العدالة البيئية في الأردن: التشريع وحده لا يكفي

بقلم المحامي الدكتور علي سليم الحموري
أستاذ القانون الدولي والبيئي المشارك

شكّل إطلاق دراسة «حالة العدالة البيئية في الأردن وأثرها القانوني والاقتصادي والاجتماعي على الأفراد والمجتمعات»، برعاية دولة رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز، خطوة مهمة في تقييم واقع الحماية البيئية في الأردن، والانتقال من الطرح النظري لمفهوم العدالة البيئية إلى قياس مدى فاعلية التشريعات والأحكام القضائية في حماية الإنسان والموارد الطبيعية.

وتكتسب الدراسة، التي أعدّها المركز الوطني للعدالة البيئية بالتعاون مع المركز الإقليمي لعدالة الطاقة والمناخ في مؤسسة فريدريش إيبرت، أهمية خاصة؛ لاعتمادها على تحليل 9734 حكمًا قضائيًا في قضايا بيئية، صادرة عن محاكم الصلح والبداية خلال الأعوام 2018–2022.

فالعدالة البيئية لا تعني مجرد معاقبة من يلقي النفايات أو يتسبب في تلويث الهواء والمياه، بل تقوم على ضمان التوزيع العادل للمنافع والأعباء البيئية، وحماية حق الأفراد والمجتمعات في بيئة سليمة، وتمكين المتضررين من الوصول إلى المعلومات والمشاركة في صنع القرارات ذات الأثر البيئي واللجوء الفعّال إلى القضاء.

وتكشف الدراسة عن مفارقة أساسية؛ فعلى الرغم من العدد الكبير للأحكام القضائية، لم يصاحب هذا النشاط الكمي أثر ردعي مماثل. فقد انتهت نحو 69.5% من الأحكام بفرض الغرامة فقط، وتركز جانب كبير منها ضمن مبالغ منخفضة نسبيًا. وعندما تصبح كلفة المخالفة أقل من المنفعة الاقتصادية المتحققة منها، قد تتحول العقوبة إلى كلفة تشغيلية، بدلًا من أن تؤدي وظيفتها في الردع ومنع تكرار الضرر.

كما يُظهر التحليل أن معظم القضايا انصبّ على المخالفات البسيطة، مثل إلقاء النفايات والمكاره الصحية والاعتداءات الفردية البسيطة، مقابل حضور محدود للجرائم الصناعية وحالات التلوث واسعة النطاق. كذلك شكّل الأشخاص الطبيعيون نحو 94.3% من المشتكى عليهم، مقابل 5.7% فقط من الأشخاص الاعتباريين، ما يثير تساؤلًا مشروعًا حول مدى فاعلية ملاحقة الشركات والمنشآت الكبرى في القضايا البيئية المعقدة.

وكشفت الدراسة أيضًا عن تفاوت جغرافي في إنفاذ القانون، إذ تركز نحو 72% من الأحكام في محافظات إربد وعمان والزرقاء. ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه المحافظات هي الأكثر تعرضًا للأضرار البيئية؛ فقد يعكس ارتفاع عدد القضايا كثافة أعمال التفتيش والنشاط الاقتصادي وسهولة الوصول إلى الجهات المختصة، بينما قد يكشف انخفاضها في محافظات أخرى عن ضعف الرصد والإبلاغ والإنفاذ.

إن تطوير منظومة العدالة البيئية يتطلب مراجعة أوجه التداخل بين التشريعات، وربط مقدار الغرامة بحجم الضرر البيئي والمنفعة الاقتصادية التي حققها المخالف، وإنشاء محاكم بيئية متخصصة، أو استحداث غرف قضائية بيئية ضمن المحاكم النظامية، على غرار الغرفة الاقتصادية، بحيث تضم قضاة مؤهلين للتعامل مع الطبيعة القانونية والفنية المعقدة للمنازعات والجرائم البيئية.

كما يتطلب الأمر النص بصورة واضحة ومتكاملة على منح الموظفين المختصين في وزارة البيئة صفة الضابطة العدلية، وتحديد صلاحياتهم في التفتيش وضبط المخالفات وجمع الأدلة وإعداد المحاضر، أسوة بما أخذ به قانون الزراعة وغيره من التشريعات القطاعية. ويجب أن يقترن ذلك بتدريبهم على توثيق الضرر البيئي والمحافظة على الأدلة وإثبات العلاقة السببية، بما يضمن إحالة ملفات مكتملة إلى النيابة العامة والقضاء.

وتفتح نتائج الدراسة المجال أمام نقاش وطني جاد حول دسترة الحق في بيئة سليمة، بما يرسخه حقًا أصيلًا للأفراد والمجتمعات والأجيال القادمة. فالعدالة البيئية لا تُقاس بعدد التشريعات والأحكام، بل بقدرتها على منع الضرر ومحاسبة المتسبب فيه وإصلاح آثاره. ومن هنا، يتمثل التحدي الحقيقي أمام الأردن في الانتقال من كثافة التشريعات والأحكام إلى فاعلية الحماية وعدالة الأثر.

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *