هل يُراد للأردن أن يدفع ثمن مواقفه

هل يُراد للأردن أن يدفع ثمن مواقفه

بقلم :هاشم عقده

حين وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذّر بوضوح من الأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية، مؤكدًا أن الخطر لن يتوقف عند فلسطين، وأن سوريا أصبحت إنذارًا إقليميًا يتجاهله المجتمع الدولي. وفي الخطاب ذاته، شدّد على دور الأردن في مواجهة الإرهاب، وحماية المسيحية وإرثها التاريخي، والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام في وجه الكراهية.

 

كان هذا موقف الأردن الواضح: لا للتوسع الإسرائيلي، لا للإرهاب، ولا لتمزيق المجتمعات على أساس الدين أو الهوية.

 

لكن ما الذي نشهده اليوم؟ اعتداء يستهدف كنيسة في الكرك ويسقط ضحايا أردنيين، وتطورات أمنية خطيرة على الجبهة السورية، وغارات أردنية على مواقع في جنوب سوريا وسط تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين. أحداث متلاحقة تفرض علينا أن نتوقف ونسأل: هل نحن أمام وقائع منفصلة، أم أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع تتقاطع فيها نتائج التطرف مع أطماع التوسع الإسرائيلي؟

 

هل يمكن أن تكون هناك جهات تستفيد من أدوات داعشية لإشعال المنطقة، وضرب استقرار الأردن وسوريا، وإضعاف المواقف العربية الرافضة للمشروع الإسرائيلي؟

 

لا نجزم بما لم تثبته الأدلة، لكننا لا نقبل أن نكون غافلين عما يجري حولنا. فالتزامن وحده لا يثبت وجود مخطط، لكنه يفرض اليقظة والتحقيق وفهم الجهات التي تستفيد من الفوضى. ومن حق الأردنيين أن يعرفوا الحقيقة، ومن واجبنا ألا نسمح بتحويل دماء الأبرياء إلى وقود للفتنة.

 

إن استهداف كنيسة في الكرك ليس اعتداءً على المسيحيين وحدهم، بل اعتداء على الأردن بكل مكوناته. مسيحيو الأردن أهل هذه الأرض وشركاء تاريخها وهويتها، وكنائسهم جزء أصيل من إرثنا الوطني. وحمايتهم واجب لا يقبل المساومة، ومن يعتقد أن الإرهاب قادر على شق صف الأردنيين لا يعرف طبيعة هذا الشعب ولا حقيقة وحدته الوطنية.

 

أما سوريا، التي حذّر جلالة الملك من الأطماع الإسرائيلية في أراضيها، فلا يجوز أن تتحول إلى ساحة تستنزف الأردن وتدفع الشعبين إلى الخصومة. للأردن الحق الكامل في حماية حدوده ومواجهة الإرهاب، وللمدنيين حقهم في الحماية، ولسوريا حقها في الأمن والسيادة. فقوة الأردن لا تتعارض مع الحرص على أرواح الأبرياء وكشف حقيقة ما جرى.

 

وهنا لا بد أن نؤكد أن الأردن لم يكن يومًا دولة تنظر إلى محيطها العربي من خلف حدودها فقط. لقد كان، بقيادته الهاشمية، حاضرًا في دعم الأشقاء والوقوف إلى جانب قضاياهم، وتحمل أعباء الأزمات الإقليمية واللجوء، والدفاع عن القضية الفلسطينية، والسعي إلى حماية أمن الدول العربية واستقرارها.

 

الموقف الأردني من الأشقاء ليس ورقة سياسية تتبدل مع الظروف، ولا موقفًا مؤقتًا تحكمه المصالح الآنية؛ إنه نهج عروبي أصيل، لن تغيّره الأزمات، ولن تنال منه محاولات التشكيك أو الفتنة.

 

الأردن الذي وقف إلى جانب فلسطين لن يتخلى عن حق شعبها، والأردن الذي يريد لسوريا الأمن والاستقرار لا يريد لها أن تكون ساحة للتوسع الإسرائيلي أو صراعات تستنزف شعبها، والأردن الذي يعتز بعلاقاته مع أشقائه سيبقى حريصًا على أمنهم وسيادتهم، كما يحرص على أمنه وسيادته.

 

إن محبة الأردن وقيادته لا تعني الصمت عن الأسئلة الصعبة، بل تعني طرحها بمسؤولية، والبحث عن الحقيقة، والحرص على ألا يدفع وطننا ثمن أخطاء الآخرين أو حساباتهم. فقوة الدولة لا تقوم على الأمن وحده، بل على الثقة والعدالة ووحدة الصف وثبات المبادئ.

 

الأردن ليس ساحة للمؤامرات، وقيادته ليست موضع ابتزاز، ووحدته الوطنية ليست ورقة في يد الإرهاب. نقف خلف جلالة الملك في حماية مصالح الأردن والدفاع عن أمنه، ونعتز بجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، ونرفض كل اعتداء يستهدف أبناء وطننا، مسلمين ومسيحيين.

 

وفي الوقت ذاته، نتمسك بعروبتنا، ونؤمن بأن قوة الأردن تزداد بقوة أشقائه واستقرارهم، وأن أمن المنطقة لا يتحقق بإضعاف الدول أو تمزيق الشعوب، بل بالتعاون واحترام السيادة ومواجهة الإرهاب والتوسع والاحتلال.

 

إذا كان هناك من يظن أن إشعال الفتنة في الكرك، أو تأزيم العلاقة بين الأردن وسوريا، أو استنزاف الدول العربية سيجعل الأردن يتراجع عن مواقفه، فهو لا يعرف الأردن ولا يعرف قيادته.

 

سيبقى الأردن قويًا بقيادته الهاشمية، عصيًا بجيشه وأجهزته الأمنية، متماسكًا بوحدة شعبه، عربيًا في مواقفه، وفيًا لأشقائه، ثابتًا في دفاعه عن قضايا أمته. لن يرهبنا الإرهاب، ولن تضللنا الفتن، ولن تجعلنا الأطماع الإسرائيلية نتخلى عن مبادئنا أو عن أشقائنا.

 

حفظ الله الأردن وقيادته وشعبه، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحفظ الدول العربية الشقيقة، وجمع كلمتها على الخير، وأبقى الأردن وفيًا لرسالته العروبية، ثابتًا على مواقفه، مستقلًا بقراره، لا تحكمه إلا مصلحة الوطن وكرامة الأردنيين.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *