الكرك تنبض بالأردن… حين ينتصر التلاحم على الفتنة

بقلم : غالب الكوفحي

ليست الأوطان مجرد حدود ترسمها الجغرافيا، ولا تاريخًا تحفظه الكتب، بل هي روابط إنسانية تتجلى حقيقتها في أوقات الشدائد، حين يقف الناس معًا، وتتقدم قيم المواطنة على كل اختلاف، ويصبح الألم مشتركًا لا تفرّقه المعتقدات ولا تمزقه محاولات الفتنة.

ومن هذه المعاني تستمد الكرك مكانتها في الوجدان الأردني؛ فهي مدينة تختزن ذاكرة الوطن وتضحيات أبنائه، وتحمل في تاريخها شواهد على التلاقي والتآخي بين المسلمين والمسيحيين. وفيها تتجسد صورة الأردن الذي لم يكن يومًا وطنًا لفئة دون أخرى، بل بيتًا جمع أبناءه على الأرض والكرامة والمصير المشترك.

إن الجريمة التي شهدتها كنيسة حمود في الكرك ليست حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالصمت أو الاكتفاء باستنكارها، بل هي جرح إنساني ووطني يستدعي موقفًا يجمع بين الحزم القانوني والوعي المجتمعي. فحرمة الدم واحدة، وكرامة الإنسان لا تتجزأ، والاعتداء على مواطن أو مكان عبادة هو اعتداء على قيم الوطن وأمنه واستقراره.

لقد عرف الأردن محطات قاسية، ودفعت الكرك نفسها أثمانًا مؤلمة في مواجهة الإرهاب، لكنها أثبتت أن قوة المجتمعات لا تكمن في غياب المحن، بل في قدرتها على تجاوزها دون أن تسمح للجراح بأن تتحول إلى خصومات أو للدموع بأن تصبح وقودًا للانقسام. ومن هنا، فإن الوفاء للضحايا لا يكون بالحزن وحده، وإنما بتحويل هذا الحزن إلى موقف وطني يحمي المجتمع ويمنع تكرار المأساة.

وفي هذا السياق، حمل حضور جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الكرك، ومشاركته أهلها مصابهم، وما رافقه من حضور رسمي ومجتمعي واسع، دلالة واضحة على أن الدولة تقف إلى جانب مواطنيها في أوقات الألم، وأن مسؤوليتها في حماية الإنسان وصون كرامته لا تعرف تمييزًا. فحين تلتقي القيادة ومؤسسات الدولة وأبناء المجتمع في بيت عزاء، تتجسد وحدة المصير، ويتأكد أن وجع أسرة أردنية هو وجع الوطن كله.

لكن المواقف الوطنية، مهما بلغت أهميتها، ينبغي أن تتبعها خطوات عملية تترجم التعاطف إلى حماية مستدامة. فالمطلوب هو إنفاذ القانون بعدالة، ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة، ومواجهة الفكر المتطرف الذي يحاول تحويل الاختلاف إلى عداوة، فضلًا عن التصدي للشائعات وخطابات التحريض التي قد تستغل المأساة للنيل من الثقة بين أبناء المجتمع الواحد.

ولا تقل مسؤولية المجتمع أهمية عن مسؤولية الدولة؛ فالمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والأسرة ومؤسسات الإعلام والثقافة جميعها معنية بترسيخ ثقافة الاحترام وقبول الآخر، وتعزيز الوعي بأن الاختلاف في العقيدة لا ينتقص من حقوق المواطنة، وأن الانتماء الوطني يجمع الأردنيين تحت مظلة القانون والعدالة والمساواة.

إن الهلال والصليب في الأردن ليسا عنوانين للتباعد، بل شاهدان على تاريخ من الشراكة الإنسانية والوطنية. وقد أثبتت التجربة الأردنية أن التعايش الحقيقي لا يقوم على المجاملات الموسمية، وإنما على الاحترام المتبادل، وصيانة الحقوق، والشعور بأن لكل مواطن مكانته وكرامته وحقه الكامل في الحياة الآمنة.

ومن هنا، فإن حماية دور العبادة ليست شأنًا دينيًا خاصًا بأتباع هذا الدين أو ذاك، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية. كما أن صون المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها مقدسات القدس، يعكس رسالة الأردن التاريخية في الدفاع عن حرية العبادة وحماية الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة، وترسيخ قيم الحوار والسلام.

إن قوة الأردن لا تُقاس فقط بقدرات مؤسساته الأمنية، على أهميتها، بل أيضًا بمتانة علاقات أبنائه، وثقتهم بدولتهم، وإيمانهم بأن العدالة هي الضمانة الحقيقية للاستقرار. فالأمن الذي لا تسنده عدالة يبقى ناقصًا، والوحدة التي لا تحميها المواطنة المتساوية تظل عرضة للاهتزاز، أما الدولة التي تجمع بين قوة القانون واحترام الإنسان، فإنها تمتلك مقومات الصمود في وجه المحن.

ومن الكرك، تتجدد رسالة الأردن إلى أبنائه وإلى المنطقة بأسرها: لن تكون الجريمة سببًا للتباعد، ولن تتحول دور العبادة إلى ساحات للصراع، ولن يُسمح للكراهية بأن تختطف تاريخًا من التآخي والشراكة. فالأردنيون، مهما تنوعت معتقداتهم، تجمعهم أرض واحدة وحقوق مشتركة ومسؤولية واحدة عن مستقبل وطنهم.

إن الأوطان لا تنتصر على الفتنة بالشعارات وحدها، بل حين تتحول وحدتها إلى سلوك يومي، وعدالتها إلى ممارسة، وتسامحها إلى ثقافة تحمي الإنسان من الإقصاء والكراهية. وهذا ما ينبغي أن يبقى حاضرًا في الوعي الوطني، لا في أعقاب المآسي فحسب، بل في تفاصيل الحياة العامة كلها.

هنا الأردن؛ وطن يجمع ولا يفرّق، ويصون كرامة الإنسان ولا يساوم عليها. ومن الكرك، التي تختزن ذاكرة التضحية ومعاني التآخي، نؤكد أن وحدتنا ليست مجرد رد فعل على الجريمة، بل خيار وطني راسخ، وأن التعايش ليس ضعفًا، بل قوة المجتمع، وأن السلام العادل ليس أمنية بعيدة، بل ضرورة لحماية الأوطان وصناعة مستقبل أكثر أمنًا وكرامة لأجيالنا القادمة .

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *