الصبح يكتب :المثقف العضوي .. من جديد
كتب: الدكتور سفاح الصبح
قبل أيام تلقيت خبرا من أحد أصدقائي الذين لم أجالسهم منذ شهور خلت في منشور له على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي يسمني فيه بأني ” مثال للمثقف العضوي في عجلون ..” والحق أقول بحكم كوني أستاذا للنقد الأدبي ومدرسه بأني لم أستقبل تلكم الكلمات إطراء بقدر ما استقبلتها قراءة للحال و دعوة للتأمل والتفكير .
و بحكم منهجية مستحكمة في الذات قابعة في الأعماق رحت أبحث في مصطلح المثقف العضوي لأجد عشرات المسميات التي تصف المثقف عموما تبعا لاهتماماته الفكرية و منطلقاته الأيدولوجية . إلا أن صورة خاصة لأحدى التقسيمات الفكرية للمثقف كانت تتعالى بأهميتها على غيرها تبعا لتأثيرها المجتمعي و حيويتها وهي المثقف العضوي الذي يقابل المثقف التقليدي بكامل اتجاهاتها وتوجهاتها .
وهنا أجد نفسي واقعا في وصف الحالة تحت تعريف صاحب المصطلح ذاته المفكر الإيطالي غرامشي الذي يقول بأن المثقف التقليدي يعيش في برجه العاجي ويعتقد أنه أعلى من كل الناس بينما المثقف العضوي هو من يحمل هموم كل الطبقات و الجماهير و كل المحرومين و يرتبط بقضايا أمته وهمومها و يتحسس آلام شعبه ويترجم قيمه وأحلامه فيشارك مجتمعه بنشاط و يناضل باستمرار لتغيير الآراء و توسيع السوق فهو دائم التنقل و دائم التشكل على العكس من المعلمين و الكهنة الذين يبدون و كأنهم باقون في أماكنهم يؤدون نوع العلم ذاته عاما بعد عام .
و يتابع غرامشي رسم خارطة التغيير المجتمعي عبر رؤية خاصة بطلها المثقف العضوي بقوله إنه إذا كان دائما ما تلتفّ الحكومات على الثورات ببعض الإصلاحات لئلا تأتي عليها الثورة الشاملة فإننا والحال هذه ليس لدينا أمل في التغيير مع هذه الحكومات التي تمارس الهيمنة والقوة على الناس الذين يبادلونها بالتراضي إلا باختلاق الحزب الثوري المكون من طبقة المثقفين العضويين الجديدة المرتبطين بهموم الناس وقضاياهم والتي يمكنها أن تشكل هيمنة بديلة عن الهيمنة الرأسمالية .. فالمثقفون هم القادرون على صنع المعجزات إذا ما التزموا بقضية الشعب الأساسية التزاما عضويا وحيويا . فالبرجوازيا تخشاهم وتعرف أن نفوذهم كبير ( بينما هم كما قال جلال الدين الرومي لا يعرفون قيمة أنفسهم ) لذلك تحاول البرجوازية أن تشتريهم بأي شكل .
وبعد قول الفيلسوف المناضل غرامشي السابق فإننا نظل في حاجة ماسة سريعة إلى تمثّل هذه الرؤية نظريا وعمليا للوقوف أمام الهجمات التي تجتاح مجتمعنا و التي للأسف يساهم المجتمع ذاته فيها عبر التراضي والرضى و الانهزامية و السلبية والاستهلاكية والنفعية .. ومع ذلك وبالرغم من أن المثقف العضوي هو عملة صعبة جدا في خضم وجود المثقفين التقليديين إلا أنه يبقى البديل الحقيقي الوحيد لتحقيق التغيير المنشود .
وهنا يطيب لي بأن أخص الأستاذ بكر العنانزة الذي أضاء الفكرة و الذي يهتم بالمصير اليومي للناس و مستقبلهم بالشكر الكبير حيثما لفت النظر إلى موضوع المثقف العضوي بعمق والذي أجد نفسي دونه و إنما تركت قراءته تلك في نفسي شيئا من المواساة والدعم لإيقاد الشرارة و إطلاق التنوير و خلق التيار لا السير فيه و تحمل المسؤولية و مواصلة المشوار !!













