بقلم الصحفي علي فريحات
في أوقات المحن والأحداث الاستثنائية تتعاظم مسؤولية الإعلام في نقل الحقيقة ومواجهة الشائعات، وتعزيز الوعي المجتمعي، والحفاظ على السلم الأهلي ووحدة الصف الوطني إذ لا تقتصر رسالته على نقل الاخبار بل تمتد لتشمل حماية المجتمع من التضليل وتقديم المعلومات الدقيقة التي تساعد المواطنين على فهم الأحداث والتعامل معها بمسؤولية ووعي.
وتتجلى هذه المسؤولية بوضوح في أعقاب حادثة إطلاق النار التي استهدفت كنيسة في قرية الحمود بمحافظة الكرك، وما أسفرت عنه من ضحايا ومصابين في حادثة مؤلمة تستدعي موقفًا وطنيًا وإنسانيًا يؤكد رفض العنف والاعتداء على دور العبادة والمواطنين ويشدد على ضرورة التعامل مع تداعياتها بعيدًا عن الشائعات والتأويلات غير المستندة إلى معلومات موثوقة.
وفي مثل هذه الظروف يصبح الإعلام المهني أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بأخلاقيات المهنة وقدرته على الموازنة بين حق الجمهور في المعرفة وضرورة الحفاظ على الأمن المجتمعي خصوصًا في ظل الانتشار السريع للمعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي التي باتت بيئة خصبة لتداول الأخبار غير الدقيقة والمقاطع المجتزأة والروايات مجهولة المصدر.
إن خطورة الشائعات لا تكمن فقط في كونها معلومات مغلوطة بل في قدرتها على استغلال مشاعر الخوف والحزن والغضب، وتحويل الأحداث المؤلمة إلى مساحة للبلبلة وإثارة الانقسامات. وقد تؤدي معلومة غير مؤكدة إذا جرى تداولها على نطاق واسع إلى الإساءة لأشخاص أو مؤسسات أو إثارة حساسيات اجتماعية ودينية أو التأثير في ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام الوطنية في التصدي لهذه الظاهرة، من خلال الالتزام بالدقة والموضوعية والعودة إلى المصادر الرسمية والموثوقة وعدم استباق نتائج التحقيقات أو نشر معلومات تتعلق بدوافع الحوادث وملابساتها قبل التحقق منها وإعلانها من الجهات المختصة.
فالسبق الصحفي الحقيقي لا يقاس بسرعة النشر وحدها وإنما بمدى صحة المعلومة ومصداقيتها وبقدرة الصحفي على تقديمها ضمن سياقها الصحيح بعيدًا عن الإثارة والمبالغة والعناوين التي تستهدف زيادة التفاعل على حساب الحقيقة.
إن حادثة كنيسة الحمود في الكرك تؤكد أهمية التمسك بقيم المواطنة والتآخي والتسامح التي تشكل ركيزة أساسية في المجتمع الأردني وتبرز ضرورة عدم السماح لأي حادثة، مهما كانت خطورتها بأن تتحول إلى مدخل لإثارة الفتنة أو المساس بالنسيج الاجتماعي المتماسك.
فالأردنيون بمختلف مكوناتهم، تجمعهم روابط التاريخ والمصير المشترك والانتماء إلى الوطن وتبقى حرمة الإنسان وكرامته وأمنه قيمًا جامعة لا تقبل التجزئة.
و لا بد من التأكيد أن مواجهة الشائعات ليست مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون المؤسسات الرسمية والإعلاميين والمواطنين وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات قبل تداولها، وعدم الانسياق وراء المنشورات المجهولة أو الرسائل التي تفتقر إلى المصادر الواضحة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، ونشر الوعي بأساليب التضليل، وترسيخ ثقافة تحترم الحقيقة وتنبذ التحريض، وتدرك أن حرية التعبير حق أصيل يقترن بالمسؤولية، وأن النقد المشروع يختلف عن نشر الأكاذيب والاتهامات غير المثبتة أو المساس بكرامة الآخرين.
ففي أوقات الأزمات لا تكون قوة الإعلام في سرعة نشر الخبر فحسب، بل في قدرته على حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعات، وصون وحدة المجتمع وترسيخ الثقة بأن الأردن سيبقى قويًا بتماسك أبنائه ووعيهم واحترامهم لسيادة القانون.
حفظ الله الأردن وقيادته الهاشمية وأبناء شعبه وأجهزته الأمنية وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وحمى الله الأردن من كل سوء، وأبقى رايته خفّاقة بالعزّ والكرامة، واحةً للأمن والسلام والوحدة الوطنية.

اترك تعليقاً