من طوكيو إلى المحافظات: هل يتحول الترويج السياحي إلى إنفاق محلي مستدام

من طوكيو إلى المحافظات: هل يتحول الترويج السياحي إلى إنفاق محلي مستدام؟

بقلم: رانيا غازي أبو غوش
مستشارة التطوير المؤسسي وإدارة المخاطر

لا تُقاس قيمة الجولة السياحية الأردنية الأخيرة في اليابان بعدد اللقاءات التي عُقدت في طوكيو، بل بما ستنتجه لاحقاً من ليالٍ فندقية، وحجوزات طيران، ومسارات زيارة، وإنفاق يصل إلى المجتمعات المحلية في المحافظات. فالوفد الأردني لم يكتفِ باللقاءات مع كبرى شركات السفر والسياحة اليابانية، بل بحث أيضاً الربط الجوي مع الخطوط اليابانية JAL وANA، وأطلق شبكة إعلامية تدعم حضور الأردن في السوق الياباني. وهذه الخطوات تشير إلى انتقال مهم من الترويج العام إلى بناء قنوات وصول وشراكات أكثر استدامة.

الفرصة تأتي في وقت يحتاج فيه القطاع السياحي إلى زيادة نوعية الدخل، لا مجرد زيادة عدد الزوار. فقد ارتفع الدخل السياحي في آب 17.2% على أساس سنوي ليبلغ 1.139 مليار دولار، فيما بلغ خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام 5.558 مليار دولار. هذه المؤشرات إيجابية، لكنها لا تلغي حقيقة أن السياحة الأكثر قدرة على الصمود هي التي تطيل إقامة الزائر، وتوسع إنفاقه، وتوزعه جغرافياً بدلاً من حصره في عدد محدود من المواقع والفنادق.

من هنا، ينبغي أن يُفهم ملف الربط الجوي مع اليابان بوصفه ملفاً اقتصادياً، لا لوجستياً فقط. فالربط الأسهل والأكثر تنافسية يقلل كلفة الوصول والوقت، ويمنح منظمي الرحلات مساحة أكبر لتصميم برامج متعددة الأيام. غير أن أي تقدم في هذا الملف لن يكون مكتملاً ما لم يترافق مع حزمة سياحية واضحة: برنامج قابل للحجز، وتسعير مفهوم، وخدمات نقل موثوقة، ومحتوى رقمي وإعلامي بلغات الأسواق المستهدفة، وشراكات فعلية بين منظمي الرحلات الأردنيين ونظرائهم في الخارج.

الاختبار الحقيقي لا يبدأ عند هبوط الزائر في المطار، بل عند رسم مساره داخل المملكة. فمن الممكن أن يمر الزائر عبر عمّان والبحر الميت والبتراء ويغادر، لكن القيمة الاقتصادية تتضاعف عندما يتحول البرنامج إلى تجربة ممتدة تشمل جرش وعجلون وأم قيس ومادبا ومكاور ووادي رم والعقبة، وفق طبيعة الرحلة ومدة الإقامة. عندها تتوزع إيرادات السياحة بين الفنادق الصغيرة، وبيوت الضيافة، والمطاعم، والحرفيين، والأدلاء، والنقل المحلي، والمنتجات الزراعية والثقافية في المحافظات.

هذه هي الفكرة التي يحتاجها الموسم الخريفي تحديداً. فالأردن لا يفتقر إلى المقومات، بل يحتاج إلى هندسة أفضل للمنتج السياحي. مسار الأردن السياحي، على سبيل المثال، قادر على أن يكون أداة اقتصادية لا مجرد نشاط مغامرات؛ لأنه يربط مواقع طبيعية وتاريخية ومجتمعات محلية من شمال المملكة إلى جنوبها. والفعاليات والمؤتمرات التي تستضيفها عمّان والبحر الميت خلال الأيام المقبلة يمكن أن تصبح نقطة انطلاق لبرامج مرافقة قصيرة، تشجع الزائر المهني على تمديد إقامته وزيارة مواقع أخرى، بدلاً من أن يبقى أثره محصوراً في قاعة المؤتمر والفندق.

لكن توزيع الإنفاق يحتاج إلى إدارة مخاطر بقدر ما يحتاج إلى تسويق. فالقطاع السياحي يتأثر بسرعة بتغيرات الطيران الإقليمي، وكلفة الرحلات، والانطباعات الإعلامية، وأي اضطراب في سلاسل النقل أو الحجوزات. ولهذا، فإن تنويع الأسواق الوافدة ليس هدفاً دعائياً؛ بل هو محفظة مخاطر وطنية. السوق الياباني، إلى جانب أسواق الخليج وروسيا وأوروبا والأمريكيتين، يخفف الاعتماد على مصدر واحد للطلب ويمنح القطاع قدرة أكبر على امتصاص التقلبات.

المطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال إلى مؤشرات أكثر دقة من عدد القادمين: متوسط مدة الإقامة، ومتوسط إنفاق الزائر، ونسبة الإنفاق التي تصل إلى المحافظات، وعدد الليالي خارج عمّان والبحر الميت، وحصة المنشآت الصغيرة والأدلاء المحليين من العائد السياحي. هذه هي الأرقام التي تكشف إن كان الترويج نجح في صناعة اقتصاد سياحي حقيقي أم في رفع الظهور الإعلامي فقط.

إن بناء علاقة مستدامة مع السوق الياباني فرصة مهمة للأردن، لأن الزيارة الرسمية وضعت عناصر السلسلة كلها على الطاولة: شركات سفر، طيران، إعلام، ومنتج سياحي متنوع. أما النجاح فيقاس بقدرتنا على وصل هذه العناصر بالاقتصاد المحلي؛ أي أن يتحول الاهتمام إلى حجز، والحجز إلى إقامة أطول، والإقامة إلى إنفاق موزع، والإنفاق إلى فرص عمل ودخل مستدام في محافظات المملكة.

السياحة الناجحة ليست التي تجلب الزائر إلى الأردن فقط، بل التي تمنحه سبباً كافياً ليبقى أكثر، ويعود مرة أخرى، ويغادر وهو يحمل قصة عن الأردن لا تختزلها صورة واحدة أو موقع واحد

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *