من عمّان إلى المستقبل: من وعد الذكاء الاصطناعي إلى عاصمة البيئة العربية

بقلم المحامي الدكتور علي سليم الحموري

كتبتُ سابقًا عن «وعد الذكاء الاصطناعي» من عمّان، وعن قدرة الأردن على تحويل التكنولوجيا من موجة عالمية إلى أداة وطنية للتنمية. واليوم، مع اختيار عمّان عاصمةً للبيئة العربية، تتسع الصورة؛ فمستقبل المدن لا يُبنى بالتكنولوجيا وحدها، ولا بالسياسات البيئية منفردة، بل بالتكامل بين التحول الرقمي، والاستدامة، والحوكمة الرشيدة.

إن اختيار عمّان عاصمةً للبيئة العربية، استنادًا إلى مجموعة واسعة من المؤشرات والمعايير البيئية والحضرية، يمثل تقديرًا للجهود الوطنية المتراكمة، لكنه يضع العاصمة، في الوقت ذاته، أمام استحقاق جديد: كيف يمكن تحويل هذا اللقب من إنجاز معنوي إلى نتائج ملموسة تنعكس على البيئة وجودة حياة السكان؟

وشملت المعايير التي استند إليها الاختيار التغير المناخي، والنقل المحلي، والمساحات الخضراء، والاستخدام المستدام للأراضي، والطبيعة والتنوع البيولوجي، ونوعية الهواء، وإدارة النفايات، والمياه، وكفاءة الطاقة، والابتكار البيئي، والإدارة البيئية المتكاملة، إلى جانب دور المجتمع والمنظمات غير الحكومية. وهذه المعايير تؤكد أن مفهوم المدينة البيئية لم يعد يقتصر على التشجير والنظافة العامة، بل أصبح يرتبط بكفاءة إدارة الموارد، والحد من الضغوط البيئية، وتعزيز القدرة على التكيف مع آثار التغير المناخي، وتحسين نوعية الحياة.

وفي ملف النفايات تحديدًا، فإن إدخال آليات حديثة وتطوير خدمات الجمع والمعالجة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لبناء منظومة تدوير مستدامة. فالمعالجة الفاعلة تبدأ من الفرز من المصدر في المنازل، والمدارس، والمؤسسات، والمحال التجارية. وكلما جرى فصل المواد القابلة لإعادة التدوير قبل اختلاطها بالنفايات الأخرى، ارتفعت كفاءة الاسترداد، وانخفضت كلفة المعالجة، وتحسنت جودة المواد القابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير. ومن ثم، ينبغي أن ترافق أي خطة لتطوير إدارة النفايات حاويات مخصصة، وتعليمات واضحة، وبرامج توعية، وحوافز للالتزام، وآليات متابعة وتقييم، بما يرسخ الانتقال نحو الاقتصاد الدائري.

لكن حماية البيئة لا يمكن أن تبقى مسؤولية الجهات الرسمية وحدها. فالبيئة منفعة عامة، وحمايتها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأفراد لذلك يجب أن يكون إشراك المواطنين جزءًا أصيلًا من أي خطة بيئية، لا من خلال التوعية فقط، بل أيضًا عبر إتاحة المعلومات البيئية، والاستماع إلى ملاحظاتهم، وإشراكهم في المبادرات المحلية، وتمكينهم من متابعة مستوى الخدمات البيئية في أحيائهم والمساهمة في تحسينها.

وهنا يظهر الرابط المباشر مع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. فالمدن الحديثة تحتاج إلى أدوات ذكية لرصد جودة الهواء، وتحليل أنماط الحركة والازدحام، وتحسين كفاءة النقل، ومتابعة استهلاك المياه والطاقة، وتطوير إدارة النفايات ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تحليل البيانات البيئية ودعم اتخاذ القرار، بشرط أن يظل استخدامه محكومًا بالشفافية، والمساءلة، وحماية البيانات والحقوق.

وكما أن الاستراتيجيات الرقمية لا تحقق أهدافها من دون تنفيذ فعلي، فإن لقب عاصمة البيئة العربية لا يكتسب قيمته من الإعلان وحده، المطلوب هو برنامج عمل واضح، يتضمن أهدافًا زمنية ومؤشرات قابلة للقياس والمتابعة، مثل نسب إعادة التدوير، وحصة النقل المستدام، ومستويات جودة الهواء، وكفاءة استخدام المياه والطاقة، ونصيب الفرد من المساحات الخضراء.

ومن «وعد الذكاء الاصطناعي» إلى «عاصمة البيئة العربية»، تبدو الرسالة واحدة: القيمة الحقيقية لا تكمن في الشعارات أو الألقاب، بل في القدرة على تحويلها إلى سياسات قابلة للقياس، ومؤسسات فاعلة، ومشاركة مجتمعية حقيقية، ونتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *