المحامي الدكتور علي سليم الحموري
في عالم تتصاعد فيه النزاعات المسلحة، وتتراجع فيه ضمانات حماية المدنيين، وتتسع فيه الفجوة بين قواعد القانون الدولي وتطبيقها، جاء الإعلان عن منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية والحقوقية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ليحمل رسالة تتجاوز حدود التكريم الشخصي، مفادها أن السلام المستدام لا ينفصل عن احترام سيادة القانون، وأن صون الكرامة الإنسانية لا يجوز أن يخضع للمصالح السياسية أو ازدواجية المعايير.
وتكتسب هذه الجائزة دلالة خاصة بالنظر إلى المسيرة القانونية والحقوقية لبيلاي، التي ارتبط اسمها بمناهضة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وعملها قاضيةً في المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وتوليها منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، فضلًا عن رئاستها لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل. وهي مسيرة تعكس أهمية القانون الدولي في حماية حقوق الإنسان، وتعزيز المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، ومكافحة الإفلات من العقاب.
غير أن الاحتفاء بالمدافعين عن العدالة يثير تساؤلًا جوهريًا: هل يكفي أن يكرّم المجتمع الدولي من يدافعون عن حقوق الإنسان، بينما تستمر الحروب والانتهاكات الجسيمة، ويعاني المدنيون من القتل والتهجير والتجويع، وتواجه آليات العدالة الدولية تحديات تعوق إنصاف الضحايا ومساءلة المسؤولين؟
ويكتسب هذا التساؤل أهمية إضافية مع استعداد الأردن لاستضافة المؤتمر الدولي رفيع المستوى «صون الإنسانية في الحرب»، في السابع من كانون الأول 2026، أي قبل ثلاثة أيام من الموعد المقرر لتسليم جائزة نوبل للسلام في أوسلو. ورغم اختلاف طبيعة المناسبتين، فإنهما تلتقيان عند مبدأ جوهري، وهو أن صون الكرامة الإنسانية يتطلب الانتقال من الخطاب الأخلاقي والتعهدات السياسية إلى احترام القواعد القانونية وتنفيذ الالتزامات الدولية.
وقد أكدنا في مقال سابق بعنوان «من عمّان إلى العالم: رسم خارطة طريق للقانون الدولي الإنساني في عصر اللاإنسانية» أن الأزمة التي تواجه القانون الدولي الإنساني لا تتمثل أساسًا في غياب القواعد القانونية، وإنما في ضعف احترامها والامتثال لها وإنفاذها، فضلًا عن قصور المساءلة عن انتهاكاتها. فاتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي الإنساني ترسي التزامات قانونية ملزمة لحماية الأشخاص المشمولين بالحماية أثناء النزاعات المسلحة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان احترام تلك الالتزامات وتطبيقها على أرض الواقع.
ومن هنا، تبرز أهمية مؤتمر عمّان بوصفه فرصة لتعزيز احترام القانون الدولي الإنساني، ودعم حماية المدنيين، وتطوير آليات الامتثال والمساءلة، ومواجهة التحديات التي تفرضها النزاعات المعاصرة، ولا سيما استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية الحديثة. ولا ينبغي اختزال نجاح المؤتمر في اتساع المشاركة الدولية أو قوة بياناته الختامية، بل في قدرته على الدفع نحو تدابير عملية ومؤشرات واضحة للمتابعة والتقييم.
ومع ذلك، فإن الجوائز الدولية والمؤتمرات رفيعة المستوى، على أهميتها السياسية والمعنوية، لا تشكل بذاتها ضمانة لتحقيق العدالة. فالاحتفاء بالقانون الدولي لا يغني عن احترامه، والتعهد بحماية المدنيين لا يعفي الدول وأطراف النزاعات المسلحة من التزاماتها القانونية.
ولعل الاختبار الأصعب أمام المجتمع الدولي يتمثل في تجاوز الانتقائية وازدواجية المعايير؛ إذ لا يجوز أن تختلف قيمة الحياة الإنسانية باختلاف جنسية الضحايا أو هويتهم أو موقعهم الجغرافي، ولا أن تخضع المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لحسابات التحالفات والمصالح السياسية.
وإذا كانت جائزة نوبل قد كرّمت شخصية جعلت الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان جزءًا أساسيًا من مسيرتها، فإن مؤتمر عمّان الدولي «صون الإنسانية في الحرب» يمثل فرصة لتحويل المبادئ الإنسانية إلى تدابير عملية تعزز احترام القانون الدولي الإنساني وحماية ضحايا النزاعات المسلحة؛ فالانتصار الحقيقي للإنسانية والعدالة لا يُقاس بالجوائز التي تُمنح، ولا بالمؤتمرات التي تُعقد، وإنما بالأرواح التي تُحمى، والحقوق التي تُصان، والانتهاكات التي لا تمر دون مساءلة.
أستاذ مشارك في القانون الدولي العام
جامعة العلوم التطبيقية الخاصة

اترك تعليقاً