عَمّان المدينة التي كبرت والأردني الذي ظلّ يحملها في قلبه

بقلم ‏امل خضر
‏
‏من يقف اليوم على أحد جبال عمّان وينظر إلى المدينة طويلًا، سيكتشف شيئًا لا تقوله الأبنية وحدها، هذه ليست المدينة نفسها التي كانت في ذاكرة آبائنا، ولسنا نحن الأردنيين الذين كنا عليها قبل سنوات طويلة.
‏
‏عمّان التي عرفها جيل آبائنا كانت أكثر بساطة، بيوت متقاربة، محال صغيرة يعرف أصحابها بعضهم بعضًا، وجيران يتقاسمون تفاصيل الحياة اليومية، ووجوه مألوفة تصادفها في الحي أكثر مما تصادفها على شاشات الهواتف.
‏
‏أما عمّان اليوم، فقد كبرت كثيرًا. تمددت المباني، ازدحمت الشوارع، تضاعفت السيارات، وتغيرت تفاصيل الحياة معها. لم تعد المدينة التي يعرف فيها الجميع بعضهم بعضًا، بل أصبحت مدينة واسعة تتسارع فيها الحياة، وتتغير فيها الوجوه والأماكن بوتيرة يصعب معها الاحتفاظ بكل شيء في الذاكرة.
‏
‏لكن التغيير لم يكن في شكل المدينة وحده، فالحياة نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا. الإيجار، الأقساط، المدارس، الجامعات، المواصلات، وفواتير الحياة اليومية، كلها أصبحت جزءًا من حسابات الأسرة الأردنية، فيما يحاول كثير من الناس الحفاظ على مستوى معيشي مناسب في ظل متطلبات تتزايد عامًا بعد آخر.
‏
‏والشباب، الذين ينظرون إلى سنوات الدراسة باعتبارها الطريق إلى مستقبل أفضل، يجد بعضهم نفسه بعد الحصول على الشهادة أمام سؤال آخر أكثر صعوبة: وماذا بعد الشهادة؟
‏
‏هذا السؤال لا يتعلق بالوظيفة وحدها، بل بما يريده الشاب من حياته، هل يستطيع أن يجد فرصة تمنحه الاستقرار؟ هل يستطيع أن يبدأ حياته دون أن تبقى سنوات طويلة معلقة على فرصة قد تأتي أو لا تأتي؟ وهل يستطيع أن يرى في بلده مساحة حقيقية لتحقيق طموحه؟
‏
‏وفي المقابل، تحاول الطبقة الوسطى الحفاظ على توازنها وسط هذه التحولات. فالمسألة بالنسبة لكثير من الأسر لم تعد مرتبطة بتحسين مستوى المعيشة فقط، بل بالمحافظة على ما استطاعت بناءه خلال سنوات من العمل.
‏
‏ومع ذلك، بقيت عمّان والأردن عمومًا يحملان شيئًا يصعب اختزاله بالأرقام، وهو الإحساس بالأمان والاستقرار الذي يقدّره كثير من الناس، خصوصًا في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية أزمات وحروبًا واضطرابات تركت آثارها على محيط الأردن.
‏
‏لكن الاستقرار وحده لا يكفي دائمًا لصناعة المستقبل. الإنسان يحتاج أيضًا إلى فرصة، وإلى شعور بالكرامة، وإلى قدرة على التخطيط لحياته دون أن تتحول كل خطوة إلى معركة مع الظروف.
‏
‏حتى العلاقات الاجتماعية تغيرت. لم تعد الزيارات كما كانت، ولا الأحاديث اليومية كما كانت، وأصبحت الهواتف والشاشات حاضرة في تفاصيل كثيرة من حياتنا. قد يجلس أفراد الأسرة في المكان نفسه، لكن كل واحد منهم يعيش جزءًا من وقته داخل عالم مختلف على شاشة صغيرة.
‏
‏ومع ذلك، لا تزال في المجتمع الأردني صور كثيرة من التكافل والكرم والوقوف إلى جانب الآخرين. في الأزمات، وفي الأفراح والأحزان، تظهر تلك الروح التي يعرفها الأردنيون جيدًا، وكأن بعض الأشياء قادرة على الصمود مهما تغيرت المدينة من حولها.
‏
‏ربما المشكلة ليست في أن عمّان تغيرت، فالتغيير جزء طبيعي من حياة المدن. المشكلة الحقيقية هي كيف نحافظ على ذاكرتنا ونحن نبني المستقبل، وكيف نمنح أبناءنا مدينة حديثة دون أن نتركهم غرباء عن قصصها وأحيائها وبيوتها القديمة وأسماء شوارعها وذكريات من سبقوهم.
‏
‏التطور ليس عدوًا للذاكرة، والحداثة لا تعني بالضرورة التخلي عن كل ما كان جميلًا. يمكن للمدينة أن تكبر، وأن تتغير، وأن تحتفظ في الوقت نفسه بجزء من روحها.
‏
‏ولهذا ربما يكون السؤال الأهم ليس ماذا خسرنا من عمّان القديمة، بل ماذا نريد أن نترك لأبنائنا من عمّان الجديدة؟
‏
‏ماذا سيجد طفل اليوم عندما يقف بعد عشرين عامًا في المكان نفسه وينظر إلى المدينة؟ هل سيراها مجرد أبنية وطرق ومشاريع، أم سيجد فيها شيئًا من الحكايات التي جعلت هذه المدينة أكثر من مجرد مكان للسكن؟
‏
‏عمّان ستواصل التغير، وهذا أمر لا يمكن إيقافه، لكن يمكن أن نختار كيف يكون هذا التغيير، وأن نحاول أن نحفظ من ذاكرتنا ما يستحق أن يبقى.
‏
‏فإن عمّان، مهما تغيرت ملامحها، لن تكون قد فقدت شيئًا جوهريًا. ستكون فقط قد كبرت. وكبر معها الأردن.
‏
‏

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *