تغريد حكمت في عيون الأردنيات.. إرثٌ وطني ومسيرةٌ امتدّت من الأردن إلى العالم

هناك نساء لا تُقاس قيمة مسيرتهن بعدد المناصب التي شغلنها، بل بالأبواب التي فتحنها لمن جئن من بعدهن، وبالأثر الذي تركنه في نفوس النساء والأجيال التي تلتهن.

ومن هذا المنظور، تنظر المرأة الأردنية إلى القاضية تغريد حكمت؛ لا باعتبارها قاضية أردنية وصلت إلى مواقع رفيعة فحسب، وإنما باعتبارها واحدة من النساء اللواتي أثبتن أن الطريق إلى مواقع المسؤولية يبدأ بالكفاءة، ويستمر بالعطاء، ويُحفظ بالنزاهة والإصرار.

كانت تغريد حكمت أول قاضية امرأة في الأردن عام 1996، في مرحلة كان حضور المرأة في القضاء لا يزال تجربة جديدة. لكنها لم تجعل من كونها امرأة عائقًا، ولم تجعل من ريادتها عنوانًا للمطالبة بالامتياز، بل جعلت من العمل والكفاءة طريقًا لإثبات الحضور.

ثم اتسعت مسيرتها من القضاء الأردني إلى القضاء الدولي، حيث خدمت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، لتصبح تجربتها نموذجًا للمرأة الأردنية التي استطاعت أن تحمل خبرتها وكفاءتها إلى ساحات العدالة الدولية.

وعندما انتقلت إلى عضوية مجلس الأعيان الأردني، ثم إلى المحكمة الدستورية عام 2020 كأول امرأة عضو فيها، لم تكن تلك المواقع مجرد محطات في سيرتها، بل كانت رسائل عملية للمرأة الأردنية بأن وجودها في مواقع صنع القرار ليس استثناءً، وأن الكفاءة قادرة على إيصالها إلى أعلى مؤسسات الدولة.

ومن هنا تأتي أهمية تغريد حكمت بالنسبة للمرأة الأردنية.

فالمرأة تحتاج إلى القدوة، لا لتكرر تجربة امرأة أخرى، وإنما لترى أمامها مثالًا حيًا يقول لها: الطريق ممكن.

قد تختلف الظروف، وقد تختلف المجالات، وقد تتغير الأجيال، لكن صورة امرأة أردنية تصل إلى القضاء الوطني، ثم القضاء الدولي، ثم إلى مواقع الدولة العليا، تمنح الأجيال الجديدة شيئًا يتجاوز الكلمات؛ تمنحها الثقة بأن الطموح ليس سقفًا بعيدًا، وأن المواقع التي كانت تبدو يومًا بعيدة يمكن أن تصبح جزءًا طبيعيًا من حضور المرأة.

والأجمل في مسيرة تغريد حكمت أنها لا تختصر في لقب «أول امرأة». فالأولية الحقيقية ليست في أن تكون المرأة الأولى فقط، وإنما في أن تجعل تجربتها قيمةً تستفيد منها من تأتي بعدها.

واليوم، ونحن نتأمل ختام مرحلة مهمة من مسيرتها في المحكمة الدستورية، فإننا لا نحتفي بنهاية مسار، بقدر ما نحتفي بأثر مسار طويل.

نحتفي بامرأة أردنية حملت اسم بلدها إلى ساحات قضائية دولية، وجلست في مؤسسات وطنية رفيعة، وأسهمت في ترسيخ حضور المرأة في مواقع المسؤولية.

ومن موقع المرأة الأردنية، نقول لتغريد حكمت:

شكرًا لأنكِ لم تكوني مجرد امرأة وصلت، بل امرأة جعلت وصولها رسالة لمن بعدها.

شكرًا لأنكِ كنتِ صورة من صور المرأة الأردنية التي تؤمن بقدرتها، وتعرف قيمة العلم والكفاءة والعمل، وتدرك أن الوصول إلى مواقع المسؤولية ليس غاية بحد ذاته، وإنما مسؤولية وأمانة وأثر.

ستبقى مسيرتكِ مصدر فخر للمرأة الأردنية، وستبقى تجربتكِ تقول لكل فتاة أردنية تنظر إلى المستقبل:

لا تجعلي كونكِ امرأة سببًا للتراجع، بل اجعلي كفاءتكِ وإصراركِ ونزاهتكِ جواز عبوركِ إلى المكان الذي تستحقينه.

تغريد حكمت… ليست فقط صفحة مضيئة في تاريخ القضاء الأردني، بل صفحة ملهمة في قصة المرأة الأردنية.

كل المحبة والتقدير لهذه السيدة الأردنية الاستثنائية، ولإرثها الذي سيبقى حاضرًا في ذاكرة المرأة الأردنية.
الدكتورة هند صالح الشروقي

Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *