأشد ما يثقل الكلمة الرسمية أن تنحدر إلى مجاملة زائفة: تُجمِّل تقصيرًا، أو تسترضي جمهورًا، أو تعد بما لا تملك. فالناس أصحاب حقوق، ينتظرون حقيقةً تهديهم، وعدالةً تنصفهم، وعملًا يرون أثره. والكلام الجميل يفقد جماله حين يستر واقعًا قبيحًا، والتعاطف يفقد صدقه حين يصبح بديلًا عن الإنصاف. واحترام مشاعر الناس يقتضي صدق الموقف، ودقة الوعد، والوفاء بما يُقال.
    وليس الصمت المحمود حجبًا للحقيقة، ولا تهربًا من سؤال واجب؛ إنه صمت التثبت حتى تكتمل المعرفة، وصمت الانضباط حين يكون الكلام لجهة مختصة. أما حيث تجب المصارحة، فالكلمة واجب، ووضوحها حق للناس. والحكمة أن يعرف المسؤول متى يقول، وماذا يقول، وبأي دليل يقول؛ وأن يملك شجاعة إعلان الحقيقة، ورزانة الوقوف عند حدودها. فكم من صمتٍ صان حقًّا، وكم من نطقٍ أضاعه.
    ولهذا، ينبغي أن يُحاسَب المسؤول على كل حرف ينطقه من موقعه؛ فالحرف قد يصير اتهامًا، والاتهام قد يهدم سمعة، والوعد قد يعلّق عليه الناس مصائرهم. ومن حقهم أن يسألوا عن سند القول، وصلته باختصاص قائله، ومسؤوليته عن أثره. فإذا أخطأ، وجب التصحيح؛ وإذا ظلم، وجب الإنصاف؛ وإذا ضلّل، وجبت المساءلة. فالاعتذار الصادق يعيد للثقة بعض ما أفقدها الخطأ، أما المكابرة فتستنزف ثقة الناس وهيبة المؤسسة.
    نحتاج إلى مسؤول يسبق علمُه قولَه، ويسبق تثبُّتُه حكمَه، ويشهد فعلُه لصدق وعده؛ يعرف أن المنصب يضاعف التبعة، وأن الكلمة إذا خرجت لم يعد يملك حبس أثرها. فمن لم يملك دليلَ القول، فليملك شجاعةَ الإمساك عنه؛ ومن تصدّر للحكم، فليتهيأ للمساءلة. هكذا تُصان حقوق الناس، وتُحفظ هيبة المؤسسات، وتبقى الكلمة في مقامها: أمانةً ينطق بها العلم، ويحرسها الضمير

  • «داعش» يزرع الفتنة بين الأردن وسوريا

    «داعش» يزرع الفتنة بين الأردن وسوريا

    د. خلف الطاعات 

    لم تكن الضربة الجوية التي نفذها سلاح الجو الملكي الأردني ضد أوكار تنظيمات إرهابية في جنوب سوريا فعلًا معزولا عن سياقه الأمني والسياسي.

    بل جاءت في لحظة بالغة الحساسية أعقبت الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك، والذي أوقع شهداء وجرحى بين المواطنين الأردنيين.

    وقد أعلنت القوات المسلحة الأردنية أن العملية، التي حملت اسم «الردع الأردني ـ حمود»، استهدفت مواقع لتنظيمات إرهابية مرتبطة بالجهات التي وقفت وراء الاعتداء.

    لقد فرضت التطورات الأخيرة على الأردن أن يتعامل مع الخطر كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. فالجنوب السوري ما زال منطقة رخوة أمنيا، وقابلا للاختراق من جانب خلايا داعش، وشبكات التهريب، وتجار المخدرات، وسائر الجماعات المسلحة التي نشأت في بيئة الفوضى الممتدة منذ سنوات. كما أن سيطرة الدولة السورية على أجزاء من هذه المنطقة لا تزال محدودة، الأمر الذي جعلها ممرا للسلاح والمخدرات والعناصر التكفيرية نحو الأراضي الأردنية.

    وفي مثل هذا الواقع، لا يمكن مطالبة الدولة الأردنية بالانتظار حتى تصل النيران إلى داخل حدودها. فحماية أرواح المواطنين، وصون أمن المجتمع، ومنع استهداف دور العبادة، مسؤولية سيادية لا تقبل التأجيل.

    ومن حق الأردن، بل من واجبه، أن يمتلك سياسة ردع قوية تحول دون انتقال الفوضى والخراب من الجنوب السوري إلى أرضه، وأن يلاحق مصادر التهديد عندما تعجز المناطق الخارجة عن السيطرة عن احتوائها.

    غير أن الردع الأردني، والذي جله يتم بتنسيق مع الجانب السوري، لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استهدافا لسوريا أو عداءً لشعبها، بل باعتباره مواجهة للتنظيمات التي تستغل هشاشة الوضع السوري للإضرار بالبلدين معا. فالأردن لم يكن يوما جزءا من مشروع تقسيم سوريا، بل ظل، عبر مواقفه السياسية، يؤكد ضرورة الحفاظ على وحدتها الترابية واستعادة مؤسسات الدولة السورية قدرتها على بسط الأمن والسيادة على كامل أراضيها.

    ومن هذه الزاوية، فإن محاربة الأردن لداعش وشبكات المخدرات والجماعات التكفيرية تخدم بناء دولة سورية قوية وموحدة. فهذه التنظيمات لا تهدد الأردن وحده، بل تقوّض الدولة السورية نفسها، وتمنع استقرار الجنوب، وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية ومشاريع التفكيك. وكل موقع تستعيده الدولة من أيدي المتطرفين والمهربين هو خطوة في اتجاه تثبيت وحدة سوريا، لا انتقاص منها.

    وتتزامن هذه التحديات مع اضطرابات وقلاقل في الساحل والجنوب ودير الزور، بما يؤكد أن سوريا لا تزال تواجه مخاطر متعددة الأشكال، وأن إضعاف مؤسساتها أو ترك مناطق منها بلا حماية فعلية سيمنح التنظيمات المتطرفة فرصة لإعادة إنتاج نفوذها. ولذلك، فإن المصلحة الأردنية والسورية تلتقيان عند هدف واحد وهو قيام دولة سورية قادرة على ضبط حدودها، واحتكار السلاح، وملاحقة التنظيمات الإرهابية، ومنع أراضيها من أن تكون منصة تهديد لدول الجوار.

    ولا تقتصر معركة داعش على الميدان العسكري؛ فالتنظيم يحاول أيضا استثمار وسائل التواصل الاجتماعي في إشعال الفتنة بين الأردن وسوريا. ومن خلال نشر روايات مضللة، وتضخيم الخلافات، وتحويل أي حادث أمني إلى مادة للتحريض، يسعى إلى جرّ العلاقة بين البلدين إلى مربعات العداء. إن التنظيم الذي يعجز عن مواجهة الدولتين مباشرة يحاول تفكيك الثقة بين شعبيهما، وإقناع الرأي العام بأن الخصومة الأردنية السورية هي قدر محتوم.

    وهنا تبرز أهمية الوعي السياسي والإعلامي؛ فالمستفيد الأول من القطيعة بين عمّان ودمشق ليس الشعب الأردني ولا الشعب السوري، بل داعش وشبكات الجريمة والفوضى. ولذلك فإن الحفاظ على قنوات الحوار والتنسيق لا يمثل تنازلا عن السيادة، بل يحرم التنظيمات المتطرفة من أهم أدواتها وهي التحريض، والشك، والانقسام.

    وإذا كانت الضربة الأردنية قد أثارت نقاشا حول السيادة والضحايا المدنيين، فإن هذا النقاش ينبغي أن يُدار عبر القنوات الرسمية والتحقيقات المشتركة، لا عبر تحويله إلى خصومة شعبية أو حملة عداء متبادل. فاحترام السيادة السورية يقتضي تعزيز التنسيق مع دمشق، كما أن حماية الأمن الأردني تقتضي عدم تجاهل التهديدات المنطلقة من مناطق رخوة لا تزال السيطرة عليها ضعيفة.

    إن حق الأردن في حماية مواطنيه لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لتعكير العلاقات الأخوية بين الشعبين، كما أن التعاطف مع المدنيين السوريين لا يجوز أن يُستخدم لتبرير نشاط الجماعات الإرهابية أو منحها فرصة الإفلات من الردع. المعادلة الصحيحة تقوم على الجمع بين الحزم في مواجهة الإرهاب، والحرص على حياة المدنيين، ودعم الدولة السورية في استعادة سيطرتها على كامل أراضيها.

    وفي المحصلة، فإن الردع الأردني ليس مشروعا للعدوان، بل سياسة دفاعية فرضتها طبيعة التهديدات المحيطة. والأردن، وهو يحمي حدوده وأرواح مواطنيه، يدافع في الوقت نفسه عن حق سوريا في أن تكون دولة موحدة لا ساحة مفتوحة لداعش وتجار المخدرات وأمراء الفوضى. أما تحويل هذه المواجهة إلى عداء بين الأردن وسوريا، فليس إلا انتصارا مجانيا للتنظيمات التي تريد للحدود أن تبقى رخوة، وللعلاقات أن تبقى متوترة، وللدولتين أن تنشغلا بالصراع بينهما بدل مواجهة الخطر الحقيقي المشترك