الدكتور باسم خلف العساف
بالرغم من التطور الذي شهدته أحكام القانون الدولي الإنساني في الآونة الأخيرة ، والتي طرأت على الحماية القانونية الفردية للأشخاص، وتكريس نظام المسؤولية الدولية ومبدأ جبر الضرر والتعويض المباشر للمتضرر وبما يتناسب مع جسامة الضرر , إلا أن الصحفي لا يزال يعامل في ظل هذا التطور , باعتباره فردا عاديا , وبصفته كإنسان دون النظر إلى طبيعة عمله وخطورة مهنته التي قد يلقى حتفه من خلالها في بعض الأحيان , حيث أضفت عليه التشريعات الدولية صفة الشخص المدني أثناء النزاعات المسلحة على الرغم من الاختلاف الجوهري بين دافع الصحفي ودافع المدني تجاه الحرب.
والأمر ذاته أيضا بالنسبة لمقرات الصحافه حيث ينظر القانون الدولي إليها باعتبارها أعيانا مدنيه قد تكون مملوكه للدولة او لهيئات خاصة وطنية او أجنبية ، ولا تؤخذ بخصوصية معينة بالنظر إلى أهميتها وتأثيرها في المجتمعات ، وطبيعة الدور الذي تقوم به هذه المقرات من خلال نقل الأحداث ـ أولاً بأول ـ لما يجري في ساحات النزاعات المسلحة ، واطلاع الكافة على ما يرتكب من انتهاكات لأحكام القانون الدولي الإنساني من خلال وسائل الإعلام.
فإذا كانت الإخطار التي تهدد الصحفي ومقرات الصحافة بازدياد مستمر، وإذا كانت الاعتداءات التي يتعرض لها الصحفيون ومقرات الصحافة لا تتوقف عند حد، بل تتعاظم وتتفاقم يوما بعد يوم من خلال الواقع الملموس ، فإن الأمر يحتم على المجتمع الدولي النظر بعين خاصة لمهنة الصحافة في ظل المواثيق الدولية.
ومن خلال هذا الكتاب الذي تناول موضوع الحماية القانونية للصحفيين ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة ابتداء من التعريف بقواعد القانون الدولي الإنساني والصفة التي أضفتها هذه القواعد على الصحفيين ومقراتهم الصحفية ، ومدى تمتع هؤلاء الصحفيين ومقراتهم الصحفية بالحماية القانونية التي تضمنتها هذه القواعد ، وكذلك الحالات التي ترفع فيها هذه الحماية وتوقف عن الصحفي والمقرات الصحفية , وانتهاءً بالمسؤولية الدولية التي تنشأ جراء هذه الانتهاكات التي تم تناولها بالتحليل بين جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية , من حيث موقف المحكمة الجنائية الدولية ، وموقف محكمة يوغسلافيا السابقة من هذا التصنيف ، وبيان مدى إمكانية تحمل الأفراد المتسببين بالانتهاكات للمسؤولية الجزائية الدولية عما ارتكبوه من انتهاكات بحق الصحفيين ومقرات الصحافة ، ومسؤولية الدولة التابعين لها عن التعويض وجبر الضرر الذي تعرض له ضحايا النزاع المسلح.
إن الواقع القانوني الدولي الذي تعيشه مهنة الصحافة , يبرز ذاته ويدفع بنا إلى ضرورة الإشارة ألى أن محور تفعيل الحماية القانونية الدولية للصحفيين في الوقت الراهن , يدور حول القواعد القانونية الدولية نفسها ، سواء بتعديل ما هو موجود منها على الساحة الدولية، او إقرار قواعد قانونية دولية جديدة أكثر فاعلية لحماية الصحفيين ومقراتهم الصحفية , او إيجاد آليات تعمل على إلزام الجماعة الدولية بتطبيق ما هو ساري من القواعد القانونية الدولية الإنسانية.
إن الخطر الذي يتعرض له الصحفيون أثناء النزاع المسلح , لا يقل تأثيراً عن الخطر الذي تتعرض له باقي الفئات المحمية ، مما يستدعي النظر إلى وضع هؤلاء الصحفيين ومن خلال هذا المنظور, خصوصاً إذا عرفنا أن الصحفيين وفي بعض الأحيان قد لعبوا دورا مهما في إنقاذ المدنيين , ومثال ذلك دور الكاميرا في تأجيج التدخل الدولي الإنساني في الصومال في نهاية عام 1992, وكذلك في “غزة” منذ بداية العدوان الإسرائيلي عليها في 8 أكتوبر 2003 .
وأخيراً فإن على المجتمع الدولي- ممثلاً بالجمعية العامة للأمم المتحدة – ضرورة إجراء مراجعة شاملة لأحكام القانون الدولي الإنساني، وإقرار مشروع اتفاقية خاصة بحماية الصحفيين ومقرات الصحافة، تسمى( اتفاقية جنيف الخامسة لحماية الصحفيين ومقرات الصحافة) أو إقرار مشروع بروتوكول إضافي رابع ملحق باتفاقيات جنيف الأربع يسمى(البروتوكول الإضافي الرابع الملحق باتفاقيات جنيف الأربع المعقودة في12/آب/1949 المتعلق بحماية الصحفيين ومقرات الصحافة أثناء النزاعات المسلحة الدولية والداخلية).
إن توقيع اتفاقية دولية خاصة بالصحفيين ومقراتهم الصحفية يضع الأمور في نصابها من حيث تمييز الصحفيين ومقراتهم عن المدنيين والأعيان المدنية، ليضفي عليها طبيعة خاصة تنسجم مع رسالة الصحافة الإنسانية التي تسعى السعي الحثيث والدائم لتغطية ما يحدث في ساحات المعارك والتي يغيب مشهدها وما يرتكب فيها من عمليات وانتهاكات عن أعين الكثيرين ممن يتطلعون بشوق بالغ لمعرفة الخبر اليقين.

اترك تعليقاً