خطاب الملك أمام الأمم المتحدة .. القانون الدولي أمام اختبار الفعل والمساءلة

إنجاز – تجاوز خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حدود توصيف الأزمات إلى مساءلة الأدوات الدولية المتاحة للتعامل معها، مؤكداً أن استمرار الانتهاكات، ولا سيما ما يتصل بالقضية الفلسطينية، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية الانتقال من المواقف إلى إجراءات تكفل احترام القانون الدولي.

وأكد خبراء ومحللون سياسيون لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن الخطاب حمل دلالات سياسية وقانونية وإقليمية عكست ثوابت الموقف الأردني تجاه القضية الفلسطينية، ومسؤولية المجتمع الدولي في التعامل مع تداعياتها، إلى جانب ما تفرضه التطورات الإقليمية من تحديات تمس أمن المنطقة واستقرارها.

وقال نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور محمد الحلايقة، إن خطاب جلالة الملك وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته فيما يتعلق باستمرار الانتهاكات وتراجع فاعلية أدوات القانون الدولي، مضيفا أن أهمية الخطاب لا تكمن فقط في القضايا التي تناولها، وإنما في الرسائل السياسية التي حملها، إذ بدا واضحاً أن جلالة الملك يتعامل مع التطورات في المنطقة باعتبارها مترابطة، وأن استمرار معالجة الأزمات بصورة جزئية أو مؤقتة يفاقم مخاطرها ويوسع تداعياتها.

وأشار إلى أن التركيز على الضفة الغربية إلى جانب غزة يعكس قراءة أردنية لطبيعة المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية وتداعياتها على القضية الفلسطينية والمنطقة، فيما حملت الإشارة إلى جنوب سوريا والجولان دلالة مهمة تتصل مباشرة بالأمن الأردني، بما في ذلك الأمن المائي.

وأوضح أن الأمن المائي بالنسبة للأردن ليس ملفاً فنياً أو قضية موارد فحسب، بل جزء أساسي من الأمن الوطني والاستراتيجي، وأن أي تغيير في واقع الموارد المائية أو السيطرة عليها في دول الجوار يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على المملكة، ما يجعل حماية الحقوق والمصالح المائية الأردنية مسألة تتجاوز حدود السياسة الخارجية إلى صميم الأمن الوطني.

وأضاف أن اللافت في الخطاب هو الانتقال من التحذير من تداعيات السياسات الإسرائيلية إلى التأكيد على ضرورة أن يترتب على مخالفة القانون الدولي ثمن سياسي واقتصادي، معتبراً أن الدعوة إلى العقوبات تعكس اتجاهاً نحو تحميل المجتمع الدولي مسؤولية استخدام أدواته المتاحة، بدلاً من الاكتفاء بإدانة الانتهاكات.

وقال الحلايقة إن الخطاب في مجمله يعكس رؤية أردنية تعتبر أن استمرار التعامل مع إسرائيل باعتبارها مستثناة من قواعد القانون الدولي يهدد منظومة الأمن والاستقرار في المنطقة، وأن معالجة هذا الخلل لم تعد شأناً فلسطينياً أو أردنياً فقط، وإنما قضية تتصل بمصداقية النظام الدولي وقدرته على تطبيق قواعده بصورة متساوية.

من جانبه، قال وزير الدولة لشؤون الإعلام الأسبق المهندس صخر دودين، إن خطاب جلالة الملك جاء بمثابة مرافعة سياسية وأخلاقية رفيعة المستوى دفاعاً عن القضية الفلسطينية، اتسمت بصراحة استثنائية في توصيف الممارسات الإسرائيلية، وبنقد مباشر للتقاعس الدولي عن إنفاذ القرارات والقانون الدولي.

وأضاف إن الخطاب وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية الانتقال من احتواء الصراع إلى معالجة جذوره، محذراً من أن تحويل الانتهاكات إلى وقائع مألوفة، والصمت عن استمرارها، يهددان مصداقية النظام الدولي برمته.

وتمثلت إحدى أبرز دلالات الخطاب، بحسب دودين، في الربط الواضح بين ما يجري في غزة والضفة الغربية، باعتبارهما وجهين لاستراتيجية واحدة تستهدف فرض واقع جديد على الأرض وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، مشيراً إلى أن الخطاب تجاوز لغة التوصيف العام إلى تسمية التهجير القسري في الضفة الغربية جريمة حرب، والتأكيد على أن المساءلة تبدأ بالاعتراف بحقيقة ما يجري وعدم تغليفه بمصطلحات مضللة.

وعلى المستوى الدولي، أوضح دودين أن جلالة الملك وجّه نقداً صريحاً لازدواجية المعايير، مشيراً إلى امتلاك المجتمع الدولي أدوات ضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية، من بينها العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، ومساءلته عن إبقاء القرارات المتعلقة بإسرائيل حبراً على ورق.

وعلى الصعيد الإقليمي، لفت دودين إلى أن الخطاب حمل تحذيراً واضحاً من الأطماع التوسعية الإسرائيلية وتداعياتها على استقرار المنطقة، مع تأكيد أن أمن الحدود الشمالية للأردن وأمنه المائي جزء لا يقبل المساومة من أمنه القومي.

وأضاف إن جلالة الملك أعاد التأكيد على نهج الأردن القائم على الجمع بين الدبلوماسية الفاعلة، وتعزيز القدرات الدفاعية، ومواصلة دعم صمود الشعب الفلسطيني، والتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

بدوره، اعتبر مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، الدكتور حسن المومني، أن خطاب جلالة الملك يمثل نموذجاً للخطابات التي يفتقدها العالم حالياً، لافتاً إلى أن جلالته، بما يمثله من قيادة ذات رؤية ومصداقية، قدم خطاباً يعكس رؤية قائد استثنائي، سواء من حيث المحتوى أو من خلال لغة الجسد.

وأشار إلى أن جلالة الملك أبرز مفردات بالغة الأهمية والقوة، خاصة عندما تحدث عن ضرورة الانتباه، وعن تحول الموقف المؤقت إلى دعم للممارسات الإسرائيلية، وعن الموقف الدولي الذي يتجاهل أن إسرائيل دولة محتلة.

واعتبر أن خطاب جلالة الملك، في تاريخ أدبيات الخطابات العربية والعالمية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، كان من أقوى الخطابات وأكثرها وضوحاً وجرأة في التعبير عن الموقف تجاه دولة الاحتلال.

وأشار إلى أن كل مفردة وكل كلمة تحدث بها جلالة الملك أضافت جديداً إلى اللغة الدبلوماسية، موضحاً أن جلالته قدم، في السياق الدبلوماسي، خطاباً متوازناً من حيث الحجة وقوياً من حيث المضمون.

وقال إن الخطاب جاء في ظل ظروف بالغة الصعوبة، خاصة الحرب على أهلنا في فلسطين والتطورات الإقليمية المرتبطة بها، مشيراً إلى أن هذه الظروف تتعلق بما وصفه بغطرسة وتوحش الدولة الإسرائيلية.

وأضاف أن الخطاب عكس في هذا المعنى، قناعات هاشمية وأردنية تجاه هذه القضايا، لافتاً إلى أن خطاب جلالة الملك ذكّره بخطابه في العام الماضي أيضاً، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وقال إن جلالته وجه من خلال خطابه رسالة إلى العالم، ومثل بكل وضوح نموذجاً لكيف يكون القادة العظام في التعاطي مع القضايا الدولية والإقليمية.

بترا – رانا النمرات

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *