السيد الرئيس،
الزملاء والزميلات، أعضاء الاتحاد البرلماني الدولي المحترمون،
أتحدث إليكم اليوم انطلاقًا من قناعة راسخة بأن مكافحة الإرهاب ليست مسؤولية أمنية فحسب، وإنما هي مسؤولية تشريعية وقانونية وأخلاقية، تقع البرلمانات في صميمها؛ لأنها الجهة التي تضع القواعد التي ينبغي أن تحمي المجتمعات، وتصون الحقوق، وتمنع الإفلات من العقاب.
وقد كانت المملكة الأردنية الهاشمية وبقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني من الدول التي استجابت مبكرًا للتحدي الذي تمثله ظاهرة الإرهاب، من خلال تطوير منظومتها التشريعية والمؤسسية لمواجهته، واضطلع البرلمان الأردني بدوره الدستوري في هذا المسار، إيمانًا بأن مكافحة الإرهاب لا تنفصل عن سيادة القانون، ولا عن صون الحقوق والحريات.
لكن التحدي الذي نواجهه اليوم أعمق من مجرد تطوير التشريعات؛ إنه يتعلق بمصداقية المعايير التي نحتكم إليها.
فلا يمكن أن تكون لدينا منظومة دولية لمكافحة الإرهاب بمعيارين؛ معيار يُطبَّق على فاعل، ومعيار آخر يُستثنى منه فاعل آخر بسبب موقعه السياسي أو قوته أو صفته الدولية.
ولعل من أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك ما يجري في سياق الاحتلال الإسرائيلي، وما يُنسب إلى حكومة الاحتلال من أفعال وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، في ظل استمرار الجدل والمساءلة القانونية الدولية بشأنها، وما يراه كثيرون من استمرارٍ للإفلات من العقاب.
وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه: كيف يمكن أن نحافظ على ثقة شعوبنا في منظومة مكافحة الإرهاب، إذا كانت المعايير القانونية التي ندين بها أفعالًا معينة لا تُطبَّق بالاتساق ذاته على أفعال أخرى؟
إننا لا ندعو إلى إطلاق توصيفات قانونية جزافية، وإنما إلى الاحتكام إلى معيار واحد. فإذا كانت الأفعال التي تستهدف المدنيين، وتزرع الرعب بين السكان، وتفرض التهجير القسري، وترتكب القتل واسع النطاق، تستوفي عناصر جريمة مقررة في القانون الدولي، فيجب أن تخضع للمساءلة بصرف النظر عن هوية مرتكبها.
إن تسمية الجرائم بأوصافها القانونية ليست موقفًا سياسيًا، وإنما هي جوهر سيادة القانون. أما أن تتغير المعايير بتغير الفاعل، فذلك لا يضعف العدالة وحدها، بل يقوض الثقة في منظومة مكافحة الإرهاب ذاتها.
والأخطر من ذلك أن ازدواجية المعايير قد تخلق بيئة من الإحباط والغبن وانعدام الإنصاف، وهي بيئة يمكن أن تسهم في إعادة إنتاج العنف والتطرف. ولذلك، فإن مكافحة الإرهاب لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة مظاهره ونتائجه، بل يجب أن تتصدى أيضًا للظروف التي تغذي دوائر العنف وتطيل أمدها.
أيها الزملاء،
إن مسؤوليتنا كبرلمانيين ليست أن نسن قوانين أكثر صرامة فحسب، وإنما أن نضمن أن تكون هذه القوانين أكثر عدالة واتساقًا، وأن يكون معيار التجريم واحدًا، وأن تكون حماية المدنيين واحدة، وأن تكون كرامة الإنسان مصونة دون تمييز.
فلا يمكن أن نطالب العالم بمكافحة الإرهاب بمعايير انتقائية، ثم نستغرب اهتزاز الثقة بالقانون الدولي. ولا يمكن أن نبني أمنًا مستدامًا فوق أنقاض العدالة.
إن رسالتنا من هذا المنبر يجب أن تكون واضحة:
لا انتقائية في تعريف الجريمة، ولا ازدواجية في تطبيق القانون، ولا حصانة من المساءلة بسبب القوة أو النفوذ.
فالعدالة المتساوية أمام القانون ليست ترفًا دبلوماسيًا، وإنما هي الشرط الأول لمصداقية أي جهد دولي حقيقي لمكافحة الإرهاب، ولإرساء أمنٍ مستدام وسلامٍ عادل.
وشكرًا لكم.


اترك تعليقاً